بقلم: أندرو هيغام

أوكسفورد- تقود بعض الجهات الأكثر نفوذاً في الاقتصاد العالمي، التحول نحو عالم نظيف وأخضر وخالي من الانبعاثات، ولو أن الحكومات الرئيسية لا تحرك ساكنا. ويمكن للمراكز المالية الضخمة في أوروبا، والصين، واليابان، والولايات المتحدة، وأستراليا، وأماكن أخرى، أن ترى المخاطر والمكاسب التي تلوح في الأفق، وهي لا تنتظر من صناع السياسة الإشارة إلى ما يجب القيام به. وعن طريق فرض حظر فوري على الاستثمارات الجديدة في مجال الوقود الأحفوري، وتصنيف منتجي الطاقة النظيفة والقذرة، والتخلص من الأسهم غير الجذابة، يعيد القطاع المالي توجيه التدفقات الضخمة من الأموال من الوقود الأحفوري إلى التكنولوجيا المنخفضة الكربون.

ويمكن لمثل هذه القرارات أن تنتشر عبر الاقتصادات. لنأخذ على سبيل المثال، الانقسام بين تمويل الطاقة الحكومي والخاص في الهند. وفقًا لمركز المساءلة المالية الذي يتخذ من دلهي مقراً له، تراجع التمويل الأساسي لمحطات الطاقة الفحمية بنسبة 93٪ بين عامي 2017 و2018، في حين ارتفع تمويل مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 10٪. وكان مصدر معظم قروض مشاريع الفحم في عام 2018، مؤسسات مالية تسيطر عليها الحكومة، في حين أن ثلاثة أرباع التمويل المتجدد قدمته البنوك التجارية الخاصة.

وكذلك، يتخلى التجار والبنوك في اليابان عن مشاريع الفحم لصالح مصادر الطاقة المتجددة، مع أن الحكومة قاومت تحديد موعد للتخلص التدريجي من الطاقة الفحمية. إذ خلال هذا العام، ألغيت ثلاثة مشاريع لمصانع الفحم اليابانية، أو أجلت. وعلى المستوى العالمي، ذكرت وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن الاستثمارات في محطات توليد الطاقة الفحمية بلغت أدنى مستوى لها منذ قرن من الزمان في عام 2018، في حين أوقفت المزيد من محطات توليد الفحم أنشطتها.

وسيتضح هذا الاتجاه أكثر مع استمرار نمو عدد الشركات المالية التي تتحول من الوقود الأحفوري. لنأخد على سبيل المثال عناوين الصحف منذ مارس/أذار. لقد حصل صندوق الثروة السيادية للنرويج على موافقة البرلمان على صرف 13 مليار دولار من مخزونات الوقود الأحفوري، لتكون جزءا من أكبر عمليات بيع للوقود الأحفوري حتى الآن. وتوقفت مجموعة "ميتسوبيشي يو إف جي" المالية اليابانية، أحد أكبر البنوك في العالم من حيث الأصول، عن تمويل المشاريع الجديدة للطاقة الفحمية. وأصبحت "تشاب"، أول شركة تأمين أمريكية كبرى تعلن فرض حظر على تغطية مشاريع الطاقة الفحمية، في حين أصبحت "سانكورب" آخر شركة تأمين أسترالية تنهي تغطية المشاريع الجديدة لاستخراج الفحم وتوليد الطاقة الفحمية.

وفضلا عن ذلك، أعادت بورصة لندن تصنيف الأوراق المالية، ومخزونات النفط، والغاز على أنها "طاقة غير متجددة" وصنفت أسهم الطاقة الخضراء على أنها "قابلة للتجديد" بدلاً من "بديلة". وقالت أكبر شركة استثمار في العالم في مشاريع الفحم في الخارج، الشركة المصرفية الصينية التي تمارس أنشطتها فيما وراء البحار، أنها ستنهي تمويل محطات توليد الطاقة الفحمية (بمجرد الانتهاء من مشروعين أخيرين في فيتنام)، في حين أعلنت مؤسسة الدولة للتنمية والاستثمار الصينية عن خطط لوقف الاستثمار في محطات جديدة لتوليد الطاقة الفحمية، والتركيز على مصادر الطاقة الجديدة.

وعلى نطاق أوسع، جذبت أجندة المستثمر لعالم منخفض الكربون 477 موقعًا، يمثلون حوالي 34 تريليون دولار من الأصول الخاضعة للإدارة. ويناشد هؤلاء المستثمرون الحكومات ليس فقط للحد من ارتفاع درجات الحرارة، ولكن أيضًا للوفاء بالهدف الأكثر صعوبة لاتفاق باريس للمناخ، والمتمثل في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري لتصل إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.

وفي الوقت نفسه، خلص معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي أن أولئك الذين تجاهلوا تحذيرات تغير المناخ قد عانوا بالفعل من أزمة مالية. إذ فقدت "بلاك روك"، أكبر شركة إدارة الصناديق في العالم، حوالي 90 مليار دولار على مدار العقد الماضي، ويرجع فقدانها لثلاثة أرباع هذه القيمة إلى حيازاتها في "إيكسون موبيل"، و"شيفرون"، و"شيل"، و"بي بي". وخسر المستثمرون في شركة "جنرال إلكتريك"، بما في ذلك "بلاك روك"، 193مليار دولار في الأعوام الثلاثة التي سبقت عام 2018، لأن الشركة أخطأت في تقدير وتيرة التحول إلى الطاقة الخضراء، وانهيار الطلب على توربينات الغاز، ومحطات الطاقة الحرارية.

ومع أن التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري أمر هائل بالفعل، إلا أنه يرتقب أن تأتي أمواج تسونامية. وأولئك الذين يتحولون من الوقود الأحفوري، هم أول من لمسوا تغييرا في اتجاه الرياح وقاموا بإعادة ضبط شراعيهم. ولكن ما زال هناك الكثير مما يجب عمله. ولأن منافسي هذه الشركات لازال عليهم اتخاذ خطوات تجاه سحب الاستثمارات، لازالت تريليونات الدولارات من أصول الكربون في ميزانيات المستثمرين.

وفضلا عن ذلك، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، في الوقت الذي انخفضت فيه استثمارات الطاقة الفحمية، فإن الإنفاق الرأسمالي على النفط، والغاز، والفحم، قد عاد إلى المستوى الذي كان عليه عام 2018، وتوقف الاستثمار في فعالية الطاقة والطاقة المتجددة. والأسوأ من ذلك، خلصت "وود ماكنزي" الاستشارية، أن طفرة الطاقة المتجددة تُرجمت إلى 2٪ فقط من الطلب العالمي على الطاقة. وكما هو الحال، يمكن أن يوفر الفحم، والنفط، والغاز، 85٪ من الطاقة الأولية بحلول عام 2040، بانخفاض طفيف عن 90٪ اليوم.

ولاستكمال الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري، سيتطلب الأمر الوصول إلى قلب الاقتصاد العالمي. وما يزيد الأمر سوءا هو أن المؤسسات المالية في الصين خصصت مليار دولار على الأقل من التمويل "الأخضر" للمشروعات المتعلقة بالفحم في النصف الأول من هذا العام. ولا يمكن للشركات الاستمرار في إنتاج محركات النفط، والغاز، ومحركات الاحتراق الداخلي وفي نفس الوقت الانتقال تدريجياً إلى التقنيات الأنظف؛ إنها بحاجة الى استراحة نظيفة.

وفضلا عن ذلك، يتعين على الممولين صرف نظرهم بعيدا عن الفحم، وسحب الدعم عن جميع أنواع الوقود الأحفوري. وعلى نفس القدر من الأهمية، يجب على الحكومات أن تضع مسارًا طموحًا لاقتصاداتها، وهو مسار يفرض الالتزام بدرجة حرارة أقصاها 1.5 درجة مئوية. وسيؤدي مسارنا الحالي إلى ارتفاع مستوى الحرارة إلى 3 درجات مئوية أو أكثر، الأمر الذي سيكون له عواقب وخيمة.

وتتيح قمة الأمم المتحدة للعمل المناخي في 23 سبتمبر، الفرصة للمؤسسات المالية والحكومات للقيام بما هو ضروري. ودعا الأمين العام أنطونيو غوتيريس إلى قيادة ذات معايير ذهبية، في شكل التزامات من الحكومة والقطاع الخاص، بخفض الانبعاثات إلى صافي الصفر، مع أهداف مؤقتة كل خمس سنوات.

ورُددت دعوة غوتيريس إلى العمل من قبل جميع الذين كانوا يتظاهرون ويضربون من أجل الهدف نفسه. ويجب أن يرتقي المستثمرون إلى هذه الدعوة، عن طريق هيكلة الاستثمارات بطريقة تحقق انبعاثات صافية صفرية مع حلول عام 2050. وهذا يعني دفع الشركات لتغيير محافظهم الاستثمارية، أو المخاطرة بالتخلي عنها وتركها . ولكن وضع تطلعات طويلة الأجل لن يكون كافياً. ويجب أن ترافق الخطوات القابلة للتنفيذ في الأشهر والسنوات القادمة الالتزامات التي تُعهد بها اليوم، لضمان استمرار التقدم.

ولتحقيق هذه الغاية، تحصد مهمة 2020 التقدم في مختلف أنحاء الاقتصاد العالمي. وتخضع أداة تعقب تقدم المناخ 2020 الخاصة بنا، وهي قاعدة بيانات مفتوحة، للتحديث بشكل منتظم لتتماشى مع التزامات المناخ من قبل البلدان، والشركات والمدن وغيرها. وكلما زاد سحب الاستثمارات، كلما كان من الصعب الاختباء في الظل، والتشبث بالماضي.

* أندرو هيغام، الرئيس التنفيذي لبعثة 2020، وزميل ممارسة في كلية بلافاتنيك الحكومية بجامعة أكسفورد
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق