الطبيعة ليست هادئة ومسالمة ومنتجة دائما، كما نعرفها او نصفها في اغلب الاحيان، بل تحولت الى طبيعة غاضبة تنفس عن هذا الغضب عبر الزلازل والبراكين والفيضانات والاعاصير وارتفاع درجات الحرارة والتقلبات المناخية المتواصلة... والسبب في ذلك هو ما قام به الانسان من تدمير ممنهج للبيئة وتلويثها والدفع باتجاه التطرف المناخي الأكثر خطورة.

وفي قراءة سريعة لحجم الكوارث الطبيعية التي بلغ عددها وفقا للأمم المتحدة (4130) كارثة فقط للفترة ما بين (2002 -2011)، فيما قدرت شركة (سيجما) للأبحاث إجمالي الخسائر الاقتصادية التي تسببت بها الكوارث الطبيعية لعام (2017) فقط حوالي (306) مليار دولار، كما حذر البنك الدولي، في تقرير له، بأن الكوارث الطبيعية يمكن أن تدمر المناطق الحضرية وتدفع ما يصل إلى (77) مليون شخص حول العالم إلى الفقر بحلول عام (2030) إذا لم يتم إنشاء المزيد من البنى التحتية المرنة.

كما لا يخفى ان هناك علاقة وثيقة جداً بتغيرات المناخ والاحتباس الحراري بالتطرف المناخي الموجود والذي يؤدي الى عملية انشاء مناخ مجتمعي متطرف وغير مستقر امنياً واقتصادياً، وهذا الامر بطبيعة الحال تتحمله الدول الصناعية الكبرى (وفي مقدمتها الدول الغربية)، اذ ان الغازات الدفيئة التي تسببت بظاهرة الاحتباس الحراري في الجو من دون وجود ضوابط بيئية او أخلاقية لتقنينها او السيطرة عليها، تساهم بشكل رئيسي في موجات الجفاف والاعاصير وارتفاع درجات الحرارة والتصحر وغيرها، والتي تعتبر عوامل رئيسة في تدمير الزراعة والامن الغذائي وتوليد الفقر في العديد من البلدان والمجتمعات الأخرى، وبالتالي تحول المواطن في هذه المجتمعات اما الى الهجرة نحو البلدان الأكثر رفاهية اقتصادية او الذهاب صوب التطرف والإرهاب والذي عده الكثير من الخبراء احد نتاجات التطرف المناخي.

وحتى نعرف ما الذي تعنيه البيئة من اجل وضع الحلول المناسبة لهذه المشكلة الخطيرة، ننقل ما ذكره الامام الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) من تعريف عام للبيئة بأنها "مجموعة الظروف والمؤثرات الخارجية والداخلية المحيطة بأي كائن من إنسان أو حيوان أو نبات وهي تشمل الظروف السلبية والآثار الطبيعية والكيمياوية والصحراوية والبحرية والجوية والنباتية والحيوانية".

مشكلة عالمية

في كتاب (فقه البيئة) يؤكد السيد محمد الشيرازي على ان "تلوث البيئة وإن بدت في أول الأمر مشكلة إقليمية تعاني منها بعض الدول إلاّ أنها تحولت إلـى مشكلة عالميـة وعائق من عوائق الحضارة البشرية"، داعيا الى "مواجهتها عالمياً بأن تتعاون الدول المختلفة فيما بينها لتحل هذه المعضلة، وللإسلام موقف واضح فـي مثل هذه المشاكل".

وتحدث الامام الشيرازي عن خطر التلوث بالقول: "حتى السماء الخارجية ليست بمنأى عن خطر التلوث بعد أن تصاعدت الغازات لتتفاعل مع طبقة الاوزون مسببة الثقوب السماوية التي تساعد على تسرب الأشعة فوق البنفسجية والتي تسبب اضطراباً في نمو الخلية"

كما حدد اهم مواطن التلوث بانها (الهواء والماء والتربة) مشدداً على ان "تلوث الهواء لهُ ارتباط بتلوث كل من الماء والتربة، بل أكثر الأشياء يرتبط بالهواء".

امام فيما يتعلق بالماء فقد بين السيد الشيرازي وجوب "الحفاظ علـى المياه من التلوث، فإن الماء هو من أهم عناصر الحياة، فهـو المكوّن الأساسي لتركيب مـادة الخلية، حيث يكوّن القسم الأعظم من جميع الخلايا الحية فـي مختلف صورها وأشكالها وأحجامها وأنواعها مـن النبات والحيـوان والإنسان، وهو يكون نحو (90%) من أجسام الأحياء في الدنيا، ونحو (60 إلى 70%) من أجسام الأحياء الراقية بما في ذلك الإنسان" فقد قال الله سبحانه: (وجعلنا من الماء كل شيء حـيّ أفلا يؤمنون)".

وأوضح السيد محمد الشيرازي، بأن الإسلام بين "أحكام البيئة سلباً وإيجاباً، وجوباً وحرمة، ندباً وكراهة، تكليفاً ووضعاً، فمثـلاً، في الجانب السلبي قال سبحانه: (ولا تفسدوا فـي الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين)، فالإفساد مطلقاً حرام في الشريعة الإسلامية، لكن بعد الإصلاح يصبح أشدّ حرمة".

مؤكدا على "أهمية وخطورة هذا الموضوع الذي أصبح يتدخل في حياة البشرية، ويضرّها ضرراً بالغاً فأصبح للتلوث تأثير على مختلف مرافق الحياة.

أصبح يحدد عمر الإنسان.

وأصبح يحدد له طعامه.

وأصبح يحدد له نوع الموت الذي يموت فيه.

وأصبح يتدخل حتى في ساعات الراحة والاستجمام.

فالتلوث بمقدوره أن يسلب من الإنسان لحظات السعادة التي يمكن أن يعيشها داخل الطبيعة.

وأصبح بمقدوره أيضاً أن يفتـك بالبشرية أكثر مما فتكت بها الحروب على طول التاريخ.

مـن هنا كان لزاماً أن يقف الجميـع حكومات وشعوباً في قِبال هذا الخطر الذي لا يهدد حياتنا وحسب بـل ويهدد مستقبل البشرية على الكرة الأرضية وهكذا حياة سائر الكائنات الحية".

ما هو الحل؟

يحدد لنا الامام الشيرازي أربع خطوات عملية لحل هذه المشكلة التي تهدد مستقبل البشرية وسائر الكائنات الحية على الكرة الأرضية:

1. الوعي: حيث يبدأ الحل بالوعي "لابدّ أن تعي البشرية خطورة التلوّث".

2. الالتزام بالقوانين والسنن التي سنّها الله في الكون والتي أوصلها إلينا عبر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بالشكل الأشمل والأكمل.

3. الوقوف وقفة حازمة وقوية أمام المشاريع والفعاليات التي تنتج التلوّث: وهذه الخطوة تتوقف علـى مقدار ما تبديه البشرية من تعاون وتآزر لوقف هذه المشاريع الخطرة، كما تقع مسؤوليّتهـا أيضاً علـى هيئة الأمم المتحدة وهي إصدار قانون دولي لحماية البيئة، ويكون هذا القانون إلزامياً بحيث تدعمه قوة تعمل على الحفاظ عليـه كما تقـوم القوات الدوليـة بتطبيق قرارات الأمم المتحدة.

4. مكافحـة جذور التلـوث سواء كان مصدره دولة أو مصنعاً أو شركة أو فرداً.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق