ساشا فيشر

نيويورك — لفترة تزيد عن العقد الان شهدنا انتخابات اكثر وفي الوقت نفسه ديمقراطية اقل. طبقا لبلومبيرغ فإن الانتخابات تحصل بشكل أكثر تكرارا حول العالم ولكن مؤسسة فريدم هاوس ترى ان حوالي 110 دول شهدت تراجعا في الحقوق السياسية والمدنية خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية.

إن تراجع وضع الديمقراطية يؤدي الى تراجع احساسنا بروح المجتمع حيث يتجلى ذلك في الولايات المتحدة الامريكية بوباء الوحدة الذي يلوح بالأفق بالإضافة الى اختفاء المؤسسات المدنية مثل الكنائس والتي تغلق ثمانية منها كل يوم وعلى الرغم من الطبيعة العالمية لتلك التوجهات فإن الولايات المتحدة تجسد اقصى درجات تلك التوجهات.

ان هذا لم يأتي بمحض الصدفة فكما اشار اليكسيس دي توكوفيل في الثلاثينات من القرن التاسع عشر فإن مؤسسي امريكا كان لديهم رؤية لبلد قائم ليس على اساس القيم المشتركة فحسب، بل على أساس المصلحة الشخصية كذلك علما ان تلك الرؤية ما تزال تعكس المؤسسات الامريكية والمجتمع القائم على اساس أقصى درجات الفردية.

قبل بضع سنوات عندما كنت أطلق مبادرة المنح الصغيرة "سبارك ميكروجرانتس" في شرق افريقيا، شاهدت مجموعة من طلبة جامعة م اي تي الامريكية وهو يلتقون بحوالي 50 قرويا في احدى القرى الرواندية. لقد كان القرويون يأملون بإقناع الحكومة الرواندية بالمساهمة في مشروع لتمديد خط كهرباء لقريتهم (وفي واقع الامر قامت الحكومة الرواندية بعمل ذلك في نهاية المطاف وهذا يحسب لها). لقد سأل أحد الطلاب احد القرويين لماذا الحكومة وليس الافراد المتواجدين في الاجتماع عليها ان تدفع قيمة المشروع.

لقد كان ذلك الطالب يشير الى فكرة أمريكية تقليدية تتعلق بالخصخصة والقدرة على الحصول على الاشياء على اساس القوة الشرائية للفرد ولكن تلك الفكرة يمكن ان تلحق الضرر بالمشاركة الجماعية والمدنية ويبدو انها تقوض الثقة السياسية كذلك وطبقا لمركز بيو للإبحاث فإن نسبة الامريكيين الذين يثقون بالحكومة انخفضت بنسبة كبيرة وصلت الى 55 نقطة مئوية بين سنة 1958 و2017 وهي الان اقل من 20%. ان من غير المفاجىء كذلك ان المشاركة قد انخفضت كذلك في نفس الفترة حيث انخفضت المشاركة في الجمعيات المدنية بمقدار النصف.

ان زيادة انعدام الثقة في المؤسسات الحاكمة قد اشعلت زيادة في الحركات السلطوية الشعبوية حول العالم فالمواطنون يطالبون بأمن اقتصادي فردي ويتراجعون الى عقلية انعزالية وفي الانتخابات الامريكية الرئاسية سنة 2016 نجد ان بيرني ساندرز ودونالد ترامب كانا يحظيان بإعجاب كتلة متداخلة من الناخبين والذين شعروا بالإحباط من النظام القائم بالإضافة الى ان المهاجرين من الجيل الثاني والثالث انقلبوا على المهاجرين الجدد وفي بلدان تمتد من المانيا الى البرازيل، توافد الناخبون بقوة من اجل دعم الاحزاب من اقصى اليمين ليس بسبب حبهم للمرشحين ولكن بسبب خوفهم من فقدان السيطرة والمكانة.

لكننا نعلم ان "مشاركة المستخدم " تنجح كما أظهرت الدراسات والتجارب البشرية التي لا تعد وتحصى فعلى سبيل المثال وجد التقييم الذي قامت به اوغندا انه كلما زادت نسبة مشاركة المواطنين في تصميم البرامج الصحية، كلما تحسن تصور الناس ومفاهيمهم المتعلقة بالرعاية الصحية وفي اندونيسيا أدت المشاركة المباشرة للمواطنين في عملية اتخاذ القرار الحكومي الى رضا أفضل عن الخدمات الحكومية.

ان خلق المزيد من الفرص للمشاركة في الحياة المدنية والسياسية يعني انه بإمكاننا تعزيز الثقة في مؤسساتنا ووقف مد التطرف ولكن هذه المشاركة تحصل بشكل متقطع وغير منتظم وعادة ما تتعلق بالحملات ذات الطابع السياسي والسياسة بشكل عام كما حصل مع الحملة الرئاسية لباراك اوباما سنة 2008 أو حركة حزب الشاي والتي نشأت لمعارضته. ان الذي يحصل عادة بعد جرائم اطلاق النار الجماعي هو زيادة الاحتجاجات المتعلقة بقوانين الحد من انتشار الاسلحة ولكن بعد فترة قصيرة تقوم الجمعية الوطنية للبنادق باستغلال الخوف من تجاوزات الحكومة في تشجيع المشاركة في الاتجاه الآخر. ان الوصول للمشاركة الحقيقية عوضا عن ردة الفعل على القضايا التي تأتي من السياسيين او بسبب الظروف تتطلب مؤسسات جديدة تتغلب على الحواجز التي تعيق المشاركة المدنية المنتظمة والفعالة والتغيير الذي يحركه المجتمع.

بينما يعاني العالم الغربي من الفردية الزائدة عن الحد فإن معظم الابتكارات المعتبرة في الحوكمة والاقتصاد تحدث في الجنوب العالمي ففي رواندا على سبيل المثال قامت الحكومة بإدخال سياسات لتشجيع الحلول على المستوى الشعبي والتي تعزز من روح المواطنة لدى المجتمع والمساءلة المشتركة ومن خلال اجتماعات شهرية للخدمات المجتمعية، يعمل الافراد والعائلات معا لبناء منازل للمحتاجين واصلاح الطرق وتجميع الاموال من اجل الاستثمار في طرق ومعدات زراعية أفضل.

تخيل لو اجتمع أكثر من 300 مليون امريكي كل شهر لنفس الغرض سيكون هناك فجأة المليارات من الساعات الاضافية المتعلقة بالمواطنة والتي يتم استثمارها في التواصل بين الجيران والعمل المتعلق بالمواطنة.

لقد كانت هذه واحدة من التأثيرات الرئيسية لجمعيات التوفير والقروض القروية والتي نشأت في جمهورية الكونغو الديمقراطية فضمن تلك المجتمعات يستطيع الاعضاء الوصول للقروض للبدء بمشاريع صغيرة والتوفير للأيام العصيبة. ان هذا النموذج ناجح لأنه قائم على اساس المساءلة تجاه الجيران وبالمثل ومن هاييتي الى ليبيريا وبوروندي وغيرها، اثبتت الانظمة الصحية ذات الاساس المجتمعي فعاليتها وذلك لإن العاملين الصحيين يعرفون جيرانهم واحتياجاتهم فالعاملون الصحيون في المجتمع المحلي يتنقلون من منزل لآخر من اجل تفقد الامهات الحوامل والتحقق من العناية بهن. ان كل حل من تلك الحلول يستخدم ويعزز المساءلة المجتمعية من خلال المشاركة المشتركة وليست خطوط المسائلة التقليدية من قمة الهرم لأسفله.

لو كنا نؤمن بالمبدأ الديمقراطي بأن الحكومات يجب ان تكون مسؤولة امام المواطنين فإنه يتوجب علينا بناء انظمة تجعلنا مسؤولين تجاه بعضنا البعض ويجب ان تتجاوز المشاركة الانتخابات والاحتجاجات. يجب علينا ان نبدأ حقبة جديدة من الديمقراطية التي يحركها المجتمع كما يجب ان تكون هناك لامركزية في السلطة بحيث يتم وضعها في ايدي العائلات والمجتمعات المحلية.

عندما نحقق الديمقراطية التي تحركها المجتمعات المحلية، سنتواصل مع بعضنا البعض ومع حكوماتنا ليس فقط في المناسبات الخاصة ولكن بشكل مستمر وذلك لإن ديمقراطيتنا وحريتنا تعتمد علينا.

* ساشا فيشر، زميل مؤسسة أوباما، ومؤسس شركة سبارك ميكروكرانتس
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق