"هوّن عليك، أنا ابن امرأة في قريش كانت تأكل القديد"

رسول الله، صلى الله عليه وآله

كان هذا ردّ رسول الله على ذلك الزائر الوافد اليه بعد أن تملكه الخوف والهلع وهو يشاهد رسول السماء لأول مرة في حياته، فخفف عنه موضحاً بأنه انسان عادي –من الناحية الظاهرية- يعيش كما يعيش الناس، وكانت أمه تأكل القديد، وهو اللحم المجفف واليابس الذي كان سكان الجزيرة العربية يحفظونه بهذه الطريقة لأوقات الضرورة.

مشاعر ذلك الانسان كانت طبيعية تماماً، وغير مُلام عليه، وأي شخص آخر يرى النبي المبعوث من قبل السماء أمامه لأول مرة، يتملكه شعورٌ كهذا، لأن الشائع آنذاك؛ أن المتصلين بالسماء ربما يكونون من جنس الملائكة وليسوا بشراً عاديين. بينما بالمقابل؛ لو أن أي شخص آخر غير رسول الله، له مرتبة معينة فوق الآخرين ثم يصادف حالة كهذه، أو يُحتفى به بالتكريم والتبجيل، لن يرى بأساً في ذلك لما يبرره لنفسه بأنه يختلف عن الآخرين في منزلته العلمية او الدينية او الاجتماعية، اذا ما ذهب البعض الى أبعد من هذا و عدّ هذا تأدية حق من الحقوق على افراد المجتمع!

القدسية لمن؟

اصطلاحاً ولغةً؛ القدسية تعني التنزيه والتعظيم لشخص او مكان معين، و"المُقدَّس" اسم مفعول يسبقه فاعل ومسبب لهذه الحالة (القُدس والقدسية) وهو؛ الله –تعالى- الذي أشار اليها في موارد خاصة في القرآن الكريم، منها؛ الأرض فلسطين في عهد النبي موسى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}، وفي تدبر سريع لآيات الكتاب المجيد يبين المقصود بالقدسية هو الله –تعالى- وكل ما يرتبط به بشكل مباشر، كما الأرض المقدسة، وفي آية كريمة تشير الى النبي الأكرم بطريقة الاجابة على تشكيك المشركين في مكة بمصدر القرآن الكريم، فجاءت الآية: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}، فالنبي لم يأت بآيات القرآن من عنده كما اتهمه بذلك المشركون، إنما هو كلام الله –تعالى-، أنزلها على نبيه بواسطة الملك جبرائيل (روح القدس)، كما كانت هذه الروح الربانية سنداً ودعامة لنبوة عيسى، عليه السلام، {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}.

وإذن؛ فان القدسية محدودة للذات الإلهية، ومن ثم تكون بشكل عرضي لمن هم في طريقه –سبحانه وتعالى- و متمحضون في العلاقة معه، وممن تنطبق عليهم الآية الكريمة {من عبادنا المخلَصين}، وليس فقط المخلِصين –بكسر اللام-، أي من الذين استخلصهم الله لنفسه، كما جاء في دعاء الندبة، فاذا كان المعصومون، عليهم السلام، يبعدون عن انفسهم صفة التقديس، لانهم كانوا يرومون تحقيق النجاح بنسب أكبر في نشر الرسالة الإلهية الى البشرية جمعاء، ولم تكن تعنيهم صفة القدسية أن يُطلق عليهم اجتماعياً أم لا تطلق عليهم، لأن المهم عندهم كانت الاهداف السامية، "أأقنع من نفسي أن يُقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، وأكون أسوة لهم في جشوبة العيش"، هكذا يخاطب أمير المؤمنين نفسه في رسالة العتب المعروفة الى واليه على البصرة، وقبل هذا، تجنّب القدسية شخص رسول الله، وهو يخاطب أمير المؤمنين: "لولا أن تقول فيك طائفة من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملأ من الناس إلا أخذوا من التراب تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة".

فعندما نقول عن مدينة كربلاء –مثلاً- بأنها مقدسة، فهذا ينصرف الى العلاقة الاستثنائية والخاصة للإمام الحسين، عليه السلام، بالله –تعالى- وللمنزلة التي اعطاها إياه بعد التضحيات الجسام في واقعة الطف، بأن يكون الأئمة الهداة من نسله، والشفاء في تراب قبره، واستجابة الدعاء تحت قبته، وإلا فان أباه أمير المؤمنين، وأمه الزهراء، وأخيه الحسن، هم أفضل منه، كما صرّح هو، عليه السلام، لاخته زينب قبل ساعات من استشهاده.

لا لتعطيل العقل والإرادة

رغم المنزلة السامية والخاصة لرسول الله وأهل بيته عند الله –تعالى- بيد أنهم كانوا يحرصون على دورهم الاجتماعي والرسالي، وأن يكون حالهم من حال الناس، في مأكلهم وملبسهم و زواجهم وتفاصيل حياتهم، بل كانوا يقتربون الى أدنى المستويات الاجتماعية "حتى لا يتبيّغ الفقير بفقره"، يقول أمير المؤمنين لذلك الرجل الذي أراد ان يكون مثله في زهده وتقشفه فنهاه عن هذا، داعياً إياه أن يعيش حياته بشكل طبيعي دون تكلّف، إنما مسؤوليته كحاكم أن يبعد مشاعر المهانة عن الفقير، وكذا قصة الامام الرضا، عليه السلام، مع ذلك الرجل في الحمام وطلبه من الإمام بأن يدلّك ظهره وهو لا يعرفه، وإصرار الإمام أن يكمل جميله بعد التعرّف عليه، وغيرها من الامثلة التي تؤكد اهتمام الأئمة المعصومين برفع مستوى الوعي الديني وتعميق الثقافة الاخلاقية في المجتمع، أكثر من تثقيفهم على التقديس والتبجيل الذي ينتهي بارتحال الأئمة من الحياة الدنيا و ينتهي معه كل شيء عند الناس، ولا يبق لديهم من التقديس والتبجيل شيء، كما يحصل مع الزعماء الملهمين، والقادة الفاتحين والمصلحين عبر التاريخ.

ولعل فشل الأمة في تولّي الأئمة المعصومين، والتزام طاعتهم وقيادتهم، مردّه الى الفشل السابق عليه في الإيمان بمنزلة الأئمة وفق معايير العقل والفطرة السليمة، وكما اراد الله –تعالى- والأئمة انفسهم، بينما كان الناس يريدونهم من ذوي القدرات الخارقة، يمتلكون ما لا يمتلكه غيرهم، عندئذٍ يبايعونهم على السمع والطاعة!

لقد فعلها قبلهم الاحبار والرهبان في العهود الاولى للديانة المسيحية عندما وجدوا المشقّة على انفسهم اتباع التعاليم السماوية التي جاء بها نبيهم، وأن يتخذوه أسوة لهم، كما أمرهم الله –تعالى- فابتدعوا فكرة الألوهية لينقلوا نبيهم عيسى من حالة البشرية الى الحالة الألوهية بدعوى أن ما يفعله من معاجز لا تأتي من انسان عادي، ثم إنه ولد من غير أب، لذا فهو ليس بانسان عادي، ثم وضعوه ضمن ثالوث مع أمه و روح القدس (الله) يعبدونه من دون الله الواحد الأحد، هذه الفكرة المبتدعة المنتجة خلال لحظات او ساعات من قبل عدد من الرهبان في زوايا المعابد القديمة جرّت على اتباع الديانة المسيحية كوارث ودواهي سالت فيها الدماء الغزيرة في حروب "الكثلكة"، وتعرض الناس في بلاد مختلفة الى التعذيب والتشريد والحرق ومختلف اشكال المعاناة والآلام التي بررها الكهنة بعباءة التقديس التي تقمصوها من تقديسهم الكاذب لنبيهم العظيم الذي كان في قمة الزهد والتواضع والتقوى والعبودية الخالصة لله –تعالى-.

كل هذا يعد درساً لنا كأمة يفترض ان نكون خير أمة أخرجت للناس، وأن نكون في منزلة الشهداء على الناس، أي نكون نموذجاً يحتذى به بين الأمم في حرية الاختيار الصائب، والإرادة الحديدية لشق طريق الإصلاح والتقدم في مجالات الحياة كافة، وأن لا ندع تقديس الاشخاص او الافكار لتكون قفصاً كبيراً نحوم فيه في حلقة مفرغة ليس فيها سوى هدر الطاقات والقدرات، وتكبيل الإرادة وقتل الأمل والطموح بدعوى وجود المقدس المتفوق في التفكير والمنزلة فيفكر ويقرر نيابة عن المجموع.

وهذه فقرة من دروس عاشوراء، ومن فلسفة النهضة الحسينية عندما أحلّ الامام الحسين بيعة جميع من رافقه من المدينة ومكة الى كربلاء، حتى لا يقتلون من أجل شخصه الكريم، وإنما يقدمون أرواحهم بملء إرادتهم وعن إيمان راسخ وعميق بالقيم والمبادئ السماوية، ويعرفون جيداً أنهم يقتلون بين يديه، عليه السلام، من أجل الحفاظ على الدين والاحكام الاسلامية السمحاء التي وصلتنا اليوم سالمة مصونة نفتخر بها أمام العالم بأنها خالية من التزوير والتلاعب البشري كما في الشرائع والمذاهب الاخرى.

اضف تعليق