منوعات - صحة

لقاح كوفيد-19 للجميع

بقلم بيتر جيه. هوتيز، ماريا إيلينا بوتازي

في الوقت الذي ينتشر فيه المُتحوِّر «أوميكرون» Omicron في جميع أنحاء العالم، وتتبارى كبريات الشركات المنتجة للقاحات «كوفيد-19» على تلقِّي أكبر عدد من البشر للقاحاتها على مستوى العالم، أنتج مركز تطوير اللقاحات بمستشفى تكساس للأطفال بالتعاون مع كلية بايلور للطب، لقاحًا أصبح جاهزًا للاستخدام؛ ففي الأسبوع الأخير من عام 2021، منحت هيئة الرقابة الهندية على الأدوية تصريحًا لإحدى شركات إنتاج اللقاحات في البلاد للبدء في توزيع أحد لقاحات «كوفيد-19»، الذي يحمل اسم «كوربيفاكس» CORBEVAX.

بعد مرور عامين على الجائحة، يُعد لقاح «كوربيفاكس» أول لقاح مضاد لمرض «كوفيد-19» صُمِّم خصوصًا للصحة العالمية، وهو بمنزلة خطوة فارقة نحو تحقيق العدالة العالمية في توزيع اللقاحات، كما نراه حلًّا من شأنه أن يضع حدًّا لتردُّد البعض في تلقِّي اللقاحات، وسوف يكون بمنزلة مخطط عمل يُبين الكيفية التي يمكن بها تطوير لقاحٍ فعال للاستخدام في أثناء الجائحة، في ظل غياب التمويل السخي من القطاع العام، كان النموذج الأولي للقاح قد طُوِّر للمرة الأولى على أيدي علماء في مركز تطوير اللقاحات بمستشفى تكساس للأطفال وكلية بايلور للطب قبل أن يُمنَح ترخيصه لشركة «بيولوجيكال إي. ليميتد» (BioE) دون أي براءات اختراع، ودون أي قيد أو شرط.

وقد طلبت الحكومة المركزية في الهند 300 مليون جرعة من هذا اللقاح بالفعل، وتعتزم شركة «بيولوجيكال إي. ليميتد»، المصنعة للقاح، إنتاج 100 مليون جرعة أو أكثر شهريًّا، اعتبارًا من شهر فبراير المقبل، وقد أُنتج بالفعل ما يَقرُب من 150 مليون جرعة، جميعها جاهزٌ للتوزيع، وإلى جانب ما تزود به شركة «بيولوجيكال إي. ليميتد» الهند من جرعات اللقاح، تعتزم الشركة أيضًا توفير أكثر من مليار جرعة إضافية لدولٍ أخرى.

ما يعنيه هذا أنَّ لقاح «كوربيفاكس» سوف يُستخدم قريبًا لتطعيمأشخاص أكثر عددًا بكثير من الأشخاص الذين تلقوا جرعات اللقاحات التي تبرعت بها حتى الآن الحكومة الأمريكية أو أي دولة أخرى ضمن مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7).

يتميز هذا اللقاح الجديد بالعديد من المزايا الفريدة التي تجعله مناسبًا جدًّا للاستخدام في الأماكن التي تفتقر إلى الموارد؛ فهو آمن وفعال ويمكن إنتاجه محليًّا بكميات كبيرة جدًّا، وإضافةً إلى ذلك، فإنه سهل التخزين وغير مكلف، ولذلك، نأمل أن يُقرَّ استخدامه في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والتي كان مستوى إتاحة اللقاحات فيها سيئًا للغاية بشكلٍ عام.

يُصنَّع لقاح «كوربيفاكس» بالاستعانة بتقنيةٍ استُخدمت في جميع أنحاء العالم على مدار عقود من الزمن، وهذا معناه أن عمليات التصنيع عمومًا معروفة بالفعل، ومن ثم فإنَّها لن تتطلب منحنىً تعليميًّا شديد الانحدار، كالمنحنى المطلوب عند توسيع نطاق التقنيات الجديدة، مثل اللقاحات المعتمدة على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، والفيروسات الغُدَّانية، والجسيمات البروتينية.

هذا فضلًا عن أنَّ لقاح «كوربيفاكس» يُصنَّع بالتخمير الميكروبي للخميرة، أي على غرار العملية المستخدمة في إنتاج لقاح الالتهاب الكبدي الوبائي «بي» المأشوب، الذي تُصنِّعه وتستخدمه كثيرٌ من الدول الفقيرة بالموارد، وهذا من شأنه أن يفتح المجال أمام التصنيع المحلي للقاحات «كوفيد-19» مماثلةٍ للقاح «كوربيفاكس»، تجدر الإشارة إلى أن مركز تطوير اللقاحات بمستشفى تكساس للأطفال وكلية بايلور للطب قد منحا بالفعل ترخيصًا باستخدام تقنية هذا اللقاح لشركاتٍ في أندونيسيا وبنجلاديش، كما منحا ترخيص إنتاجه لدولٍ أفريقية مثل بوتسوانا، مثل هذه الاتفاقيات لترخيص اللقاحات وتقنياتها، المبرمة مع شركاء يشاركون في تطوير اللقاح، هي أفضل مثالٍ للطريقة التي يمكن -بل يجب- أن تُنتَج بها لقاحات «كوفيد-19» محليًّا، وعلى نطاقٍ واسع، في الدول الواقعة في الجنوب العالمي.

ويمتاز لقاح «كوربيفاكس» بخصائص أمان ممتازة، تمامًا مثل لقاح الالتهاب الكبدي الوبائي المأشوب، والذي يُصنَّع باستخدام التقنية ذاتها؛ ففي تجربة المرحلة الثالثة التي أُجريت في الهند، لم ينجم عن لقاح «كوربيفاكس» سوى آثار جانبية طفيفة بالأساس، مما يجعله من أكثر لقاحات «كوفيد-19» المُستخدمة أمانًا.

عند مقارنته بجرعات لقاح شركة أسترازينيكا وجامعة أوكسفورد المُصنَّع بواسطة معهد الأمصال الهندي، أنتج لقاح «كوربيفاكس» أيضًا كميةً أكبر من الأجسام المضادة المحيِّدة للمُتحوِّرين «دلتا» Delta و«بيتا» Beta من فيروس «سارس-كوف-2» المُسبِّب لمرض «كوفيد-19» (نتوقع الحصول على البيانات الخاصة بالمُتحوِّر «أوميكرون» قريبًا)، منح هذا اللقاح وقايةً أكثر استدامةً وأطول أمدًا؛ إذ استطاع تحييد هذين المُتحوِّرين المُقلقين في دراساتٍ مختبرية أُجريت على الحيوانات، كما منح قدرًا كبيرًا من الوقاية في تجربتين من تجارب التحدي التي أُجريت على الرئيسيات غير البشرية.

ونظرًا إلى أن لقاح «كوفيد-19» البروتيني المأشوب الذي طوَّره مركز تطوير اللقاحات بمستشفى تكساس للأطفال من نطاق الارتباط بالمستَقبِل للبروتين الشوكي الموجود على سطح الفيروس إضافةً إلى مادة CpG 1018 المساعدة من شركة «داينافاكس تكنولوجيز» Dynavax Technologies، والمصنوعة من الشَّب، فإنه يمكن تخزينه عن طريق التبريد البسيط، ومثل لقاح الالتهاب الكبدي الوبائي «بي»، فهو أيضًا أحد أرخص لقاحات مرض «كوفيد» المتوافرة حتى يومنا هذا، إذ لم تُسجَّل أي براءات اختراع لتقنية هذا اللقاح، كما أن مركز تطوير اللقاحات بمستشفى تكساس للأطفال يساعد ويشارك في تطوير هذا اللقاح جنبًا إلى جنب مع شركة «بيولوجيكال إي. ليميتد» وغيرها من الشركات المنتجة للقاحات في الجنوب العالمي، مما يُسهم في إبقاء التكلفة منخفضة.

وبما أنَّ مئات الملايين من الأشخاص قد تلقوا بالفعل لقاح الالتهاب الكبدي الوبائي «بي» المأشوب على مدار عدة أجيال، فإنَّنا نتوقع أن يُقبِل الناس بسهولة على تلقِّي لقاح «كوربيفاكس» وما شابهه من لقاحات «كوفيد-19» البروتينية المأشوبة، بما في ذلك لقاحات الأطفال، وتُجرى التجارب الإكلينيكية للقاح حاليًّا على الأطفال في الهند، ولربما يكون الآباء أكثر استعدادًا لقبول لقاح «كوربيفاكس» من اللقاحات المصنَّعة بتقنية أحدث، فإذا كان ثمة لقاحٌ ضد مرض «كوفيد-19» قادرٌ على أن يُنهي تردد البعض في أخذ اللقاحات ورفضهم لها، فإنه قد يكون «كوربيفاكس» برأينا.

لقد صار لدينا الآن بدايةٌ جديدة وسبقٌ جديد لتطعيم العالم أخيرًا، اللافت أن مركز تطوير اللقاحات بمستشفى تكساس للأطفال حقق هذا الإنجاز دون أي دعمٍ يُذكر، سواءٌ من الحكومة الفيدرالية الأمريكية أو من مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، بل اعتمد -عوضًا عن ذلك، وعلى نحوٍ شبه حصري- على التبرعات الخيرية الخاصة في تكساس ونيويورك وأماكن أخرى.

فهل كان واردًا أن يكون العالم بأكمله قد حصل على اللقاح الآن، لو أننا حصلنا ولو على قدرٍ يسير من الدعم المقدم لشركات التكنولوجيا الحيوية أو الشركات متعددة الجنسيات التي تُنتج لقاحاتٍ باستخدام تكنولوجيات جديدة؟ ربما كان باستطاعتنا أن نمنع ظهور المُتحوِّر «أوميكرون»؛ إذ من المحتمل أن يكون المُتحوِّران «ألفا» و«دلتا» قد نشآ من أشخاصٍ لم يتلقوا التطعيم، ولذا، نحن مستمرون في طلب المساعدة من الحكومة الفيدرالية الأمريكية ومجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، للمشاركة في تطوير لقاحنا البروتيني المأشوب، مع شركائنا الجدد في الدول الأخرى منخفضة الموارد، وهذا يشمل تمكينهم من الانضمام الآمن إلى مرفق «كوفاكس» لمشاركة اللقاحات؛ من أجل توزيع اللقاح في مختلف أنحاء العالم.

نحن نأمل أن نعقد شراكةً خلال العام مع منظمة الصحة العالمية وغيرها من هيئات الأمم المتحدة، لتطعيم العالم كله أخيرًا، وبفضل لقاحنا البروتيني المأشوب الذي يمتاز بالأمان وقوة الفاعلية وسهولة التخزين والتوزيع رغم قلة تكلفته، فإننا نعتقد أننا قد نتمكن أخيرًا من تحقيق العدالة في توزيع اللقاحات، ووضع حدٍّ للتردد في تلقي اللقاحات ورفضها على مستوى العالم، ولا شك أنَّ هذا يُعد خطوةً تاليةً حاسمة، يتعين اتخاذها من أجل إنهاء جائحة «كوفيد-19» بالتطعيم.

اضف تعليق