أمر مفرح أن تزداد أعداد الحاصلين على الشهادات العليا في بلادنا، لكن المحزن ألا تستثمر هذه الطاقات في عمليات التنمية الوطنية، هذا اذا كانت لدينا تنمية، ويُسعد المجتمع باتساع التعليم العالي عاما بعد آخر، لكنه يحبط بانخفاض جودة المخرجات، السعادة كل السعادة تنتابني عند حصول سائق او حارس على شهادة عليا بعد مواصلة دراسته رغم الانقطاع، لكن التعاسة كل التعاسة عندما لا أرى في هذا الشخص سوى الشهادة، اما العقل فباق على حاله سائقا كان أم حارسا.

لست مبالغا اذا قلت ان المجتمع صار بمواجهة ظواهر وليست حالات من الذين يتعذر عليهم كتابة صفحة واحدة سليمة من ناحية اللغة والانشاء، ولاسيما في مراحل الدراسة الجامعية الأولية، وبنسبة أقل على مستوى أصحاب الشهادات العليا، والذي لا يصدق فليجر اختبارا. ومن المؤكد ان المسؤولية لا تقع على طرف من دون آخر، فوزارتا التربية والتعليم العالي مسؤولتان عن هذه الكوارث.

الحقيقة التي يفترض الاعتراف بها والتي يتجنب التصريح بها كثيرون تحسبا من ان تطولهم بسببها بعض الأضرار الشخصية هي ان تراجعا مؤلماً في منظومة التربية والتعليم حدثت في بلادنا على مستويات التعليم المختلفة، وهذا التراجع ليس وليد السنوات الأخيرة، بل هو حصيلة عقود من السياسات التعليمية الفاشلة، ومع ان الجهات المعنية تدرك ذلك تماما، لكنها لم تتمكن من التصدي له لاعتبارات شتى منها ما يقع خارج حدود امكانياتها كتدخل العامل السياسي المباشر او غير المباشر.

وقيل مرارا ان المؤسسات ذات الثمار الآجلة في العراق لا تحظى بعناية السياسيين، وان ما يقلقهم هي المؤسسات ذات الثمار العاجلة، لذلك لم نلحظ عناية جادة ومسؤولة بالتعليم بقدر الاهتمام الذي تحظى به قطاعات اخرى، وترك التعليم سائبا، وجرت ادارته بطريقة عشوائية، ومن اناس غير أكفاء، يشغل بالهم الثبات في المناصب أكثر مما تشغلهم رسالة التعليم التي يفترض القيام بها بضمير وطني.

والآن وبعد عقود نضجت الثمار، وقليلها كان لذيذا وكثيرها كان متعفنا، لكن المسؤولين عن زراعتها رحل الكثير منهم عن صنع القرار، ولا نعرف من نحاسب عن ثمار كنا نعلق الآمال عليها . وصرنا اليوم بمواجهة ظاهرة أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل الذين يتعذر على الدولة توظيفهم، وازاء هذه الظاهرة أسئلة كثيرة تُطرح أولها كيف أصبح لدينا هذا الفائض بالرغم من اتساع الاستحداثات على مستوى الجامعات والكليات والاقسام الحكومية والأهلية، فضلا عن الوزارات الاخرى؟ أليس هناك جهات معنية بالتخطيط مهمتها التعرف الى الحاجة الراهنة والمستقبلية للاختصاصات العلمية وأعدادها؟

وان مخرجات وزارة التعليم العالي بضمنها الدارسون خارج العراق يفترض ان تكون متوافقة مع ما حددته الجهات المخططة، وثانيا أليس من أبرز وظائف الدولة هي خلق فرص عمل للجميع وفي مقدمتهم أصحاب الشهادات العليا بوصفهم كفاءات علمية تقتضي الضرورة استثمارها ؟. واذا كانت البلاد ليست بحاجة لهؤلاء، لِمَ التوسع في الدراسات العليا، ولِمَ الموافقة على آلاف الدارسين خارج العراق؟ ولاسيما ان هذا التوسع يأكل من جرف النوع، وستكون الطامة أكبر عندما يسمح للتعليم الجامعي الأهلي باستحداث دراسات عليا كما نسمع عن ذلك بين الحين والآخر.

نعم الدولة غير مسؤولة عن توظيف الجميع في دوائرها، لكنها معنية بالتفكير في الكيفيات التي من شأنها تفعيل حركة الاقتصاد وانتشالها من حالة الركود التي هي فيها لكي نتمكن من استيعاب الطاقات الشبابية على اختلاف تحصيلها الدراسي، بدلا من اللجوء الى قمع التظاهرات التي تؤشر المسارات الخاطئة التي تمضي البلاد على وفقها، فلن ينفع رش الماء ساخنا كان ام باردا في معالجة ظواهر سلبية تتضخم باستمرار، ذلك ان الحلول تكمن في مواجهة الحقائق وليس في الهروب منها، وأول هذه الحقائق ان العراق بلد ناشئ وبحاجة الى طاقات تفوق ما يتوفر لديه من شباب، وأجزم بأنه يحتاج الى استقدام أيد عاملة من خارج البلاد إذا باشرت الحكومة بخطط تنموية حقيقية، وعند ذاك سننثر باقات الورد على من يصفون أنفسهم ببناة العراق الذي نريد له أن يكون جديدا.

.........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق