يعد مجال الطاقة، والاستثمار فيه سواء كانت الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح أو قطاع النفط والغاز، من أهم العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية، وأيضا في الجغرافية السياسية المعاصرة، ولهذا عملت الولايات المتحدة على استثمار هذا القطاع في سياساتها الخارجية ومواجهة الأزمات وتقاطع المصالح معها خاصة في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن عملت على اجتراح متقدم في قطاع الطاقة وتحديدا النفط الصخري الذي يعد مصدرا كذلك للغاز الطبيعي، إذ حولت هذا المنتج العالمي نحو تغيير يعد بمثابة ثورة شاملة على صعيد الاقتصاد الدولي والداخلي بما يحقق مكاسبها وينجز لها تحولات اقتصادية وجيوسياسية مهمة وكبيرة.

فتراجع وانخفاض أسعار النفط الخام العالمي من أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد إلى نحو 60 وإلى 40 دولار أو أقل أحيانا خلال الأعوام القريبة الماضية، وبذات الوقت تصاعدت قدرة الولايات المتحدة على استخراج النفط الصخري من خلال عملية التكسير الهيدروليكي للصخور، بمثابة أهم العوامل والمتغيرات التي نقلت الولايات المتحدة من كونها من أكبر الدول المستهلكة للنفط الخارجي في العالم، إلى دولة باتت تتمتع بوضع تحقق لها أكبر قدر من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، بما سمح لها أن تكون دولة طاقة قادرة على مضاعفة نفوذها الاقتصادي والسياسي العالمي.

إن عملية استخراج النفط الأمريكي من الصخور النفطية أدى إلى قلبَ موازين أسواق النفط والغاز العالمية، وأفرز تداعيات ومتغيرات جيوسياسية مهمة جداً. لأن مستوى الصراع الدولي خاصة بين الدول الغربية الكبرى في القرن الماضي كان محموماً على النفط وكانت هذه القوى تتهافت على استعمار الدول المنتجة للنفط من أجل استخراج النفط، وانخرطت تلك القوى بالسيطرة على شركات النفط الوطنية للدول المصدرة للنفط، لكن الآن مما لا شك فيه أن المعادلة الدولية اقتصاديا تجاه هذا القطاع تغيرت بعد أن ساعد تقدم التكنولوجيا وتحديدا في مجالات الاستخراج والبحث والتنقيب على إيجاد إمدادات مهمة من الطاقة في السوق الأميركية المستهلكة للطاقة بشكل كبير وأساسي.

هذا التحول الجيوسياسي كان وسيبقى مفيدا للولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن عملت على استغلال ثورة الطاقة الجديدة استغلالا براغماتياً على الصعيد الاقتصادي بما ضمن لها إحراز الاستقلال التام في هذا القطاع، إضافة إلى استخدامه كإستراتيجية دولية في مجال التحولات الاقتصادية التنافسية. إذ أن امتلاك إمدادات النفط والغاز داخلياً يعمل على تقوية وتعزيز قدرات الاقتصاد الأميركي، إضافة إلى ذلك، أيضاً يعمل على توفير نفوذ عالمي للولايات المتحدة، إذ من شأنه أن يعمل على تقليص النفوذ الروسي على أوربا اقتصاديا، وأضعف اعتماديتها على إمدادات الطاقة، وقلص المردودات المالية لروسيا بعد تراجع أسعار النفط، وحال دون تحول روسيا إلى قوة عظمى في مجال الطاقة، وهذا الوضع جعل روسيا في سياق لا يخدم مصالحها فيما يتعلق بالتنافس على الأسواق والنفوذ في وسط آسيا وأوربا الشرقية، رغم أن روسيا لازالت تحافظ على امتيازاتها بقطاع النفط الغاز من ناحية الإحتياطات، لكنها خسرت إمكانية توظيف هذا الامتياز لأغراض سياسية بشكل واضح على نحو ما كانت تفعله في شرق أوربا سابقا.

كما أنه عمل على كبح جماح وتداعي فنزويلا الغنية بالنفط، يمنع مواصلتها سياسات الانغلاق المعادية للولايات المتحدة وعمق من أزمتها الداخلية الاقتصادية مما سمح لواشنطن بهوامش أوسع للتأثير والتدخل ضد نظامها الرافض لسياسات الغرب.

وأيضا أسهم في تكريس سياسة الضغوط القصوى ضد إيران فرغم أن الولايات المتحدة عملت على حظر شراء النفط الإيراني إلا أن تراجع أسعار النفط قبل مدة الحظر عمل على زعزعة الاقتصاد الإيراني بهذا القطاع وأيضا سيعمل على عدم الاستفادة من الموارد المالية الناجمة عن النفط في حال رفع الحظر.

وفي هذا الصدد أيضا، من التداعيات التي أدى إليها استخراج النفط الصخري بعد انخفاض أسعار الطاقة والنفط تحديدا، هو استقرار اقتصادي لأوربا حليفة الولايات المتحدة وشريكتها في حلف الناتو، مما ساعدها في تخطي الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربتها عام 2008، مما أسهم في إمكانية زيادة الأعباء المالية على دول أوربا في الناتو والهجرة وملفات أخرى.

كذلك أدى إلى مساعدة اليابان وكوريا الجنوبية حلفاء واشنطن في الاستفادة من هذا التراجع باعتبارهما مستوردين كبيرين للنفط من الشرق الأوسط، إضافة إلى مساعدة الهند اقتصاديا وهي حليف لواشنطن أيضا. كما أن هذا عمل على إضعاف التطلعات الاقتصادية لدول أفريقيا جنوب الصحراء الغنية بالطاقة ويعزز من احتمالات ارتباط مصالحها بواشنطن.

وبالتوازي كل ذلك، يمكن القول أن اكتشاف النفط الصخري في الولايات المتحدة عبد الطريق أمام تعزيز وضع قارة أمريكا الشمالية كأحد أهم المعطيات الجيوسياسية الإقليمية، بأن تكون قارة أكثر تكاملاً من الناحية السياسية والاقتصادية.

لكن تبرز إشكالية أمام الولايات المتحدة بخصوص تراجع أسعار النفط، تتعلق بالصين، إذ أن اكتشاف النفط الصخري الأمريكي عمل على تدعيم الاقتصاد الصيني المستورد الأكبر للنفط والغاز عبر الاستفادة من الأسعار المنخفضة لتتقدم خطوات واسعة على صعيد النمو الاقتصادي، والصين غريم اقتصادي تقليدي للولايات المتحدة إضافة إلى عدم الاتفاق بالملفات السياسية تجاه الأزمات الدولية سواء في سوريا واليمن والقضية الفلسطينية وملفات أخرى خاصة في عهد ترامب، إذ سمحت هذه المتغيرات المتعلقة بتراجع أسعار النفط للصين على التركيز على تنفيذ إستراتيجية ما يعرف بطريق الحرير الجديدة عبر أوراسيا بشكل قوي وفعال كما عملت على التخفيف من تأثيرات التباطؤ بالنمو الاقتصادي بل عزز هذا النمو.

ولكن واشنطن لديها رهان يعد كإجابة على تلك الإشكالية السلبية وهي أن مزيدا من الضغوط التجارية تجاه الصين سيعزز طبيعة علاقتها مع واشنطن إضافة إلى رهانها على فطم الصين عن الأنظمة السلطوية وتراجع صداقتها مع تلك الأنظمة الغنية بالنفط عبر توفير غاز رخيص وهذا يعمل على تعزيز ثقة الصين بالنظام الدولي الليبرالي واحترام أحد أهم عناصره ووحداته الأساسية ألا هو سياسة السوق الحر والتبادل التجاري، بدلا من العزلة والمركزية الاشتراكية كما يحصل في كوريا الشمالية، وهذه من الثوابت المهمة في السياسة الخارجية الأمريكية.

وأيضا من المساوئ الحاصلة من إنخفاض أسعار النفط هو تضرر اقتصاديات دول الشرق الأوسط ومنها دول صديقة وحليفة لواشنطن كدول الخليج، إلا أن هذا المتغير يحمل في طياته عددا من المفارقات حسب وجهة نظر واشنطن، ومن تلك المفارقات التي تراهن عليها أن تراجع أسعار النفط لا يعني تضرر أو إنتهاء الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط، مثلما يروج ويظن البعض، وإنما بالعكس سيعمل في الواقع على تعزيز عنصر المنافسة في السوق الدولية مع النفط الأمريكي والكندي عالي الكلفة ويزيد من الصادرات النفطية وتحقيق مبيعات مضمونة نتيجة رخص أسعار النفط في تلك المنطقة عن خام برنت، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة، التي باتت مكتفية ذاتيا في مجال الطاقة لن تكون لديها طموحات الانتفاع والسيطرة على نفط هذه المنطقة، وسيتعين على تلك الدول أن تكون مطمئنة على أن وجود وحضور الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط إنما من أجل محاربة الإرهاب، ومكافحة انتشار الأسلحة النووية، ودعم حلفائها في المنطقة لا أكثر.

ومن جهة أخرى، تعتقد واشنطن أن تراجع أسعار النفط سيحفز أنظمة بعض هذه الدول على إحراز الإصلاحات الاقتصادية ويشجّعها ويوقي نظم الإدارة ويقنن من الفساد السياسي والانصياع للمطالب الاجتماعية. كما أنه سيعمل على احتواء المطالب الانفصالية للأقاليم الغنية بالنفط لأن الطاقة المحرزة للقدرة الاقتصادية أحد أهم مقومات تحفيز الأقليات والمناطق الغنية بالنفط على المطالبة بقيام دولها المستقلة، ورغم أن الطاقة ليست كل شيء لكن تعد عاملا ضروريا في الجغرافيا السياسية ومن متغيرات القوة المباشرة لقيام الدول، لكن يبدو أن المستهدف في الشرق الأوسط من انخفاض أسعار النفط هو إيران والعراق أيضا باعتبار أن الولايات المتحدة تنظر إلى العراق كحليف استراتيجي لإيران أكثر منها.

في النهاية، يمكن اعتبار انخفاض أسعار النفط بسبب اكتشاف النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية من أهم المتغيرات النادرة في التاريخ المعاصر الذي عمل على تغيير الأوضاع الإستراتيجية لهذه القوى العظمى بأن تستمر على تفوقها في النظام الدولي والتحكم بقواعده، إذا وفرت قطاع الطاقة مجالات نفوذ أوسع لواشنطن وكانت بمثابة نعمة وهبة وقوة لمواجهة الركود الاقتصادي الأمريكي، كما كانت مصدر قلق وإزعاج لروسيا وإيران وفنزويلا.

ورغم أن واشنطن تعد اليوم أكبر قوة في مجال الطاقة والتحكم عالميا، إلا أن نعمة النفط الصخري والغاز تورد عدة تحديات في هذا المجال منها: عدم قدرتها بأن تكون منتجة للنفط بشكل مؤثر يعمل على نحو مستديم على تحديد الأسعار العالمية للنفط، نعم قد يعمل على استمرار وضع الاكتفاء الذاتي وما يرتبط بذلك من معطيات تم ذكرها، إلا أن أمريكا تبقى دولة محدودة الإنتاج الذي لا يسمح لها لغاية الآن بأن تمتلك شركات نفط وطنية لتصدير النفط وإنتاجه والتحكم بالسوق العالمية وأسعاره بشكل مستمر، مع بقاء وضع الإنتاج لديها خاضع لشبكات من المنتجين المحليين الذين يتخذون القرارات فرديا ويتحملون المخاطر بأنفسهم.

الصين متراجعة اقتصاديا، ولن تنهار إيران الغنية بالنفط، وفي ظل هذا الوضع لن تصبح روسيا هشة، رغم أن الواقع يشير إلى اعتماد هذه الدول اقتصاديا على سعر النفط في السنوات والعقود المقبلة وهذا ينذر بمتغيرات جديدة على صعيد الجغرافية السياسية، فعالم يبلغ فيه سعر برميل النفط مابين 40 إلى 60 دولار، سيكون مختلفا جداً عن عالم بلغ فيه سعر البرميل أكثر من 100 دولار.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق