تعتمد الشعوب في سُلم تطورها ورقيها في مناحي الحياة المختلفة على مدى تطور النظام التربوي والتعليمي لدى هذه الشعوب، ولذلك فقد أولت المجتمعات التي وصلت الى مراحل متقدمة من هذا التطور حقل التربية والتعليم أهمية خاصة، من أجل تنشئة الأجبال الجديدة تنشئة سليمة، على وفق القيم والأعراف الاجتماعية والثقافية التي تشكل الطابع المميز لحضاراتها، ولتحقيق أهدافها الاستراتيجية المرسومة، من خلال أنظمتها التعليمية وما تقدمه من مواد وبرامج ونشاطات تربوية منظمة تهدف الى بناء الإنسان الجديد المتطور والقادر على التكيف مع الظروف والمواقف المختلفة، والتمكن من مواجهة تحديات العصر.

ان الحديث عن إصلاح النظام التربوي والتعليمي في العراق يجب ان ينطلق من فلسفة تربوية متميزة، واستراتيجية واضحة المعالم، تعتمد على مجموعة من الدراسات والبحوث العلمية المتخصصة، تأخذ بعين الاعتبار المراحل التاريخية لمنظومة التربية والتعليم وما رافق ذلك من تحولات في السياسة التعليمية التي شهدتها البلاد.

ومن المعروف ان أي عملية إصلاح لا بد أن تستند الى أسس ومبادئ محددة حتى تأتي بالنتائج التي وضعت من أجلها تلك الأسس والمبادئ. وإذا كان ثمة أولويات إصلاحية تسبق غيرها فلا نعتقد من هو أكثر أولوية وأهمية من قطاع التربية والتعليم ، على اعتبار ان إصلاح النظام التربوي يمثل نقطة الإرتكاز لأي بناء متوقع حصوله في البلاد، بالإضافة الى ما يمثله هذا المــُرفق الحيوي من أهمية قصوى على مستوى الفرد والمجتمع، وفي تهيئة البنى التحتية لحاضر ومستقبل البلاد عموماً، وايضاً حجم الدمار والخراب الهائل الذي لحقت بمنظومة التربية والتعليم على إمتداد العقود الأخيرة، بعد ان كان النظام التربوي والتعليمي في العراق يــُعد من أفضل النظم التربوية في المنطقة، وقد جاء ذلك لتظافر جملة عوامل أدت الى هذه النتيجة الحتمية، ولعل من ابرزها ذلك التراكم الحضاري والثقافي الذي ورثه العراق عبر تاريخه الموغل في القدم.

ما نريد التأكيد عليه هو ان أي تدهور أو انتكاسة يتعرض له النظام التربوي والتعليمي سوف ينعكس سلبا على جميع مرافق ومؤسسات الدولة وبالتالي التأثير السلبي على مستقبل البلاد وآفاق تطورها.

لهذا فان الخطوات الإصلاحية التي يجب ان تتخذ ان تكون على درجة كبيرة من التخطيط السليم والأهداف الواضحة ووفق رؤية فلسفية تربوية محددة. كما على النظام التربوي والتعليمي ان يأخذ على عاتقه تغيير بعض المفاهيم التربوية والثقافية والاجتماعية المغلوطة، وتأسيس قيم و تقاليد عملية لمفهوم الديمقراطية والحرية تنسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع، على ان يتم ذلك من خلال المؤسسات التعليمية، وكذلك إفساح المجال للنخب الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني كي تلعب دورا كبيراً في ترسيخ تلك القيم التي يفترض ان تبنى على أسس مغايرة إلى حدٍ كبير لما كان سائد من قيم العنف والعسكرة والتعسف، ومصادرة الآخر، والتي ساهمت الديكتاتورية وما تلى ذلك من فوضى في ترسيخ تلك المفاهيم المغلوطة في الذهنية والممارسة الحياتية للمواطن العراقي.

وعليه مطلوب مراجعة شاملة وباستمرار لمنظومة التربية والتعليم ورصدها ومحاولة التأثر الإيجابي فيها بعمق، وان توضع الآليات والخطط الواضحة للنهوض مجدداً بهذا المرفق الحيوي. لذا فان النظام التربوي والتعليمي الجديد، يجب ان يرتكز على قواعد تربوية معاصرة، تساير المتغيرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية، على اعتبار ان التربية وسيلة مهمة من وسائل تغيير المجتمع. ومن هنا تنبع أهمية تفاعل النظام التربوي والتعليمي مع بقية النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تتظافر فيما بينها في إطار سعي المجتمع لتحقيق أهداف تنموية شاملة. وهذا الأمر بالتأكيد ليس مسؤولية قياديي التربية والتعليم فحسب، بل هي مسؤولية وطنية تضامنية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق