لقد مضى عام منذ أن جدد زعماء العالم تعهداتهم بشأن المناخ في القمة التاريخية التي عُقِدَت في مدينة جلاسكو بالمملكة المتحدة، وسيجتمعون مرةً أخرى الأسبوع المقبل في مدينة شرم الشيخ بمصر، وذلك خلال المؤتمر السابع والعشرين للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ «كوب 27»؛ لاستئناف المفاوضات الرامية إلى كبح جماح الاحترار العالمي، ولكن العالم مكان مختلف الآن، فسيتعيَّن على الزعماء مواجهة أزمة الطاقة التي أثارتها الحرب في أوكرانيا، والأضرار المتصاعدة الناجمة عن الظروف الجوية القاسية.

تشير الدلائل المستقبلية قصيرة الأجل إلى مواجهة تحدٍّ هائل؛ فأسعار الطاقة في ارتفاع مذهل داخل أوروبا وخارجها، وهو ما دفع إلى إجراء جولة جديدة من الاستثمارات الحكومية ترمي إلى تقليص تكلفة الوقود الأحفوري بصورة مُصطَنَعة، ووفقًا لأحد التقديرات، تضاعف هذا الدعم تقريبًا في عام 2021، وهو في طريقه إلى القفز مرةً أخرى هذا العام، وهو ما لن يؤدي إلا إلى زيادة الاعتماد على أقذر مصادر الطاقة في العالم.

بَيْدَ أن هناك أخبارًا جيدة؛ إذ تتواصل زيادة المنشآت المتعلقة بالطاقة المتجددة على الصعيد العالمي، وتعَهَّد زهاء 26 بلدًا بالتزامات مناخية جديدة هذا العام (انظر: "تقرير الالتزام")، منها أستراليا، التي تعهدت بالحد من انبعاثات غازات الدفيئة إلى 43% دون مستويات 2005 بحلول عام 2030، ويشير تحليل أجرته وكالة الطاقة الدولية إلى أن السياسات الجديدة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى تصديًا لأزمة الطاقة في طريقها إلى تحفيز الاستثمارات في الطاقة النظيفة، وهو ما قد يؤدي إلى استقرار عالمي في الانبعاثات بحلول عام 2025.

ومن جهة أخرى، تتصاعد تأثيرات تغيُّر المناخ؛ ففي سبتمبر، أعلن العلماء أن الاحترار العالمي ساعد في تأجيج الأمطار الموسمية الغزيرة على نحوٍ غير معتاد، مما تسبَّب في فيضانات جارفة في باكستان هذا العام أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص وإلحاق أضرار تُقَدَّر بعشرات المليارات من الدولارات بالمنازل والبنية التحتية، وسيشغل الجدل حول كيفية دفع تكاليف هذا الدمار مكانةً رئيسيةً ومتقدمة في مناقشات قمة شرم الشيخ، وكذلك المسائل المتعلقة بما إذا كانت الدول الغنية تفعل ما يكفي لمساعدة البلدان الفقيرة على التكيُّف مع آثار الاحترار العالمي، وتقول جوييتا جوبتا، اختصاصية العلوم السياسية في جامعة أمستردام: "التخفيف والتكيُّف هما قضيتا «كوب 27»".

الخسائر والأضرار

إدراكًا لتحمُّل الدول الصناعية قدرًا كبيرًا من المسؤولية عن الاحترار الذي يتسبب بالفعل في موجات الجفاف والفيضانات والحرائق في جميع أنحاء العالم، أمضت الدول منخفضة الدخل أكثر من عقد من الزمن في المطالبة بالتعويض عن الأضرار، وتريد تلك الدول -على وجه الخصوص- وضع آلية لمواجهة الخسائر والأضرار تساعد بها البلدان الغنية البلدان الأكثر فقرًا على دفع ثمن آثار الاحترار العالمي، والتي لا يمكن تفاديها الآن، وتكتسب تلك الجهود زخمًا.

وفي قمة جلاسكو، وافقت الدول على إقامة حوار حول هذا الموضوع، غير أن كتل التفاوض الرئيسية التي تمثل البلدان منخفضة الدخل تدعو هذه المرة إلى اتخاذ إجراءات في قمة شرم الشيخ، تقول تسنيم إيسوب، المقيمة في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، والمديرة التنفيذية لشبكة العمل المناخي الدولية، وهي عبارة عن ائتلاف من جماعات مناصرة: "هذه هي الناحية الوحيدة التي أُهمِلَت إهمالًا تامًّا في المفاوضات"، وأردفت قائلة: "الآن قد صارت مُدرَجة على جدول الأعمال السياسي".

ويتوقع القليل الخروج بقرار حول هذا الملف؛ لأن الولايات المتحدة والدول الأخرى ذات الدخل المرتفع عارضت بشدة كتابة ما يخشون أن يكون شيكًا على بياض لتغطية جميع أشكال الأضرار المناخية في المستقبل، إلا أنه من الممكن إنشاء آلية جديدة في القمة لتقديم المساعدة المالية عند وقوع كوارث محددة متعلقة بالمناخ، وفق ما تقوله دانييل فالزون، اختصاصية علم الاجتماع بجامعة روتجرز في ولاية نيو جيرسي.

وتضيف فالزون قائلة: "إن إنشاء آلية تمويل من نوعٍ ما أمرٌ مهمٌّ حقًّا؛ لأن الناس يتحملون تكلفة الخسائر والأضرار في الوقت الحالي"، وتقول إنه إذا لم يحدث ذلك في مؤتمر الأطراف لهذا العام، فستكون هذه القضية مسألة وقت فقط؛ لأن البلدان منخفضة الدخل جعلتها على رأس أولوياتها.

فالخسائر والأضرار ليست سوى نقطة واحدة من مناقشةٍ أكبر حول كيفية تحسين التمويل للتَّكَيُّف مع المناخ في البلدان منخفضة الدخل، وفي مدينة جلاسكو، وافقت الدول الغنية على تعزيز التمويل من أجل التَّكَيُّف، لكن لم ترقَ جهودهم إلى بلوغ أهدافهم، تقول فالزون إن إحدى مهمات قمة شرم الشيخ تتمثل في صياغة معايير أفضل يمكن الاستعانة بها لتتبُّع مسار الاستثمارات، لضمان إنفاق الأموال في وجوهها السليمة.

كبح الانبعاثات

قدمت أكثر من 150 دولة تعهدات جديدة بشأن المناخ العام الماضي، وطلب ميثاق جلاسكو للمناخ الذي انبثق عن «كوب 26» أن تقدم الدول تعهداتٍ جديدةً هذا العام، وبموجب الاتفاق، ستُجري الأمم المتحدة من الآن تقييمًا لتلك التعهدات بصفة سنوية، علاوة على ذلك، فإن العملية الرسمية لتقييم التقدم المُحرَز فيما يتعلق بالأهداف المناخية -"تقييم دولي" يلزم إجراؤه كل خمس سنوات بموجب اتفاق باريس لعام 2015- جارية الآن، وستكون على جدول الأعمال في شرم الشيخ.

فبجانب 26 دولة قدمت بالفعل التزامات جديدة هذا العام، من المتوقع أن تقدم دول عديدة المساهمة خلال «كوب 27»، وإذا وفَّت البلدان بهذه الالتزامات جميعها، فضلًا عن تلك المطروحة في قمة جلاسكو، فقد تنخفض انبعاثات الكربون بمقدار 5.5 مليارات طن إضافية سنويًّا بحلول عام 2030، وفقًا لمعهد الموارد العالمية (WRI)، وهو مركز بحوث بيئي مقره واشنطن العاصمة.

وهذا يماثل القضاء على انبعاثات الكربون لعام كامل من الولايات المتحدة، ثاني أكبر بلد مُصدِر للانبعاثات في العالم، بَيْدَ أن هذا لم يزل أقل كثيرًا مما هو مطلوب لتحقيق الهدف المنصوص عليه في اتفاق باريس: الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5–2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، وإذا التزمت الدول بتنفيذ تعهداتها، فقد ينتج عن ذلك انحصار الاحترار العالمي إلى نحو 2.1 درجة مئوية من الاحترار بحلول نهاية القرن، وفقًا لتحليل مجموعة «كلايمت أكشن تراكر» Climate Action Tracker، وهو اتحاد من المنظمات العلمية والأكاديمية، ومن دون تلك التعهدات، يقدر الاتحاد أن القوانين والسياسات الحالية ستضع العالم على مسار الوصول إلى نحو 2.7 درجة مئوية من الاحترار، والذي يقول العلماء إنه قد يؤدي إلى بعض التأثيرات المناخية الكارثية.

يقول ديفيد واسكو، الذي يرأس مبادرة المناخ الدولية التابعة لمعهد الموارد العالمية: "لقد أحرزنا بعض التقدم، لكن الوتيرة إلى الآن ليست كما نريدها".

وفي شرم الشيخ، من المتوقع أيضًا أن تبدأ البلدان في بلورة "برنامج عمل جديد للتَّخفيف"، ومن غير الواضح بالضبط ما الذي سيتألف منه، ولكن ثمة إمكانية تتمثل في أنه سيركز على كيفية بلوغ الدول للأهداف العريضة فيما يخص الانبعاثات، وذلك عن طريق تحديد أهداف لقطاعات محددة، مثل الكهرباء والنقل والزراعة.

يقول واسكو إنه لجَني فائدة من أيٍّ من هذه الجهود، لا بد من التركيز بشكل أدق على المساءلة، ويستطرد قائلًا: "لا يمكننا الانتقال إلى التزامات جديدة فقط دون إحكام السيطرة على ما إذا كان يجري تنفيذ الالتزامات الحالية أم لا".

أما جوبتا فترى وجود خطر كبير على المفاوضين في «كوب 27» يتمثل في التعثر في دوامة الإجراءات، وتقول: "أخشى أن نكون قد ضللنا كثيرًا في تفاصيل مؤتمرات الأطراف لدرجة أننا تغيَّب عن أبصارنا الأمر الرئيسي، وهو أنه يتعين علينا التخلص من الوقود الأحفوري".

اضف تعليق