حينما تشخص بفكرك تجد تسابقاً عجيباً بين التيارات الدينية في تجيير الألقاب والنعوت والترويج بشخصياتهم وعلمائهم، فهذا أستاذ الفقهاء، وذاك سيد العرفاء، وذا الحكيم الإلهي، وهذا الفيلسوف الرباني.. وسلسلة من الألقاب والنعوت التي لا تنتهي، فلا تعجب أن مسح أحدهم اسمك من سجل تعامله كونك لم تسلم لشخص بنعته، أو أخرجك آخر من مذهبك لأنك لم تناديه بلقبه..!!.

كنت ولازلت أسمع عن تلك الألقاب والنعوت المجيرة بين العلماء والفضلاء، بحيث لا تشدني هالاتها كما تشدني بصمتها ولقياها حينها ترى المرآة الحقيقية للقب العلم ونعت الورع المنعكس في ملكة التواضع، ودماثة الأخلاق.

فالعجيب في شخصية لقبت بلقب، ونُعتت بنعت ليس له واقعاً في تعاملها وأخلاقها، والأعجب أن تجد لقباً أو نعتاً لشخصية يفوق واقعها السلوكي والأخلاقي عن النعت واللقب الذي جُير بجانب اسمها، وكل العجب أن تظفر بشخصية تستحق بسلوكها المحمدي، وأخلاقها الربانية نعوتاً وألقاباً لكنها تنكرت لها!!.

ينقل لي أحد الأصدقاء الأعزاء في عام 1421هـ تشرف بزيارة السيدة زينب عليها السلام، وحضر مولداً في إحدى الحسينيات، وفي هذه الأثناء جاء أحد الشبان المعممين يريد الدخول للحسينية، لكن الموقف الذي شدني، وجعلني أقف متعجباً ما إن هم ذلك المعمم بالدخول من باب الحسينية إلا وخرج أحد السادة والعلماء الأجلاء - الذي أصبح من المراجع المعاصرين - مستقبلاً له حافي القدميين، فاحتضنه وقبله، وطلب منه الدخول، لكن أبى أن يجلس عند بوابتها الخارجية!!.

حينها وقفت متسائلاً: من هذا الشاب المعمم الذي خرج له هذا العالم والسيد لكي يستقبله حافي القدمين؟ وهو أكبر منه سناً، وأرفع منه علماً!!، فلولاً معرفته بمنزلته لما خرج له بتلك الهيئة التي رأيته فيها.

وينقل لي أحد طلاب العلم من منطقة القطيف أنه في إحدى زيارات الإمام الحسين عليه السلام ألتقى بأحد وكلاء المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله الوارف، ودار معه نقاش هادئ وحوار جميل... لكن ما لفت انتباهي في حديثه قوله: في إحدى زياراتي لقم المقدسة ألتقيت بشخصية علمائية جذبتني بغزارة علمها وتواضعها ودماثة أخلاقها، وحقيقة وللأنصاف: أقف إجلالاً واحتراماً لها، ولا أبالغ أنها من الشخصيات النادرة التي ألتقيت بها في حياتي.

وينقل لي أحد الفضلاء أنه في أثناء إقامة الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله في دولة الكويت زاره ذلك الشاب المعمم، فاستقبله الشيخ الوائلي ورحب به، ثم دار بينه وبينه حديث ونقاش طويل، ثم غادر ذلك الشاب منزل الشيخ الوائلي، وبعد أيام رد الشيخ الوائلي لذلك الشاب الزيارة، فاستقبله ورحب به، ثم دار بينهما نقاش علمي عميق، ثم أستأذنه الشيخ الوائلي بالانصراف، لكنه أصر على مشايعته لباب المنزل، فلما رجع ذلك الشاب لغرفته ألتفت الشيخ الوائلي وقال: أعجبني هذا الشاب بغزارة علمه ودماثة أخلاقه!!.

وينقل لنا أحد الفضلاء أن وفداً من إحدى الدول العربية زار قم المقدسة، وألتقى بعدد من العلماء والفضلاء في حوزتها، والملفت أن إحدى شخصيات الوفد ألتقى بأحد العلماء فيها وسلم عليه، وسرعان ما أنجذب إليه بسبب تعامله المتميز، وسلوكه الخاص، وتواضعه العجيب، فالتفت إليه، وقال: ما اسمك؟ فقال بكل تواضع وهدوء: اسمي رضا!!.

أكملت الخمسين سنة من عمري توفقت فيها لزيارة عشرات العلماء والفضلاء في الحوزات العلمية رحم الله الماضين وحفظ الله الباقين، لكن كنت أبحث عن شخصية علمائية فريدة تترك بصمتها في نفسي، وانطباعاً يبقى في حياتي إلى يوم مماتي.. واستنساخاً ولائياً تنكرت للألقاب، ولم تكترث بالنعوت إلى أن ألتقيت بشخصية آية الله الورع السيد محمد رضا الشيرازي قدس الله نفسه الطاهرة التي أنبأتني أن الظفر بقدوة في الأخلاق أهم بكثير من الترويج لآية العلوم.

إلى روح سماحة آية الله الورع السيد محمد رضا الشيرازي وروح والديه وأرواح العلماء وأرواح المؤمنين والمؤمنات رحم الله من أهدى لهم سورة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.

* القطيف – الأوجام

انقر لاضافة تعليق