ليس من السهل على الأستاذ الجامعي أن يكره وظيفته، فهي من الوظائف النخبوية إذا تحدثنا عن آثارها الاجتماعية وطبيعة العلاقات التي تنبثق منها، وهي مجزية في الجوانب المالية، كما أنها تعطي الأستاذ سلطة توجيهية لطلابه أولاً ولأهل الاختصاص ثانياً، وللمجتمع والقوى الحاكمة ثالثاً.

ليس هذا فحسب، فالعمل في مهنة التدريس الجامعي حلم يراود نسبة كبيرة من حملة الشهادات العليا، ينفقون وقتهم وجهدهم وأموالهم في سبيل بلوغ هذه الغاية، ويضحون بالراحة والوظائف السهلة أملاً في الوصول إلى منصة الأستاذ الجامعي والوقوف أمام الطلبة.

بصورة عامة، وظيفة الأستاذ الجامعي من أكثر الوظائف المطلوبة من قبل حملة الشهادات العليا، حتى أن الحصول على الشهادة العليا أرتبط بكونه الطريق المؤدي إلى التدريس في الجامعات.

لكن لو أجريت استطلاعاً مع عدد من أساتذة الجامعات، سوف تجد نسبة ليست بسيطة من الذين يتمنون لو أنهم اختاروا مهنة أخرى غير العمل في التدريس الجامعي، وبعضهم مستعد للتخلي عن مكانته الحالية.

أسباب عدة تقف خلف كراهية الأستاذ الجامعي لوظيفته، بعضها استقيتها من تجربتي في هذا المجال وأخرى من زملائي التدريسيين باختلاف خبراتهم وهي كالآتي:

أولاً: الشهادة مقابل المال

لم يعد الأمر خافياً على أحد، التعليم الجامعي خاضع لسلطة المال الذي يملكه الطالب، تتضح عملية تحصيل الشهادة الجامعية مقابل المال في الجامعات والكليات الأهلية، والحديث ليس تهمة بلا دليل، لقد تم إلغاء معدل القبول في عدد كبير من الكليات وصار مجرد العبور من مرحلة الإعدادية كفيلاً بالدخول إلى الجامعة.

لك أن تتصور الطالب الذي يقل معدله عن 54%، ليقبل في الجامعة، هذا الطالب لم يحصل على درجة واحدة أكثر من 60 من 100، سيء في اللغة العربية، وميت في اللغة الانجليزية، ورغم كل شيء سوف تجده على مقاعد الجامعة.

كيف ينجح في الاختبارات الجامعية؟

طرق العبور إلى المرحلة التالية كثيرة، منها الامتحانات الإلكترونية التي صارت مرادفاً للغش الإلكتروني الرسمي، وكذلك الغش داخل القاعة في الامتحانات الصفية، وإذا فشل الطالب في كل هذه الوسائل تأتي وزارة التعليم لتعطي دوراً ثانياً وثالثاً وحتى رابعاً في بعض الأحيان.

بقي أن نذكر ضغوطات الإدارة في الجامعات الأهلية بطرق غير مباشرة على الأستاذ الجامعي ليكون متساهلاً مع الطلبة، فالطالب يمثل الجانب الرابح للجامعة لكونه يعطيهم المال، بينما الأستاذ هو الجانب الخاسر لكونه يأخذ المال من الجامعة.

ثانياً: انفصال الإدارة الجامعية عن الأستاذ

لا غرابة في أن يتم تعيين أحد التدريسيين في منصب عميد لكلية حكومية أو أهلية، ثم يعرقل هذا التعيين، ويستبدل التدريسي بآخر، والسبب أن التدريسي المستبعد لم يرشح من قبل أحد الأحزاب المتنفذة بينما التدريسي الآخر له حزب يقف خلفه.

النوع الثاني يكون أقرب إلى الحزب منه إلى الكادر التدريسي، فهو يستمد قوته من حزبه لا من الكادر، وقد لا يأبه بالمشكلات التي تتعرض له الجامعة والكلية.

ثالثاً: السلطة مقابل الشهادة

إذا كان المال وسيلة لتحصيل الشهادة الجامعية كما شرحنا في النقطة الأولى، فالسلطة والانتماء للأحزاب قد تجلب الشهادة لطالبها حتى بدون حضور أقل من نصف المحاضرات طوال السنة الدراسية.

يتحدث أحد الأساتذة عن تجربته الشخصية مع طالب متحزب، قدم عرضاً سخياً للأستاذ مقابل نجاحه في المادة التي يدرسها الأستاذ، رفض الأستاذ هذا العرض، فذهب الطالب إلى جامعة أخرى وجلب شهادة البكالوريوس، وهو يدرس الآن الماجستير خارج العراق في دولة توزع الشهادات العليا لمن يرغب.

يتحسر الأستاذ على ما جرى له من إهانة، حيث يتوقع انضمام هذا الطالب السيء إلى الكادر التدريسي في نفس الكلية لا سيما وأنه ما يزال يبعث برسائل التحدي لأستاذه ويتوعد بأن يكون زميله في التدريس.

رابعاً: الشهادة حاجة كمالية اجتماعية

عندما كنت أدرس الدكتوراه في كلية الإعلام، سمعت أحد طلاب الدكتوراه يقول: "آه لو أحصل على الدال"، يقصد حرف الدال الذي يسبق اسم الشخص للدلالة على أنه حامل لشهادة الدكتوراه.

قلت له إن الدكتوراه مسؤولية كبيرة وتتطلب منك جهوداً مضاعفة لتقدم خدمة للعلم والمجتمع، وليس فقط حرف الدال كما تتصوره بهذه الطريقة.

لم يعجبه كلامي، واعتبرني من المثاليين الذين يحلمون بأشياء أكبر من حجمهم.

يتوفر من هذا النوع الكثير، فهم يقدسون حرف "الدال"، ويعتبرونه حاجة كمالية مثل أي شيء مادي آخر، كالسيارة الفارهة، أو الملابس المميزة.

وقد توضع بعض المعرقلات أمام الباحثين عن الشهادة باعتبارها حاجة كمالية، وقد ينجح بعض الأساتذة في خططهم، لكنهم يواجهون عبيد "الدال"، يحصلون عليها من جامعات خارج العراق، وبدون بذل الجهد.

هل تتذكرون آلاف الشهادات الجامعية المزيفة في لبنان والتي كشفت عنها وسائل الإعلام وأقرت بها وزارة التعليم قبل عدة أشهر، هذه واحدة من تلك الشهادات الكمالية.

لم يعد الدخول إلى الجامعة مطلباً بحد ذاته، وليست وسيلة لاكتساب المهارة من أجل دخول سوق العمل، الشهادة أصبحت مجرد ورقة تثبت أن صاحبها دخل الجامعة لمدة أربع سنوات واجتاز الاختبارات بأي طريقة كانت، سواء بالغش أو بالتساهلات التي تقدمها إدارة الجامعة، أو بالأدوار الثالثة والرابعة التي تفرضها وزارة التعليم، وما على الأستاذ إلا أن يتخذ موقف المتفرج على الانتهاكات التي تحدث أمامه.

اضف تعليق