يرغب الانسان بامتلاكه أدوات التغيير والتأثير في حياته الشخصية والاجتماعية مع القليل من الثمن، فهو يحب دائماً ان تكون كلمته مسموعة، وأمره مطاع، ومواقفه مشهودة للجميع، ثم ترتفع أمامه أيادي التصفيق والتكريم.

هذا في العالم المادي، وفي العالم المعنوي نراه يبحث عما يترك له أثراً ايجابياً في حياته، من خلال قراءته وتدبره بآيات القرآن الكريم، او المواظبة على زيارة المراقد المشرفة للأئمة المعصومين، عليهم السلام، وبشكل عام؛ توثيق العلاقة بقيم الدين والاخلاق والآداب، فيقال له: "متديناً"، او "انساناً خلوقاً"، وهي أحسن ما يتطلع اليه الانسان ويفكر به، إنما المهم في تفعيل المعادلة الإلهية في الحياة والكون في تأثير كل كلمة؛ سلبية كانت أو ايجابية على مسار الحياة، عندما تُقرن هذه المعادلة باستحقاقاتها على ارض الواقع.

مقتضى القول ولزوم العمل به

كما أن الكلمة السيئة او الموقف السيئ يترك أثره الهائل في إشعال نار الخلافات والصراعات بين الافراد وبين الشعوب، وآثار خطيرة لا حدّ لها بسبب وجود الارضية الخصبة بالمساوئ في المجتمع والامة تغذي هذه الكلمة او ذاك الموقف وتعطيه مبرراً للوجود في الحياة الاجتماعية وحتى السياسية، فان الكلمة الحسنة تحتاج ايضاً الى الأرضية الحسنة لتنمو فيها وتخضر وتعطي نتاجها الطيب، لأنها ببساطة تمثل "كلمات مفتاحية لها لوازمها، فعندما نسمع الوعد الإلهي: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، فهذا "الاقتضاء" للفلاح موجود، إنما يحتاج الأمر الى شروط، وفي الرواية المشهورة عن الامام الرضا، عليه السلام، والمعروفة بسلسلة الذهب، والتي يرويها عن آبائه متصلاً برسول الله: كلمة لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمِن من عذابي، ولكن بشرطها وشروطها وأنا من شروطها".

وفي كتابه؛ بحوث في العقيدة والسلوك، يسلط سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي الضوء على هذه القضية العقدية في سياق حديثه عن "فلسفة الثواب العظيم لقراءة السور القرآنية"، وما ورد عن المعصومين من أجر وثواب عظيم لمن يقرأ بعض السور القرآنية في صلاة فريضة او مستحبة، او في اوقات اخرى، وفي مقدمتها سورة التوحيد، وسورة الكافرون، والمعوذتين، وسورة القدر، و سِوَر كريمة اخرى، او آيات خاصة مثل؛ آية الكرسي التي بات المجتمع يعدها من لوازم الحفظ والصون، فتعلق في لوحات زاهية وجذابة على جدران البيوت وفي السيارات، كما يتخذون من آية {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} وسيلة لدفع الحسد وشر الحاسدين.

وكما أسلفنا؛ فان ظاهر الأمر حسنٌ لا ريب، بل تمثل خطوة ايجابية أولى تتبعها خطوات عملية لنحصل على الفائدة الأكبر من القرآن الكريم ومن تراث أهل البيت، عليهم السلام، لما يفيدنا في حياتنا ولآخرتنا، وهو ما يشير اليه سماحة آية الله الشيرازي بأن "من يقرأ سورة التوحيد وسورة الكافرون في فريضة من الفرائض يغفر الله له ولوالديه وما ولدا ويمحو اسمه من ديوان الاشقياء ويثبته في ديوان السعداء، فان هذا بشرط أن لايبطلها بعد دقيقتين، كمن يستعمل مضاداً حيوياً فانه يُشفى لكن بشرط أن لا يشرب السمّ بعد ذلك".

فما هو الشرط؟

يجيب سماحته بأن ثمة شرطان لنحظى بنتائج معادلة التأثير التكويني مما نقوم به من أعمال عبادية:

الأول: عقد القلب

انه تجسيد للأيمان بما يقول ويفعل، ويكون مسؤولاً بإزاءهما مهما كلفه الأمر، وقد تطرق العلماء الى هذه المسألة في مبحث الدعاء وسبل الاستجابة، او الاستفهام في عدم استجابة الدعاء، وايضاً؛ عدم الاستجابة عند التوسل بالأئمة المعصومين، عليهم السلام، فالقضية ربما تبدأ باللسان بيد أن اللازم وجود رصيد ايماني كافي في القلب بالجزم بأن "الله كريم" مثلاً، او إطلاق عبارات الاستغفار الواردة كثيراً في عقب الصلاة الفريضة والمستحبة، فان "استغفر الله" يجب أن تنطلق من القلب قبل اللسان، بالتوبة وعدم العودة الى المعصية ثانية، وإلا تحولت "لقلقة لسان"، يقول آية الله الشيرازي، هي وسائر الاذكار، وحتى الآيات القرآنية الكريمة.

الثاني: الالتزام والعمل

وهي الخطوة الثانية المكملة، ونحن نقرأ في سيرة المعصومين، عليهم السلام، ونستلهم من آيات الكتاب المجيد تأكيدات وافرة على مبدأ الالتزام و ايجاد المصاديق العملية على ارض الواقع لما نقوله او ندعو اليه.

ويستشهد سماحة آية الله الشيرازي بالآية الكريمة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}، بأن الأمانة الألهية التي تمثل ولاية الله للإنسان في الارض، مع اختلاف آراء المفسرين في معنى "الامانة"، تصطدم بنزعتين لهذا الانسان؛ الظلم والجهل، والدليل أنه قبلها بعد أشفقت السموات والارض والجبال من حمل هذ الامانة الإلهية، "فلماذا الاشفاق؟ لأن لها لوازم وتترتب عليها مسؤوليات وواجبات"، بينما نجد هذا الانسان معتداً بنفسه منذ أن وجد، ويعتقد دائماً انه قادر على كل شيء، فيما هو بالحقيقة يجهل ضعفه ومحدودية قدراته، كما يتجاهل تطاوله وظلمه لنفسه وللآخرين، بما يعني حساسية الشرط الثاني بشكل كبير جداً، يستلزم من الانسان الانتباه الى مسيرته العملية لتطبيق المفاهيم والقيم على سلوكه وواقعه الاجتماعي من دون التجاوز على حقوق وكرامة الآخرين.

الوجه المضيء للإيمان

ربما أكون قد هوّلت وعظّمت من أمر الشروط المستحقة على تطبيقات المفاهيم والقيم ذات التأثير في حياة الانسان والأمة، بيد أن العناء تتبعه آثار حسنة تضاف الى الآثار التكوينية التي تحدث عنها العلماء من كثرة الاذكار والزيارات والاعمال المستحبة.

فأن تكون الأقوال "لقلقة" لسان، والاعمال دون رصيد من الالتزام والايمان المعقود في القلب، يعني بقاء المجتمع والامة مبتلاة بظاهرة الازدواجية في السلوك والانتماء، ثم نبقى نواجه خطر التشكيك من ابناء الجيل الجديد الذي يفترض ان يرث منجزات الآباء والاجداد ممن جاهدوا وضحوا وبذلوا وهم في قمم الايمان والاخلاق، لذا بقدر وجود التطبيقات العملية لما نقول ونفعل، نكون قد فعّلنا عمل "المفتاح وهو التحول الاستراتيجي من عالم الى عالم آخر"، فربما يكون بيد الانسان مفتاحاً لكنه لا يفتح الباب!

انه طموح الخيرين والمنادين بالإصلاح الحقيقي والانتقال من حياة البؤس والتخلف والفوضى، الى حياة يعمّها النظام والاخلاق والانسانية.

اضف تعليق