بقلم: إريك بيرغلوف

لندن ــ أبحرت السويدية جريتا ثونبرج، نبراس الحقيقة المناخية، إلى الولايات المتحدة في يخت سباق بلا أي انبعاثات غازية لتوليد موجات في جزء مختلف من العالم ــ بما في ذلك قمة الأمم المتحدة للعمل المناخي التي ستنعقد الشهر المقبل في نيويورك. وسوف ترسو على شواطئ أميركا في وقت يتسم بتزايد الوعي عبر ضفتي الأطلسي بالتهديد الذي يفرضه تغير المناخ. ولكن هل تترجم التحولات في الرأي العام إلى عمل حقيقي ملموس؟ لا نستطيع أن نجزم بهذا بعد.

إن التعامل بجدية مع قضية الاستدامة يعني أننا لم يعد بوسعنا تجاهل حدودنا الكوكبية. يتعين علينا أن نبدأ بتصميم الأدوات والسياسات اللازمة لجعل كل مظاهر المجتمع أكثر استدامة، قبل أن تصبح التكاليف المطلوبة لتحقيق هذه الغاية ضخمة إلى الحد الذي يفقرنا جميعا. وقد أصبحت هذه على نحو متزايد مهمة ليس فقط للأكاديميين المتخصصين في هذا المجال، بل وأيضا للدارسين والباحثين عموما. ينبغي للاستدامة أن تكون الآن العدسة التي نتناول بها جميع الأسئلة التجريبية المرتبطة بالسياسة. نحن في احتياج إلى أبحاث مدفوعة بالتحديات وموجهة لتحقيق مهام بعينها، وهذا يستدعي بذل جهود واسعة متعددة التخصصات.

لتحقيق هذه الغاية، قدم مايكل جروب من جامعة كمبريدج، بالمشاركة مع اثنين من زملائه، مساهمة بالغة الأهمية من خلال كتابه بعنوان "اقتصاد كوكبي: الطاقة، وتغير المناخ، والمجالات الثلاثة للتنمية المستدامة". يحشد جروب مجموعة واسعة من الأدوات من داخل علوم الاقتصاد لرسم الطريق إلى مجتمع مستدام. يحتاج هذا الإطار إلى التوسع إلى ما هو أبعد من الاقتصاد، لكنه يوفر نقطة انطلاق مفيدة.

تتعلق "المجالات الثلاثة" في العنوان الفرعي للكتاب بالسلوك البشري، وكيف يمكن أن يتأثر من خلال التنظيم، والتسعير التقليدي القائم على السوق، والإبداع. ويتطلب تحويل أي نظام العمل على المجالات الثلاثة. على سبيل المثال، من الممكن أن يغير التنظيم الأفضل السلوك البشري بطريقة تفضي إلى خفض الأسعار وتحفيز الإبداع، مما يؤدي بدوره إلى تنظيم أفضل وتكاليف أقل.

من المؤسف أن كلا من هذه المجالات التقليدية الثلاثة في الاقتصاد تطورت بشكل منفصل، فأنشأت لغة، وأدلة، وتوصيات متعلقة بالسياسة، ومجتمعات مهنية، ومجلات خاصة بها. ويتلخص الهدف من "الاقتصاد الكوكبي" في دمج هذه المجالات داخل مجتمع واحد، هدفه الوحيد بناء حضارة قادرة على البقاء داخل حدود كوكب الأرض.

يحدث هذا بالفعل على الهامش. إذ يتحدث خبراء الاقتصاد التطوري والمؤسسي إلى خبراء الاقتصاد التنظيمي والسلوكي حول الكيفية التي تعمل بها الاختيارات الفردية الاجتماعية والاقتصادية على تشكيل أنظمة معقدة بمرور الوقت. كان خبراء اقتصاد التعقيدات مثل بريان آرثر عاكفين على دراسة مثل هذه الأسئلة لعقود من الزمن. وبالتوازي مع هذا، اعتمد خبراء الاقتصاد لدى "سولو ريزيديوال" على المجالات الثلاثة لفهم العوامل غير المفسرة التي تساهم في النمو الاقتصادي.

لكن هذا التمازج المتعدد التخصصات لا يحدث بالسرعة الكافية. ونحن في احتياج إلى ميدان جديد للعلوم الاجتماعية الكوكبية لتوحيد وجهات النظر المختلفة، والأطر المفاهيمية، والأدوات التحليلية ــ من العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجي (علوم الإنسان)، وعلم النفس. وكما لا يمكننا تجاهل علم المناخ، فلا يجوز لنا أن نتجاهل التحديات الجيوسياسية والأمنية التي ستواجه كوكبا تتزايد درجة حرارته.

إلى جانب مشاركة المستهلكين الأفراد، والشركات الخاصة، والمجتمع المدني، يتطلب بناء اقتصاد عالمي مستدام التدخل النشط من جانب الدولة. ويتعين على الحكومات أن تعمل على وجه السرعة على تعديل الأطر التنظيمية وإعادة ضبط حوافز السوق، وتوسيع البنية الأساسية المادية والناعمة اللازمة لتمكين الإبداع من الازدهار. علاوة على ذلك، ينبغي لصناع السياسات أن يكونوا على استعداد لخوض مجازفات محسوبة، وإعادة معايرة السياسات اعتمادا على المردود.

لعل الصحة العامة هي التخصص الفرعي الأقرب إلى دمج تخصصات أخرى، بما في ذلك الطب والعلوم البيئية. في كتابه بعنوان "البقاء: صحة واحدة، وكوكب واحد، ومستقبل واحد"، يوضح لنا جورج لوديك، رئيس فريق عمل التثقيف الصحي الموحد، كيف يمكن دمج الصحة العامة في مجموعة واسعة من المجالات لمعالجة الصحة الفردية، والسكانية، والبيئية.

يتمثل مجال آخر مهم، بطبيعة الحال، في التعليم. في عام 2015، تبنى المجتمع الدولي أجندة 2030 وأهداف التنمية المستدامة التي أعلنتها الأمم المتحدة، وأحدها (هدف التنمية المستدامة الرابع) يعتبر التعليم الشامل العالي الجودة المفتاح لبناء مجتمعات "سلمية، وعادلة، وشاملة". ومع ذلك، تواجه محاولات التقدم نحو تحقيق هذا الهدف وخاصة في البلدان النامية العراقيل المتمثلة في التفاوت بين الناس، والفقر، والعجز المالي، والتطرف، والصراعات المسلحة.

في الاقتصادات المتقدمة، تحتاج أنظمة التعليم إلى إعداد الطلاب لعالم يخضع لتغيرات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية جوهرية. وسوف يحتاج الشباب اليوم إلى المهارات ليس فقط لمواكبة التحول المستمر، بل وأيضا لقيادته. وهذا يعني أن السياسة التعليمية أيضا يجب أن تكون مدفوعة بالتحديات. من الناحية العملية، ينبغي لكل جامعة أن تنظر في إنشاء دورة إلزامية حول التفكير في الأنظمة والمناهج المتعددة التخصصات.

من ناحية أخرى، يتعين على مؤسسات القطاعين العام والخاص في مختلف أنحاء العالم أن تعمل على دمج أهداف التنمية المستدامة في عملياتها اليومية. في كتاب البقاء، تقدم منظمات تتراوح من المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها إلى الصندوق العالمي للحياة البرية، شرحا حول الكيفية التي تتبنى بها نهجا أكثر تعددية في التخصصات. ولكن في عموم الأمر، من الواضح أن العديد من البلدان ــ إن لم يكن أغلبها ــ لم تنظر بعد في تكاليف تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بشكل كامل. وفي غياب مشاركتها النشطة يُصبِح تحقيق النجاح احتمالا بعيدا.

الواقع أن معظم وزارات المالية الوطنية لم تشارك بشكل كامل في أجندة 2030. وفي الدفاع عن الاستدامة، يتعين علينا أن نمتنع عن خلق نقاط ضعف جديدة في هيئة مديونية مفرطة. وتُظهِر تجارب حديثة أن الأزمات المالية من الممكن أن تعمل بسرعة على تقويض الإنجازات الاقتصادية والسياسية، وفي بعض الأحيان قد تهدم عقودا من التنمية أو تعرض النمو الاقتصادي والاستقرار في المستقبل للخطر.

بينما تخطو جريتا ثونبرج إلى شواطئ جديدة، ينبغي للقائمين على السلطة أن يفكروا في مسؤوليتهم تجاه كل الأجيال. ونحن في احتياج عاجل إلى تهيئة الظروف لظهور علم الاجتماع الكوكبي القادر على تنوير وإرشاد قراراتنا السياسية. في نهاية المطاف، سوف يستمر كوكب الأرض. لكن بقاء البشرية سيتوقف على قدرة قيادات اليوم على إظهار الزعامة الحقيقية، وعلى أنظمة الحوكمة والمنح الدراسية التي نبنيها من أجل المستقبل. ولا شيء أكثر فعالية في تركيز العقول من احتمال الانقراض والفناء.

* إريك بيرغلوف، كبير الخبراء الاقتصاديين السابق في البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، ومدير معهد الشؤون العالمية في كلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق