"لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيسَتعمِلنّ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"

الإمام موسى بن جعفر، عليه السلام

تتميز الفريضتان أنهما من أكثر الفرائض الدينية اندماجاً مع الحياة الاجتماعية، وربما تمثلان بحد ذاتهما ميداناً لاختبار مدى سلامة المجتمع دينياً وأخلاقياً، فهما ليستا كالصلاة والصيام والحج والخمس والجهاد، وحتى التولّي والتبرؤ يصدر من شخص الفرد، ويكون عليه مسؤولاً دون سواه، وتأديته من عدمه لا يؤثر على محيطه الاجتماعي بشكل مباشر.

فكلما زادت نسبة المعروف في المجتمع، انخفضت الجريمة المدفوعة من الفقر والتمييز، وانخفضت نسبة الفساد الاخلاقي والمالي، ومن ثمّ تشيع مفاهيم الخير والقيم الايجابية في المجتمع، والعكس بالعكس تماماً؛ اذا زادت نسبة المنكر نكون أمام مشاهد الفقر والجريمة والفساد الماثلة أمامنا في معظم مجتمعاتنا الاسلامية ومنها؛ العراق، وحتى تكون المعادلة عملية ودقيقة جعلها الاسلام فريضة وليست مجرد دعوة او نصيحة او ابلاغ، المتخلف عنها يكون عاصٍ أمام الله –تعالى- وأمام المجتمع في آن، نظراً للنتائج المترتبة.

هذه المدخلية الاجتماعية دفعت بالبعض لابتداع مدخلية سياسية وهي أبعد ما تكون عنها، ربما يراها البعض رداءً لشرعية الحكم، أو تلميعاً لوجه الحاكم عندما يحتاج الى صلة وصل بينه وبين جماهير الشعب المفطورة بالاساس على المعروف والقيم الاخلاقية والايجابية.

التوظيف السياسي للدين بشكل عام، ولهاتين الفريضتين تحديداً، كما لاحظنا في عديد الدول الاسلامية خلال السنوات الماضية، مشاهد ما يسمى "بتطبيق الشريعة الاسلامية"، مثل إغلاق محال بيع الخمور، أو إغلاق الملاهي الليلية، وفي بلاد اخرى التشديد على ارتداء الحجاب، كل هذه الاجراءات الحكومية تسببت في آثار سيئة وخطيرة على المجتمع، أكثرها خطورة؛ الابتعاد عن الدين كلياً، وفي مرحلة لاحقة؛ التبرؤ منه، وهو ما لا يغيظ السلطات الحاكمة اذا كان الناس قريبين منهم، لان الناس يرون أن هرواة المنع لا تتجه الى المنكر كحالة سيئة، بقدر ما تتجه الى افراد معينين، وفي زمان معين.

وبالامكان تحديد ثلاثة آثار سيئة -من كثير- يسببها هذا التوظيف السياسي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الأول: المدّ والجزر

يرتبط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعملية البناء الاجتماعي والحضاري الممتد على فترة زمنية طويلة، فالقضية تتعلق بجوانب نفسية وسلوكية تحتاج زمناً لتأخذ مكانهما في هذا البناء، وتظهر آثاره في المجتمع الملتزم في مسيرة العمل والتعلّم والانتاج ومواجهة التحديات، واذا؛ فالقضية تصاعدية، بينما الربط مع السياسة والحكم يعني الربط بقانون المدّ والجزر مادام الامر مرهونٌ بحاجة الحاكم او المتنفذين في الحكم، وعندما يستنفد أغراضه يبقى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وحيداً بالساحة دون راعٍ او معين.

الثاني: ابتعاد الناس عن تحمل المسؤولية

لنتصور أن هيئات او جماعات متنفذة تبادر بين فترة واخرى بالتصدّي لعمل منكر، كما تشتغل في الوقت نفسه بأعمال المعروف والبر والإحسان ضمن أعمالها الخيرية، فما يبقى للفرد العادي في المجتمع، كأن يكون صاحب متجر، او صيدلية، او يمارس مهن حرّة، وايضاً؛ المهنيين والاكاديميين مثل الطبيب والمحامي والموظف وحتى الطالب، وجميع افراد المجتمع؟

عندما يعرف الناس أن العمل بالمعروف والنهي عن المنكر صار مهنة خاصة لجماعة معينة دون غيرهم، فانهم يشعرون بالارتياح لعدم مسؤوليتهم مما يحصل مهما كان فضيعاً، بدعوى أن القضية تحتاج لأدوات قوة لا يمتلكها الناس العاديين، لذا عليهم تجاهل الأمر، والمرور منها مرور الكرام، وترك الأمر لمن يمتلك القوة والمهابة ليردع المنكر ويوقفه عند حدّه.

الثالث: التفريق بين الفريضتين

التطبيق الميكانيكي يسفر في كثير من الاحيان للتفريق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي ظروف معينة تكون فيه الدعوة الى المعروف لمكاسب معينة، ويهمل المنكر بمختلف اشكاله، بينما في حالات اخرى نجد التركيز على المنكر متجاهلين المعروف، وهذا ما ينبهنا من مغبة السقوط فيه؛ القرآن الكريم الذي يؤكد على الترابط بين بين الاثنين في غير آية كريمة يرد فيها الخطاب الى المجتمع والأمة بالعمل على تطبيق الاحكام والقوانين الإلهية، فعبارة تأمرون بالمعروف تليها مباشرة؛ وتنهون عن المنكر، مما يكشف تلازماً سلوكياً وأخلاقياً وحتى نفسياً بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يصاب الانسان بداء الازدواجية في المعايير إزاء هاتين الفريضتين، فربما يرى البعض المنكر معروفاً، والعكس بالعكس.

إن ممارسة المعروف في زمن ما، والنهي عن المنكر في زمن آخر، اشبه ما يكون بعملية هدم وترك الانقاض على حالها، او البناء على أرضية هشّة، فالهدم والبناء عملٌ واحد في عملية التغيير الاجتماعي والبناء الحضاري على مر الزمن، وهذا ما لا يطيقه المنشغلون بالسياسة والحكم، بل ربما لا يكون من اختصاصهم، او من همومهم وتطلعاتهم.

ثم إن المعروف ليس بالضرورة أن يصنع الانسان معروفاً للآخرين، كأن ينفق، ويحسن، ويتعاون، فهذا ربما نجده يتجسّد بقوة في أزمان محددة مثل أيام شهر رمضان المبارك، او حلول ذكرى استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، وتحديداً في مراسيم الزيارة مشياً على الاقدام وإسداء الخدمة للزائرين وغيرها كثير، إنما المهم في الاستمرارية على هذا المعروف، وهو عندما نعرف كيف نجعل من مكافحة المنكر ثقافة عامة، فهذا أعظم معروف يسديه كل ما يتحدث عن الالتزام بتطبيق هاتين الفريضتين، لتكون فريضة اجتماعية ودينية في آن.

أما كيف نجد هذه الثقافة العامة على ارض الواقع فالقضية ليست بالمستحيلة، كما هي ليست بالسهلة وتحتاج لبحوث مستفيضة، بيد أن المختصر في توفر العزيمة و الإرادة مع حزمة من الاجراءات تبدأ في المناهج التعليمية، وفي المدارس والجامعات، وفي وسائل الاعلام، ترافقها تطبيقات عملية لئلا تبقى الافكار مجرد نصائح ومواعظ.

وبمستوى انتشار ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يأمن الناس والمجتمع من اية ظواهر شاذة تخلّ بالذوق والأخلاق العامة، بل ويأمنون من عواقب هذه الظواهر التي نجدها في المجتمعات المحرومة من هذه القيم والتعاليم السمحاء، والمبتلين بظواهر الانتحار والاغتصاب والإدمان ومختلف اشكال الجرائم.

اضف تعليق