ناقش مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية وضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (عام 2019 المواجهة الصفرية للفساد في العراق)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

أدار الجلسة الحوارية الأستاذ عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وابتدأ حديثه قائلا: "أضحى الفساد في العراق حديث الشارع اليومي، وهي سُنه تطارد المسؤولين العراقيين على اختلاف المستويات والمناصب، وهو السلاح الاكثر فتكا واستخداما لضرب الخصوم وتصفيتهم. للفساد تداعيات سلبية كبيرة على جوانب مختلفة في العراق، من أهمها تراجع مؤشرات التنمية ومواجهة المستثمرين الأجانب ضغوطا كبيرة على أعمالهم في هذا البلد".

"فضلا عن تأثيراته الامنية والخدمية وبناه التحتية، التي جعلت مشاكله شبه مستمرة وعالقة، الفساد في العراق بقى محل اهتمام المؤسسات الدولية قبل المحلية والاقليمية، وكان هاجسا وشبحا يطارد الفرد العراقي في كل مراجعة للدوائر الحكومية، حيث يؤمن الكثير من العراقيين بانهم يعيشون في دولة تعد من أكثر الدول فسادا، وبلغ العراق في أعلى درجات الفساد في عام (2007) بتسلسل (178)، في مؤشر الفساد الذي تنشره (منظمة الشفافية الدولية)".

"بينما حل في العام (2017) في المركز (169 من بين 180) دولة على المؤشر آنف الذكر. هيئة النزاهة العراقية من جانبها وحسب موقعها الرسمي، فقد بلغ عدد القضايا التي عملت عليها للنصف الأول من عام (2018) (8473) قضية، بلغ عدد اوامر الاستقدام منها (2791) امرا، اما اوامر القبض فبلغت (1071) من بينهم (تسعة) وزراء و(16) بدرجة وكيل وزير، كما اقرت الهيئة بان العراق فقد بسبب الفساد الحكومي نحو (320) مليار دولار في السنوات (15) الماضية".

"الحكومات المتعاقبة وعلى لسان رؤساءها تعهدت في برامجها الحكومية بمحاربة الفساد والحد منه، ناهيك عن محاسبة ومتابعة المطلوبين في هذا الجانب، غير ان الواقع يحكي شيئا آخر، فقد انشغلت تلك الحكومات اي في الدورات السابقة اما بالمشاكل السياسية او بالاهتزازات الامنية، وبقي الخطر والوباء يتجدد وكأنه في ريعان الصبا والشباب وهنا نعني الفساد، عادة ما ينتهي المطاف بالمتورطين في قضايا الفساد، اما في الهروب إلى خارج البلاد تحت غطاء سياسي او مافيات مع الاموال التي سرقت وهم احرار خارج قضبان السجن بموجب قانون العفو العام، فيما تعرض المتصدون للفساد أو العاملون عليه في هذا الجانب إلى تصفيات حتى جسدية".

"في برنامجه الحكومي المعد تعهد الدكتور عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء، بوقفة جادة لمتابعة ومحاربة الفساد والحد منه، ومتابعة واسترجاع الاموال المسروقة والمستحوذ عليها، فالكلام أقرب منه للخيال من الواقع، فالرجل وبعد مضي (83) يوما على بدأ استلامه الحكومة، ما زالت التشكيلة الحكومية غير مكتملة، فيما التشكيك والحديث عن اختراق لجهات مطلوبة للقضاء في الوزارات المصوت عليها ذاع صيته، الرجل يعي جيدا من سيقاتل ومن يتقاتل معه، خاصة وهو ابن البيئة السياسية التي ولدت بعد العام (2003)".

"ويدرك جيدا بأن الفساد ليس وليد الصدفة ولا هو ناتج عرضي نتيجة لإهمال موظفين أو اهمال مسؤولين، بل هو أي (رئيس الحكومة) يفهم مغارات الامور وخباياها، فالرجل لديه تصور كامل من كون الصورة الظاهرية للفساد هي ليست الصورة الكاملة، فالفساد له صور أكثر بشاعة بمقدار ما خلفه من مافيات وشخصيات وارتباطات داخلية وخارجية، بالتالي يمكن تصوير هذا الموضوع اشبه بالجبل المتخفي تحت قاع البحر، فله جزء ظاهري وله قاعدة مخفية تحت البحر".

"المعركة ليست مع القمة ولا مع ظاهرها، بل على رئيس الحكومة أن يغوص في قاع البحر، ليضرب القاعدة التي ترتكز عليها تلك القمة، الإجراءات التي سمعنا عنها باعتقال موظف أو تورط مدير عام أو وزير أو وكيل أو من بدرجته، لا تعدو كونها صخرة بسيطة في خضم هذا الجبل العملاق، عام (2018) انتهى وبدأنا في النصف الأول لعام (2019) بتشكيلة حكومية غير متكاملة، بالإضافة إلى الهيئات المستقلة والادارات بالوكالة التي تعد المرتكز الاساس لإدارة الدولة".

"أي أن عام (2019) سيكون عاما مليئا بالأحداث لرئيس الحكومة وهو يسير ببطء شديد، نحو تغيير قد لا يطاله وفي نفس الوقت هو يتحد عنه، فهل يدرك أن المعركة مع الفساد كلما تأخرت ازدادت شراسة وضراوة وكثر المتورطون بقضاياها وقلة ثقة المجتمع بسمعة الحكومة أو برئيسها، قد يدرك الرجل ذلك ولكنه مضطر للمسير ببطء في حقل الغام السياسة العراقية، التي قد ينفجر فيها لغم في أي لحظة ومن دون أن نعرف مصدره، مسيرة هذا الرجل السياسية وقراراته قد يكون لها قيمة في هذا الوقت بالذات، خصوصا وهو لا يملك كتلة برلمانية تدعي بأنه وليدها، بل الكل يعرف أنه جاء بتوافق وليس متبنى لأي أحد".

"في خضم هذا الكلام وغيره يبقى تعهد هذا الرجل بمحاربة الفساد تحديا كبير له، قد يطيح أما بحكومته أو يطيح به شخصيا، او قد يسجل قفزة حقيقية في هذ المسار وتحسب له، وهذا ما يصعب تصديقه بناءِ على المؤشرات الحاضرة".

ولإثراء الموضوع لابد من طرح الاسئلة التالية:

السؤال الأول/ هل سيشهد العراق حربا حقيقية على الفساد في العام 2019؟

مواجهة مع الفساد

- د. حسين أحمد السرحان رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، يعتقد أن العراق لن يشهد مواجهة مع الفساد في العام (2019)، خصوصا وأن رئيس الوزراء الحالي لا ينتمي لأي كتلة سياسية وهو غير منتخب، وبالتالي هو فاقد لكثير من اساسيات القوة التي من خلالها بإمكانه مواجهة تلك الآفة، فرؤساء الحكومات السابقة برغم تمتعهم بكتل نيابية كبيرة في البرلمان ومع سيطرتهم على بعض الأجهزة الامنية لم يستطيعوا مواجهة الفساد، فكيف بالسيد عادل عبد المهدي!، لذا هو مدرك تماما وحتى لو لم تكتمل حكومته ولم ينفذ برنامجه الحكومي، وهو لم يستطيع تنفيذ برنامجه الحكومي، والدليل على ذلك موضوع الموازنة ومتضمنات تلك الموازنة التي تتعارض كثيرا مع البرنامج الحكومي الذي أعلن عنه السيد رئيس الوزراء، وبالتالي هو أعطى تعهدات على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، لذلك لا توجد مؤشرات إيجابية على تلك التعهدات، أضف إلى ذلك هو يدرك تماما بأن البرلمان لا يستطيع إقالة الحكومة الحالية، وهذا عنوان مهم وأساسي، لذلك نجد السيد رئيس الوزراء حضر مرة واحدة فقط للبرلمان ولن يحضر في المرات القادمة، خصوصا وأنه أدرك حقيقة ارتباط الأمر برؤساء الكتل البرلمانية في البرلمان وليس على النواب، لذلك هو يبحث عن إدامة التوافق بين رؤساء الكتل ليستمر في حكومته، أما هذه التعهدات في مواجهة الفساد هي تعهدات فارغة، وليس هناك مقومات أساسية لا قانونية ولا أمنية ولا قضائية ولا مؤسسات انفاذ القانون، قادرة على مواجهة آفة الفساد في العراق".

وجود الكتل السياسية مرتبط بالفساد

- الدكتور قحطان حسين الحسيني الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يرى إن السيد رئيس الوزراء هو نتاج لبيئة سياسية فاسدة، وبالتالي عندما يرفع شعار مكافحة الفساد يعي تماما بأنه لا يملك أدنى مقومات محاربة الفساد. الفساد في العراق أصبح أشبه ما يكون بالمهمة المستحيلة، وهم يدركون تماما بأن مكافحة الفساد هي من تحدد بقاء المسؤول من عدمه، علما أن شعار مكافحة الفساد سبق وأن رفع من قبل شخص يمتلك دعم سياسي أكبر مما يمتلكه السيد عادل عبد المهدي، لكنه فشل في محاربة الفساد، بل أن مجرد الكلام بمكافحة الفساد هو مدعاة لتغلغل الفساد وانتشاره بشكل أوسع، كل الكتل السياسية تعي تماما بأن وجودها واستمرارها وديمومة بقائها في السلطة مرتبط بالفساد واستشراء الفساد، وبالتالي سيكون العام 2019 هو مواجهة للفساد في الكلام فقط، أما على أرض الواقع الأمر مختلف تماما.

حدوث تحول كبير في العراق

- الشيخ مرتضى معاش المشرف العام مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، يعتقد، انه خلال الستة أشهر القادمة سوف يحدث تحول كبير في العراق، والسبب لأن هذه الدولة هي استنزافية بمعنى الكلمة، والدليل على ذلك أن 90% من الموازنة العامة يذهب لرواتب موظفي الدولة، وهذه مشكلة كبيرة تجعل من الحكومة العراقية بين سندان الشعب الذي يطالب بتغيرات كبيرة وبين مطرقة العامل الدولي، فالعامل الدولي يضغط بقوة لإحداث تغيرات شاملة.

لذا فخلال الفترة القادمة سوف تحدث تغيرات كبيرة، بالتالي فهذا التضخم الوظيفي الموجود يستفز الشارع بقوة، فالمواطن العراقي عندما يذهب لدوائر الدولة يجد معوقات شديدة وإذلال لكرامته، بالتالي البعض يعتقد بأن خروج الشارع العراقي سببه الإذلال الذي لاقاه المواطن في دوائر الدولة، وهذا التضخم الوظيفي أدى إلى وجود فساد كبير، لذلك بعد إنتهاء معركة داعش لابد أن تكون هناك معركة ضد الفساد، وذلك حتى يكون العراق مؤهلا للدخول في النظام المالي العالمي، بالنتيجة لابد أن تحل مشكلة العراق قبل أن تحل مشكلة سوريا، والأشهر القادمة ستكون على المحك في المواجهة الصفرية، بغية إيجاد العلاج اللازم لأزمة الفساد التي قد تقود العراق نحو الكارثة والسقوط والتفكك.

الفساد قضية صعبة جدا محاربته

- الحقوقي أحمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، يرى ان الأحزاب في العراق حاولت أن تصنع ديمقراطية على غرار الديمقراطيات الأخرى، لكن ذلك لن يتم والسبب لأن الأحزاب السياسية في باقي دول العالم تقوم بتمويل نفسها بنفسها، أما الأحزاب في العراق فيتم تمويلها من خلال الفساد، ومن خلال الإثراء على حساب المال العام، لذلك كل حزب من هذه الأحزاب يحاول الحصول على الحصة الأكبر من الحكومة، ليستولي على وزارات ممكن أن تدر عليه الأموال، وبالتالي فقضية الفساد قضية صعب جدا محاربتها، وذلك لأن البيئة والمناخات المتوفرة في العراق الآن لمحاربة الفساد هي غير سليمة، خصوصا وأن العراق يعاني من حالة عدم استقرار وضبابية في الموقف الأمريكي داخل العراق وداخل المنطقة، أضف إلى ذلك فالأحزاب السياسية في العراق تعصف بها مشاكل كثيرة، والدليل على ذلك طريق محاذي لأحد مقرات الأحزاب السياسية لم يستطيع رئيس وزراء العراق الحالي من فتحه، فكيف يمكن للسيد رئيس الوزراء من محاربة الفساد وهو لا يستطيع فتح طريق؟!.

لذا فالسلطة والقوة ونفاذ القانون هي غير متاحة كي يتحرك من خلالها رئيس الوزراء الحالي ليأخذ قرارات قوية، خصوصا وأن قرار الحرب هو أبسط بكثير من قرار محاربة الفساد في العراق، لاسيما وأن الكل قد أشترك في عملية الفساد في العراق.

محاربة الفساد ستكون شكلية

- حيدر الاجودي باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يعتقد أن مملكة الفساد باقية وتتمدد، وهذه المملكة لها اسيادها وقوانينها وسياستها الخاصة، فهي تمثل السلطة (القضائية، التشريعية، التنفيذية) وأيضا الحكومات المحلية، ومن مزايا مملكة الفساد أنها أعطت الضوء الأخضر للسياسيين وللإعلاميين للحديث عن الفساد، وليس محاربته وتجفيف منابعه، بل من أجل الفساد أكثر والتغطية عليه أكثر، فكلام رئيس الوزراء في أحد المؤتمرات في بداية مشوار تشكيل الحكومة قال سنعمل على فتح 13 الف ملف فساد موجود في النزاهة، وهذا الكلام عبارة عن نموذج مكرر لكل رؤساء الحكومات السابقة الذي تكلموا عن محاربة الفساد دون محاسبة فعلية للرؤوس الكبار، فقط اكتفوا بمحاسبة شكلية لصغار الموظفين. لذا فمحاربة الفساد ستكون فقط حرب شكلية من خلال العالم الافتراضي ولن تكون هناك حرب حقيقية على أرض الواقع.

من أمن العقاب أساء الأدب

- الحقوقي هاشم المطيري، أوضح قائلا إذا غاب القانون ظهر السراق، وعندما نبحث عن جذور الفساد فهو موجود في جميع أنحاء العالم، وفي جميع العصور والأمصار، ولكن حرب من قبل الشرفاء وقضي عليه من قبل الشرفاء، وحقيقة الحكومة العراقية وفي بداية الاحتلال مهد لها المحتل اذرع كي تسرق، فبماذا نفسر تصريفات بريمر حينما يأتي بمبلغ من المال ويوزعه على أعضاء مجلس الحكم، يضاف إليه الإعمار الزائف والصوري!.

بالتالي على السيد عادل عبد المهدي وعلى الكتل السياسية وكي لا يكون العراق مقبرة لهم ويلعنهم التاريخ، لذا لابد أن يقفوا بوجه الفساد والمفسدين، خصوصا وأن تهمة الفساد هي من التهم البشعة وهي أكثر واقعا من الإجرام ومن القتل، اليوم السيد عادل عبد المهدي يعيش نهاية عمره السياسي في هذه الدورة وهو يقارب 70 سنه من عمره، علما أن هذا الرجل جرب الاستقلالية ونجح في ذلك عندما استقال من حزبه، وبالتالي من الصعب على الكتل السياسية أن تقيله من منصبه، أيضا هناك العامل الدولي الذي نزل وبقوة في الساحة العراقية وسوف يستخدم هذه الأوراق، لذا على رئيس الوزراء أن يرفع راية محاربة الفساد والمفسدين، ولكن لابد أن تكون هناك آليات.

ويمكن الإستفادة من التجربة الأمريكية في القرن الماضي، عندما كانت دائرة مصلحة الضرائب تحارب الفساد وتحارب المافيات، الدولة في ذلك الوقت أعطتها قوة عسكرية كانت تحت أمرتها لمحاربة أي مفسد سواء على الأرض الأمريكية أو خارجها، فعلى رئيس الوزراء أن يشكل قوة عسكرية تكون أداة تنفيذ لضرب السارقين. الشيء الآخر الإعتماد على الشعب والمرجعية، خاصة وأن أجواء الديمقراطية في العراق ومع ما بها من تفريط وإفراط، شجعت المواطن العراقي على أن يتكلم على من يشاء وأن يتهم من يشاء ويحقق في أي قضية، بالتالي فعلى الحكومة أن تجعل سندها الرئيسي هو الشعب، وذلك من أجل محاربة الدولة العميقة التي تأست ما بعد (2003) من اتجاهين: الإتجاه الأول/البعثيون الموجودون في الوزارات وهم كانوا أداة للسرقة لأسيادهم في تسعينيات القرن الماضي وأصبحوا ركن أساسي بيد الأحزاب اليوم، أما الإتجاه الثاني/هي أيادي الأحزاب جميعا وهي لا تريد التمويل الخارجي، بل هي تمول أذرعها الخارجية ومشاريعها الخارجية من العراق. لذا السيد عادل عبد المهدي أمام فرصة ذهبية كي يصنع شيء تاريخي في العراق، فثلث هؤلاء وعندما نخرجهم من الدولة ونحاكمهم محاكمات حقيقة، سينتهي الفساد في العراق.

المشكلات الكبيرة لا تحل بالنوايا الطيبة

- علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، يستعين بقول مأثور: (المشكلات الكبيرة لا تحل بالنوايا الطيبة)، فنحن نسمع من زعماء الطبقة السياسية ومن رئيس الوزراء أنهم سوف يواجهون وباء الفساد بقوة وبشراسة وسوف يقضون عليه، هذا الكلام تردد من قبل معظم المسؤولين ومعظم الحكومات التي تعاقبت على العراق، ولكن ومع توالي الحكومات نجد الفساد يترسخ ويستشري ويتجذر أكثر، أما بخصوص مواجهة الفساد فلن يواجه بشكل حقيقي، بل بالعكس سوف يتجذر أكثر، لأن القضاء على الفساد يعني القضاء على الكثير من الأحزاب ومن الكتل، وذلك على اعتبار أن البنية التي تقوم عليها تلك الأحزاب هي الفساد لا غير، ولذلك قضية القضاء على الفساد غير ممكنة، أما بخصوص الحلول والمقترحات فهي تبقى كالهواء في شبك.

تتبع مجرى المياه الملوثة

- الأستاذ جميل عودة، باحث في مركز آدم، يجد إن الحديث عن إستراتيجية محاربة الفساد هي إستراتيجية لم تنجح في العديد من الدول، ولكن هناك إستراتيجية بديلة وهي (تتبع مجرى المياه الملوثة) أي الإستراتيجية الجديدة في محاربة الفساد ويحددها في نقاط ثلاثة وهي:

 أولا/ تحديد مصادر المياه الملوثة أي مصدر الفساد.

ثانيا/ تحديد أسباب الفساد فتتبع مجرى المياه الملوثة يقودنا إلى تحديد مصادرها.

ثالثا/ تحديد علاجات التلوث والحلول المقترحة للفساد فيها.

إذن فالحل الأمثل لا مال بيد الموظف على الإطلاق، أيضا مع مشاركة في تشغيل القطاع الحكومي والخاص مع متابعة صارمة ومحاسبة، فهنا يتحدث عن الدفع الإلكتروني وعن الأموال لا تسلم باليد وأن يكون القطاع العام جزء من القطاع الخاص، وذلك لأن القطاع الخاص وطالما بيده الأموال يكون مراقب شديد على المال وعلى المشارك له.

السؤال الثاني: كيف سيحصن رئيس الحكومة موقعه من هجمات الفساد في حال بدأت الحرب على الفساد؟

- أ.م.د حسين أحمد السرحان، يعتبر: "موقع رئيس الحكومة ومنصب رئيس الحكومي ليس أهم من بناء الدولة وبناء المجتمع، بدون وجود إرادة سياسية وبدون وجود ضغط لن يتحقق هذا الشيء، وبالتالي يحق لنا المقارنة بظاهرتين خطيرتين شهدهما الواقع العراقي ما بعد (2005) وهما الإرهاب والفساد، الإرهاب بدأ من (2006) وإلى الآن لم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة من مواجهة الفساد، لولا سيطرة داعش على مساحة (40%) من الأرض العراقية ولولا وجود الإرادة الجماهيرية المدفوعة من قبل المرجعية الدينية العليا ودعم النظام الدولي والإقليمي التي كانت متفقة على مواجهة الإرهاب في العراق لن تتحقق مواجهة للإرهاب في العراق.

لذا المعادلة السياسية غير متوفرة، فما دام هي لم تتوفر في مواجهة الإرهاب فسوف لن تتوفر في مواجهة الفساد، فالأصح هو كيف نحصن الدولة وكيف نبني الدولة في مواجهة تلك الظاهرة، وهي تحتاج قطعا لإرادة سياسية وهذه القوى ليست بمستوى الشعور المسؤولية، حتى تتبلور إرادة سياسية باتجاه مواجهة الفساد، والدليل على ذلك وأثناء إحتلال الموصل القوى السياسية تحاول إقالة وزير الدفاع العراقي وتضغط على وزير الداخلية إعلاميا والسبب لدوافع سياسية، إذا هذه القوى السياسية لا تمتلك أي مستوى من الإدراك لمواجهة هذين الخطرين.

- الدكتور قحطان حسين الحسيني، يؤكد على وجود مؤشرات على الأرض لابد الأخذ بها بنظر الاعتبار عند البدء بمحاربة الفساد، فمن يعلن الحرب على الفساد يجب أن يكون الطرف الأقوى في العملية، فهل السيد عادل عبد المهدي بأركان حكومته هو الطرف الأقوى؟، وهل هو قادر على الحرب مع طرف متنفذ وقوي ومستجمع لكل عوامل القوة والقضاء على الخصم، بطبيعة هذا الحال فإن الحرب على الفساد في العراق وان اندلعت ستكون حرب غير متكافئة، بين طرف يتبناها وهو ضعيف ولا يحظى بدعم، وبين طرف قوي وهو الأقوى ويستجمع كل عناصر القوة ويحظى بدعم داخلي وخارجي، وبالتالي العوامل والبيئة مهيأة لكسب النصر من قبل الطرف الفاسد.

الأمر الآخر الحديث عن دور شعبي في مكافحة الفساد هو قول مجافي للمنطق ويحمل الكثير من التناقضات، فالدور الشعبي في العراق للأسف مغيب تماما وحتى المظاهرات التي حدثت في زمان معين لم تكون مظاهرات شعبية عفوية، وإنما هي فئات جماهيرية مسيسة، مكافحة الفساد للأسف لن تعود شأنا داخليا، بالتالي من يتبنى هذه الفكرة في العراق يجب أن يحظى بدعم خارجي، فاعتماده فقط على الداخل سيكتب له الفشل، خاصة وأن سبب من أسباب شيوع الفساد في العراق هو وجود دعم خارجي، يمكن لأتباع هذه الدولة أو تلك الهيمنة عن طريق أدوات الفساد الموجودة أيضا في داخل العراق.

الحرب على الفساد لو تمت تحتاج لأشخاص يتمتعون بدرجة عالية من النزاهة والقدرة والقوة، وهؤلاء الأشخاص غير موجودين في الوقت الحاضر، أما ما يخص موضوع تحصين رئيس الوزراء لنفسه أثناء خوضه الحرب على الفساد فهناك وسيلتين:

 الوسيلة الأولى/ هو الحصول على دعم دولي واضح وكبير للوصول لهذا الهدف.

 والوسيلة الثانية/ هو السكوت وغض النظر وعدم إعلان تبني أي تصريح في مكافحة الفساد، وذلك لأن أي تصريح لمكافحة الفاسدين سيجعل الفاسدين ينتفضون ويستجمعون عوامل قوتهم وسيشنون حرب عكسية على من يتبنى فكرة محاربة الفساد، وبالتالي هي قد تطيح بهذا الشخص وتنهي مستقبله السياسي.

فلسفة التاريخ والانهيار الكامل

- الشيخ مرتضى معاش، يرى بأن الدكتور عادل عبد المهدي يمتلك كل الشروط والعناصر اللازمة لمواجهة الفساد، ومثلما كان رئيس الحكومة السابق يمتلك كل العناصر اللازمة لمواجهة داعش، ففي مرحلة ما كان هناك أحساس عالي بأن العراق قد انتهى، ولكن عند صعود الإرادة الشعبية وأيضا وجود دعم دولي قوي أدى للقضاء على داعش ولو نسبيا، كذلك بالنسبة للحرب على الفساد فلابد أن ندرك حقيقة مفادها أن لكل بداية نهاية، فهذه هي فلسفة التاريخ فإذا لم يصلح الأمر بطريقة ما سيؤدي إلى شيء آخر من التفكك والانهيار الكامل والسقوط المدوي، وهذا لا يمكن أن يكون في العراق فالانهيار الكامل يعني ستكون هناك دوامة كبيرة تشمل كل المنطقة، ومثلما ما صار في قضية الوقوف أمام الإستفتاء من قبل الإرادة الدولية.

لذلك هناك إرادة شعبية سوف تتحرك، بالإضافة إلى وجود عامل دولي يجبر هذه الحكومة وكما أجبرت في الحرب على داعش ستجبره على مكافحة الفساد، وهذه الحقيقة لابد أن يدركها شخص رئيس الوزراء، فلا يوجد شيء أسمه المحاصصة أو الرضوخ لإرادة الأحزاب، بل عليه أن يدرك بأنه في موقع أقوى من جميع الكتل، فمتى ما وصل السيد رئيس الوزراء لهذا الشعور سيستطيع التحرك نحو مكافحة الفساد وبشكل قوي، وهذا ما عمل عليه السيد رئيس الحكومة السابقة فحينما أدرك المرحلة التي يعيشها وأنه يستطيع أن يقود وأن يجمع الجميع من حوله، فالسيد عادل عبد المهدي لديه هذه الفرصة كي يكون أكبر من أي كتلة موجودة في البرلمان، وبالتالي هو عندما يتصدى للقيادة سيكون من خلفة رصيد عالي جدا من الدعم الشعبي والإقليمي والدولي.

- الحقوقي أحمد جويد، يستعين بقول مأثور (لا يصلح العطار ما أفسده الدهر)، فالسيد رئيس الوزراء وعندما يريد فعلا مواجهة الفساد عليه أن يمتلك الثقة والإرادة القوية، فالثقة في النفس تأتي من خلال أن تكون يده نظيفة وغير متورط في ملفات فساد، وهذا واقعا ما اعتادت عليه الجهات الحزبية الفاسدة، التي مهمتها الرئيسية تنحصر في جمع الملفات وعرضها في وقت محدد، بالتالي إذا كان متورط في ملفات فساد هو لا يستطيع مواجهة الفساد، أما إذا كانت يده نظيفة من الفساد فيستطيع مواجهة الفساد وبقوة، النقطة الأخرى على شخص رئيس الوزراء أن يقوي علاقاته الدولية وأن يتجاوز الإقليم، وذلك لأن كل دولة من دول الإقليم لديها جهة حزبية تعمل في داخل المؤسسات العراقية. وكلما يكون دور رئيس الحكومة أقوى وأشرس كلما يأخذ أكثر، فعليه أن يكون حازم في هذا المجال وقوي ويعرف أين يضع قدمه من الأرض.

- حيدر الاجودي، يصنف الفساد في العراق على أنه أقوى من الدولة ومن القانون، والدليل على ذلك، أن خلاف وقع بين قناتين إعلاميتين، تطور هذا الملف نحو كشف ملفات فساد الواحد للآخر، فهذه رسالة واضحة لحال الخصومة السياسية في العراق، فهناك استعداد عالي للكشف المتبادل عن ملفات الفساد والتشهير بكل شخص وفي أي وقت وعبر وسائل الإعلام، بالتالي رئيس الوزراء وعندما لا يكون قويا بشعبيته فهو لا يستطيع مواجهة الفساد، لذا فإن الجهد الشعبي مطلوب من خلال رفض كل مظاهر الفساد.

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور قحطان حسين الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، بالشكر الجزيل والإمتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع، وتقدم بالشكر أيضا إلى وسائل الإعلام التي شاركت بتصوير الملتقى الفكري الأسبوعي لمؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية 2001 – 2019Ⓒ

 

 

انقر لاضافة تعليق