كنا نظن في السابق إن الأدوية والأغذية تنتهي صلاحيتها بتقادم الزمن، وتصبح ضمن المحرمات والممنوعات التي ينبغي عدم الاقتراب لها بالأكل أو الشرب أو المجاملة. لكن حال اليوم ليس من حال الأمس كما يبدو.

فالزمن يقترب من فكرة "الاكسباير" حيث الأوبئة والفيروسات تستوطن الأجساد، وتلعب بالجينات كما تشتهي، والزلازل والأغبرة والفيضانات والجفاف والحرائق تحيل المدن إلى خرائب وخرائط للفواجع، مثلما يمتلئ الكون بالغازات السامة المسببة للاحتباس الحراري؛ لم نعد نستنشق هواء نقياً صالحاً لإدامة الحياة، وإضافة بعض السنين للأعمار، بل أصبح العالم والبشر معاً خارج السيطرة النوعية؛ أكسباير مزمن!

ولأن عراق اليوم صار من جنس القرى وليس من جنس الدول، فأن أنتاجه للبشر والمؤسسات يتحكم به عطار تعيس يبيع أعشاباً ليست صالحة للاستخدام، ومصابة بفيروس التخلف. لذلك غرق العراق بسلع الاكسباير، مثلما أنتج لنا الواقع السياسي بلد "أكسباير" عجيب في فوضويته السياسية والمالية والاقتصادية والتعليمية؛ بلد ينتج الأزمات وعلامة "الاكسباير" الشهيرة!

يمكن أن نعالج البطون بسبب "الاكسباير" بالمضادات الحيوية أو الأكثار من شرب السوائل والزنجبيل وخل التفاح والثوم والعسل والزبادي، لكننا نجد صعوبة الشفاء من التلوث العقلي الذي أصيب به التعليم الجامعي.

وأي تعليم هذا الذي لوث عقول الأجيال بالترهات والفساد والغش، وإنتاج صدأ البلادة، ونظام "الدمج" المُهدرج، أي تعليم جامعي هذا الذي حول الجامعات إلى منتجعات سياحية للراحة والاستجمام، وأمكنة للردح والسفاهة، وهوسات عشارية حماسية، وسوق للبورصات والمضاربات للبيع والشراء.

أي تعليم نتحدث عنه وقد أصبحت لنا جامعات تفوق عدد المولدات الكهربائية في الشوارع والحارات، وتجار المخدرات والأيس كريم. أي كارثة تعليمية نتحدث، وقد أصبحت مخرجات التعليم الجامعي تقاس بعدد الطلاب مضروباً بعوائد الأرباح!

صار التعليم الجامعي همّاً ووجعاً لأنه صار معملاً لتفريخ الآلاف من الشباب المعوق علمياً الذي لا يجد في الحياة إلا وظيفة مدير "بسطة" في أحد شوارع المدن، أو حانوتيا متجولاً لبيع الماء والذرة والجبس والنفط المهرب، أو سمساراً في توزيع الكريستال الذي يُغيّب الناس عن آلامهم وأوجاعهم المزمنة؛ جيل جامعي يدفع مالاً ليدمر ما تبقى له من جينات الذكاء العراقي، ويغلق كل أبواب الأمل في النفس.

المصيبة الأكبر، إن الكثير من الجامعات تَوطّن فيها غرباء المهنة الرصينة، وصارت موطناً لجيوش خلعت عباءة العلم لتستبدله بعباءة موبقات الحياة السيئة؛ رشاوي علنية لا تعرف الخجل، وصبية تفتقد الوقار والحكمة، وعقول تمتلئ بهوامش العلم، وفلسفة تدريس قائمة على التلقين والتهجي والتمتمة. "هب بياض" كما يقولون!

كيف لا، وبلدنا يغرق بالشهادات العليا "الماجستير" و"الدكتوراه" التي صارت عبئاً على البلد. فأسست لنا حياة علمية مشلولة العقل والأطراف، فلا نجد في رسائلهم العلميّة سوى ضجيج المعلومة المستهلكة، وخرابيش لمنهج علمي ضعيف لتلويث العقل، وعناوين مهللّة لا تجد فيها منهجية اختيار العنوان؛ تجد الحل البليد ولا ترى المشكلة!، وتجد ترهات الماضي الأسود، ولا ترى الحاضر. دعايات وخزعبلات لموتى وظواهر وأحداث بائسة. بالله عليكم، ما فائدة عنوان يقول لنا: تطور الذكاء الاصطناعي في العراق، ونحن في بلد ليس فيه ذكاء اصطناعي أو ريبورت آلي، إنما فيه غباء سياسي ينتشر بين الأحزاب ليستوطن في المنطقة الخضراء!

والقصص لا تنتهي، فمساحة واقع دائرة الدراسات العليا، لا ينطبق عليها القانون الرياضي: نصف القطر تربيع في النسبة الثابتة، فالدراسات العليا نصفها مسروق ومستل من رسائل علمية معروفة النسب، ومجترة بالمعلومات القديمة التي لا حياة فيها، وهناك مكاتب لصناعة هذه الرسائل بأثمان زهيدة، مثلما هناك مجموعة من المقاولين الذين يقدمون عروضاً مغرية، وتخفيضات موسميًة من خلال مكاتب علنية لا تخاف من الرادع القانوني: " مكتبة .... لعمل البحوث والدراسات العليا" بأشراف أساتذة أكفاء، ومن أجناس توافقية وطنية!

لم تنتهي قصة التعليم الجامعي في حدود "أرضة" انتشار الجامعات وتناسلها، وجيوشها المتخرجة، وسموم الدراسات العليا وفيروساتها، إنما هناك بلاوي كثيرة ومتأصلة؛ فالجامعات يكثر فيها "برفسور الدمج" الذي أنتجته مطاحن الاخوانيات والرشوة وعلاقات موائد الأكل والشرب، وطقطوقة الأحزاب وترشيحاتها الخفيّة. هناك كارثة في الترقيات لا مثيل لها.

أما بحوث الأساتذة، وما ينشر في مجلات "سكوباس" فهي نكتة من نكات آخر زمن. هناك كم كبير من البحوث تطبخ في الجامعات على نار سريعة الاشتعال يشبه الطبيخ العراقي المليء بالكلستور الضار، والسمن الحيواني المهدرج.

مثلما أعرف أن هناك ضغط من الوزارة على الأساتذة بهدف الدخول إلى التصنيفات العالمية رغم إن الإنفاق على البحث العلمي لا يساوي برميل نفط واحد مهرّب. فلا يهم جودة البحث، ولا المجلة التي ينشر بها، سواء كانت من صنف (التأثير المنخفض) أو المجلات الزائفة والمفترسة والتي لا يهتم أحد بمحتوياتها، أو حتى الاطلاع عليها، المهم أنها مفهرسة في سكوبس!

وظاهرة "السكوبس" هي بدعة تم اختراعها لأسباب مختلفة، سأتطرق لها في مقالات قادمة، لكنها أصبحت فرصة نادرة للباحث الفاشل في اختراق عالم البحث من أبوابه السرية؛ أعرف عمداء وأساتذة "أسماءهم بالحصاد ومناجلهم مكسورة"، بمعنى يضعون أسماءهم على البحوث المنشورة لقاء أجر مادي أو رجاء أخوي أو ضغط وظيفي لزج أسماءهم مع الباحث الأصلي.

أما المناصب الإدارية العليا والمؤتمرات العلمية وشهادات التقدير التي توزع بالمجان على من "هب ودّب" فهي تستحق وقفات؛ المنصب الجامعي مصاب بفيروس المحاصصة الطائفية، فتجد الجاهل يتسيّد على العالم أو على أستاذه. وترى المؤتمرات العلمية مجرد حدوتات مجتّرة، وبيانات صحفية ودعائية، وبرتوكولات مجاملة، مثلما أصبحت تجارة رائجة لكسب المال الحرام، توزع فيها الشهادات التقديرية التي أصبحت أرخص من سعر قدح شاي في مقهى شعبي على الطريق!

الجملة الأخيرة، أنا هنا لا أعمم، ولكن أقوم بتوصيف ظاهرة باتت كارثية، سيتفق معي زملاء الوزن الثقيل في العلم، وينزعج منها الطارئ على العلم، لكنني ما زلت مصراً على أن التعليم الجامعي يعيش أسوء أيامه، وهو تحصيل حاصل لسلطة تكره العلم، بلد ينتج تعليم "اكسباير" غير صالح أن يكون في البطون، فكيف يراد له أن يستوطن في عقول البشر!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق