القناعة صفة كريمة، وسجية حميدة، وهي تعرب عن غنى النفس وعزتها، وتبعث على الزهد والعفة والنزاهة والحياة الطيبة الهادئة.

معنى القناعة هي الاكتفاء بما تيسر من العيش والرزق الحلال، والاقتصار من متاع الدنيا وزينتها وزخرفها بقدر الحاجة والكفاف، وعدم إشغال القلب والبال بما زاد على ذلك، والرضا بما قسم الله تعالى له، وشكره عليه.

القناعة لا تعني عدم السعي نحو تطوير الذات، وزيادة الدخل، والتوسعة على النفس والعيال؛ وإنما تعني الرضا بما قسم الله للإنسان من رزق ونعم، مع العمل والسعي في طلب الرزق الحلال، مع حمد الله على نعمه ومنحه الكثيرة، وتجنب السخط والطمع والتذمر السلبي.

إن النصوص الدينية مستفيضة في مدح القناعة، والإشادة بأهل القناعة والكفاف، وفي مقابل ذلك ورد ذم الطمع والجشع أبلغ ذم!

فقد روي عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنه قال: «خِيارُ اُمَّتي القانِعُ، وشِرارُهُمُ الطامِعُ»، وعنه صلى الله عليه وآله قال: «خَيرُ المؤمنينَ القانِعُ، وشَرُّهُمُ الطامِعُ».

للقناعة آثاراً إيجابية كثيرة: فهي راحة للنفس، واطمئنان للروح، وصحة للجسم، واعتدال في المزاج، ولذا روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: «القَناعَةُ أهنَأُ عَيشٍ»، وروي عن الإمام الحسين عليه السلام قال: «القُنوعُ راحَةُ الأبدانِ».

القناعة تجعل الإنسان يعيش حياة طيبة وهانئة وسعيدة، فقد سُئلَ الإمامُ عليٌّ عليه السلام عن معنى قولِهِ تعالى‏: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾؟ قال عليه السلام: «هِي القَناعَةُ».

والقناعة كنز لا ينفد، لما روي عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله: «القَناعَةُ مالٌ لا يَنفَدُ»، وروي عن الإمام عليّ عليه السلام أنه قال: «لا كَنزَ أغنى‏ مِن القَناعَةِ».

فالإنسان القنوع من أغنى الناس، لأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس لا غنى المال، لما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: «القَناعَةُ تُغني»، وعنه عليه السلام قال: «طَلَبتُ الغِنى‏ فما وَجَدتُ إلّا بالقَناعَةِ، علَيكُم بالقَناعَةِ تَستَغنُوا».

ان بعض المشاكل الزوجية اليوم ناشئة من انعدام القناعة بين الزوجين، فعندما لا تقنع الزوجة بما يقدمه الزوج لها من أساسيات الحياة من مأكل ومشرب ومسكن وغيرها وتقارن حالها بحال غيرها تبدأ المشاكل والخلافات تدب في الحياة الزوجية، وكذلك عندما لا يقنع الزوج بزوجته، ويقارن بينها وبين زوجات الآخرين تبدأ المشاكل بين الزوجين بالتفاقم شيئاً فشيئاً حتى تفسد الحياة الزوجية بينهما.

وحتى يكون الإنسان قنوعاً ويتخلص من داء الطمع والجشع عليه أن ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر لمن هو فوقه، فما من أحد إلا وفي الدنيا من هو دونه، وفيهم من هو فوقه، والعاقل من ينظر بتفكر وتأمل في حال الدنيا، فيحمد الله تعالى ويشكره على ما أنعم عليه من نعم كثيرة، ويرضى بما قسم الله له، فهذا من أفضل السبل لجلب السعادة المعنوية والراحة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

الأمر الثاني أن يرضى الإنسان بما يكفيه ليقنع بأيسر العيش والكفاف؛ فالقانع مكتفٍ وراضٍ بما رزقه الله وإن كان قليلاً، وأما الطامع فلا يقنع بأي شيء وإن كان كثيراً؛ ولذا فالقانع بالكفاف أسعد حالاً وأفضل حياة من الطامع الذي يعيش القلق والاضطراب والخوف حتى يقضي على نفسه بنفسه، وكما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: «لا يُلفَى‏ الحَريصُ مُستَريحاً».

الأمر الثالث: إن لم تكن قنوعاً ألهِمْ نفسك القنوع، ودرّبها على القناعة حتى تتحول إلى صفة ذاتية في شخصيتك، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: «ألهِمْ نفسَكَ القُنوعَ».

ومن مساوئ الطمع العديدة: أن الطمع يقود صاحبه إلى الطبع والهلاك، لأن الطمع مفتاح كل سيئة ورأس كل خطيئة، وهو صفة ذميمة وسجية سيئة، فقد روي عن الإمام علي الهاديّ عليه السلام أنه قال: «الطَّمَعُ سَجِيَّةٌ سَيِّئَةٌ».

لذلك لابد من التحلي بصفة القناعة في العيش، والتخلص من الطمع والجشع والحرص على الدنيا؛ لأن القناعة من أسباب السعادة والراحة بينما الطمع من أسباب الشقاء والتعاسة.

انقر لاضافة تعليق