اقتصاد - تقارير اقتصادية

إتباع إيقاع أمنا الأرض

اكتساب الدروس من النظم الغذائية للشعوب الأصلية ومن احترامها للطبيعة

نجحت النظم الغذائية للشعوب الأصلية في الصمود لقرون من الزمن، فولدت تنوعًا غذائيًا مدهشًا من دون أن تستنزف قاعدة الموارد الطبيعية للنظم الإيكولوجية المحيطة بها.

إن اتباع الدورات الطبيعية لتوليد الغذاء واستهلاكه من الخصائص التي تجعل النظم الغذائية للشعوب الأصلية من أكثر النظم استدامة حول العالم.

إن خرير المياه العذبة لنهر الأمازون صوت عزيز على آذان الشعوب الأصلية لمحمية ريسغواردو الواقعة في بلدة بويرتو نارينيو جنوبي كولومبيا. ويمثل هذا المجرى المائي السبيل الوحيد لبلوغ ضفاف الأنهر والبحيرات والسهول الفيضية ومناطق البر الرئيسي التي تربط المجتمعات الـ 22 حيث تعيش شعوب التيكونا والكوكاما والياغوا.

ومن أجل الحصول على الغذاء بحسب كل موسم، تقوم شعوب التيكونا والكوكاما والياغوا بالجمع بين ممارساتها المختلفة، مثل صيد السمك وصيد الطرائد والزراعة بحسب طريقة "الشاغرا"، وهي عبارة عن نظام إنتاج منوع متوارث عن الأسلاف تزرع بموجبه أنواع سنوية ودائمة من النبات وتقطع الأشجار وتحرق بصورة انتقائية من أجل نسخ التعاقب الصحي للغابات.

وعلى غرار الأوتار الموسيقية، تترابط جميع الأنشطة هذه في ما بينها حيث لكل منها زمان ومكان يحترمان دورات الفيضانات مع مواسم المد والجزر المرتبطة بها. وتحدد تلك المواسم وتيرة الأمور. فتحلّ الفيضانات أولاً مجددةً موارد النظام الإيكولوجي للسهول. فتتناسل الأسماك وتتغذى وتخصّب التربة. وبعد ذلك يُمارس صيد الأسماك في المياه المنخفضة بعد أن تصبح أعداد الأسماك وافرة فيها. وفي النهاية، حين تغدو المياه شحيحة، بعد أن تكون التربة قد تخصّبت بالمواد العضوية، تصبح الزراعة وصيد الطرائد الوسيلتين الرئيسيتين لإنتاج الغذاء.

إيقاع الزراعة المتنقلة

ولتوليد الغذاء إيقاعه الخاص أيضًا. فمثل شعوب التيكونا والكوكاما والياغوا في منطقة الأمازون، يمارس شعب الخاسي في الهيمالايا الهندية نظامًا زراعيًا دورًيا متنقلاً يعرف بالـ"جوم" وهو يتبع إيقاعه الخاص. فكل سنة تُترك الحقول القديمة لترتاح مدةً تتراوح بين 7 و10 سنوات فيما تتم تهيئة قطعة أرض جديدة لزراعتها. ويساعد تعاقب الحقول على صون خصوبة التربة. وحقول الـ"جوم" من الممارسات التقليدية الشائعة لدى الشعوب الأصلية لآسيا، وهي مُنتجة بشكل لافت حيث يمكنها توليد أكثر من 60 نوعًا من المحاصيل.

ويسكن هذا الشعب منطقة تلال الخاسي في ميغالايا، الهند، وهي من المناطق التي يتساقط فيها أعلى منسوب من الأمطار في العالم. والخاسي مجتمع أمومي تعود أصوله إلى آلاف السنين وقد كيّف هو أيضًا ممارسات إدارته للأراضي بحسب المواسم، فيولّد أفراده أغذية مغذية وسبلا لكسب العيش، ليس فقط للمجتمع بأسره ولكن لصالح الأجيال المستقبلية كذلك.

كما أن شعب الإيناري سامي في المنطقة القطبية لفنلندا الشمالية يعمل على اتباع دورات الطبيعة. فهذا الشعب المؤلف من رعاة الرنات وصيادي الأسماك وصيادي الطرائد وجامعي الثمار ينتقل من الغابات شتاءً إلى المناطق العديمة الأشجار صيفًا، في خطى الرنات التي تشكل المصدر الأولي للغذاء والمعيشة بالنسبة إليه.

ويعدّ اتباع الدورات الطبيعية من أجل توليد الغذاء واستهلاكه من الخصائص التي تجعل النظم الغذائية للشعوب الأصلية من أكثر النظم استدامةً في العالم، إذ تعمل بالتماشي مع أمنا الأرض وتسمح لهذه الأخيرة بإملاء الإيقاع المطلوب. وإن هذا الاحترام للدورات الطبيعية أساسيّ لصون التنوع البيولوجي وإدارة النظم الإيكولوجية وضمان أنماط غذائية متنوعة ومغذية وصحية.

من خلال تقديم معارف مجربة عبر الزمن وممارسات صديقة بيئيًا يمكن للشعوب الأصلية أن تؤدي دورًا ملحوظًا في تحويل النظم الغذائية العالمية، ما يجعل تلك النظم أكثر استدامة واحترامًا للطبيعة.

ممارسات مجرّبة

تمكنت النظم الغذائية للشعوب الأصلية من الصمود طيلة قرون من الزمن، مولّدة تنوعًا غذائيًا مدهشًا من دون أن تستنزف قاعدة الموارد الطبيعية للنظم الإيكولوجية المحيطة بها. وما هو سبب ذلك؟ لأن الشعوب الأصلية تفهم أنه لا يمكن الفصل بين البشر وبين الطبيعة. بل إن البشر يعيشون في تناغم مع أمنا الأرض، حيث يحظى البشر وغير البشر بالقدر نفسه من الاحترام.

وإن هذا الاحترام للموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي يخلق قدرة على الصمود تمثل عنصرًا رئيسيًا في نظمها الغذائية. وإن تضامن تلك الشعوب وآلياتهم لتقاسم الغذاء القائمة على المعاملة بالمثل، والتنوع البيولوجي الغني الموجود في أراضيها، تشكل جميعها شبكات أمان هامة تصون المحاصيل وإمدادات من الأغذية البرية التي لها أهميتها الخاصة خلال المواسم العجاف أو خلال فترات شح الأغذية.

وتؤدي لغات الشعوب الأصلية أيضًا دورًا أساسيًا في قدرة نظمها الغذائية على الصمود. فإن حوالي 4000 من أصل اللغات الـ 6700 المحكية حاليًا في العالم هي لغات لشعوب أصلية وتزخر بكلمات متصلة بتوليد الأغذية وبالممارسات التقليدية. فعلى سبيل المثال، يشتهر شعب الباكا في الكاميرون بالأسماء وبالمعارف التي تخص أكثر من 500 نبتة للغايات الطبية والمادية والروحية، فيما أن لشعب الخاسي في الهند تعابير خاصة لتحديد جودة التربة. وحين تبدأ لغة شعب أصلي بالتدهور، لا تلبث أن تنحط معها المعارف التقليدية للجماعة المعنية ما يحمل أعضاء هذه الأخيرة على نسيان أسماء النباتات والأعشاب وحتى نسيان ممارساتهم في نهاية المطاف.

وإن هذه الكمية الكبيرة من المعارف التي تراكمت جيلاً بعد جيل والفهم العميق للعلاقات بين العناصر في النظام الإيكولوجي يضمنان حماية الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي لتلك الشعوب في الأراضي الموروثة عن أسلافها.

وإن النظم الغذائية للشعوب الأصلية، التي تعتبر من النظم الأكثر استدامة وقدرة على الصمود في العالم، تمثل مستقبل الغذاء. فبوسعها أداء دور هام في تحويل النظم الغذائية إذ تجعلها أكثر استدامةً واحترامًا للطبيعة. ولهذا السبب رفعت الشعوب الأصلية صوتها في مؤتمر ما قبل قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية مطالبًة باعتبار نظمها الغذائية كحل كفيل بتغيير قواعد اللعبة.

واليوم إذ يبحث العالم في سبل لجعل نظمنا الغذائية أكثر مسؤولية وأكثر ملاءمة للمستقبل، تقف الشعوب الأصلية متأهبة لمشاركة معارفها في مجال الاستدامة والقدرة على الصمود، ناهيك عن مشاركة سرها الكبير: أي كيفية اتباع إيقاع أمنا الأرض.

إجابات حول انعدام الأمن الغذائي وتغير المناخ

السكان الأصليون هم حماة الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي والأغذية المحلية المغذية، وهم شركاء رئيسيون في إيجاد الحلول لتغير المناخ وإعادة تشكيل أنظمتنا الغذائية.

رغم أن الشعوب الأصلية تشكل 6 في المائة فقط من سكان في العالم، فإنهم يعتبرون حماة أساسيون للبيئة. وتدير الشعوب الأصلية والأسر وأصحاب الحيازات الصغيرة والمجتمعات المحلية 28 في المائة من مساحة اليابسة في العالم، بما في ذلك بعض مناطق الغابات الأكثر تنوعاً بيئياً وبيولوجياً. وهذه الغابات ضرورية للحد من انبعاثات الغاز والحفاظ على التنوع البيولوجي. كما أن الأغذية الأصلية مغذية بشكل كبير، والنظم الغذائية المتصلة بها تتميز بقدر كبير من القدرة على الصمود والتكيف مع البيئة.

ويمكن أن تعلمنا طرق حياة الشعوب الأصلية وسبل عيشها الكثير عن الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتوفير الأغذية وتنميتها بطرق مستدامة، والعيش في وئام مع الطبيعة. ومن المهم بمكان حشد الخبرات المستمدة من هذا التراث الإنساني والإرث التاريخي للتصدي للتحديات التي تواجه الغذاء والزراعة اليوم وفي المستقبل.

فيما يلي 5 من الطرق العديدة التي تساعد بها الشعوب الأصلية العالم في مكافحة تغير المناخ:

1- الممارسات الزراعية التقليدية تتكيف بشكل أفضل مع المناخ المتغير

على مر القرون، طورت الشعوب الأصلية تقنيات زراعية تتكيف مع البيئات القاسية، مثل الارتفاعات العالية لجبال الأنديز أو الأراضي الجافة في كينيا. وتناسب تقنياتهم التي تم اختبارها عبر الزمن، مثل تقنية المدرجات لمنع تآكل التربة أو الحدائق العائمة للاستفادة من الحقول التي غمرتها الفيضانات، بشكل جيد الأحوال المناخية المتطرفة المتزايدة وتغيرات درجات الحرارة الناجمة عن تغير المناخ.

2- الحفاظ على الغابات والموارد الطبيعية واستعادتها

تعتبر الشعوب الأصلية نفسها مرتبطة بالطبيعة وجزءاً من نفس النظام كالبيئة التي يعيشون فيها.

لقد كيّفوا أساليب حياتهم لتناسب بيئاتهم وتحترمها. ففي الجبال، تحافظ نظم إدارة الأراضي للشعوب الأصلية على التربة وتحد من تآكلها وتحفظ المياه وتقلل من أخطار الكوارث. وفي السهول، تدير المجتمعات الرعوية الأصلية رعي الماشية والزراعة بطرق مستدامة تحافظ على التنوع البيولوجي. وفي الأمازون، يتحسن التنوع البيولوجي للنظم الإيكولوجية عندما يستوطنها السكان الأصليون.

3- الأغذية والتقاليد الخاصة يمكن أن تساعد في توسيع وتنويع النظم الغذائية

يعتمد العالم حالياً بشكل كبير على مجموعة صغيرة من المحاصيل الأساسية. وتوفر خمسة محاصيل فقط، تتكون من الأرز والقمح والذرة والدخن والذرة الرفيعة، حوالي 50 في المائة من احتياجاتنا من الطاقة الغذائية. ويمكن للنظم الغذائية للشعوب الأصلية الغنية بالمحاصيل المحلية المغذية مثل الكينوا والأوكا أن تساعد بقية البشرية في توسيع قاعدتها الغذائية الضيقة لتشمل الأعشاب والشجيرات والحبوب والفواكه والحيوانات والأسماك التي قد لا تكون معروفة أو مستخدمة بشكل جيد في أجزاء أخرى من العالم.

4- زراعة المحاصيل الأصلية الأكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ

لأن العديد من الشعوب الأصلية تعيش في بيئات قاسية، وقع اختيارها على المحاصيل التي تكيفت أيضا مع مثل هذه الظروف. وغالباً ما تزرع الشعوب الأصلية أنواعاً مختلفة من المحاصيل المحلية والعديد من الأصناف التي تتكيف بشكل أفضل مع الظروف المحلية والتي غالباً ما تكون أكثر قدرة على التكيف مع الجفاف أو الارتفاعات أو الفيضانات أو غيرها من الظروف القاسية. وتُستخدم هذه المحاصيل على نطاق أوسع في الزراعة، ويمكن أن تساعد المزارع التي تواجه الآن مناخاً متغيراً أكثر حدة في بناء قدرتها على التكيف.

على مر القرون، طورت الشعوب الأصلية تقنيات زراعية تتكيف مع البيئات القاسية. وتناسب التقنيات التي اختاروها عبر الزمن، مثل المدرجات، بشكل جيد الأحوال المناخية المتطرفة المتزايدة وتغيرات درجات الحرارة الناجمة عن تغير المناخ.

5- الإشراف على جزء كبير من التنوع البيولوجي في العالم

تغطي الأراضي الأصلية التقليدية 28 في المائة من مساحة اليابسة في العالم، ولكنها تتضمن 80 في المائة من التنوع البيولوجي للكوكب. والحفاظ على التنوع البيولوجي ضروري لتحقيق الأمن الغذائي والتغذوي. ويتواجد المجمع الوراثي للنباتات والأنواع الحيوانية في جميع المناطق الأحيائية على اليابسة، وكذلك الأنهار والبحيرات والمناطق البحرية. وتحافظ الشعوب الأصلية التي تحيا حياة طبيعية مستدامة على هذه المساحات، مما يساعد في الحفاظ على التنوع البيولوجي للنباتات والحيوانات في الطبيعة.

وتعتبر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن الشعوب الأصلية شريكة قيّمة جداً في تقديم الحلول لتغير المناخ وإقامة #عالم_خال_من_الجوع . لن نقدم أبدًا حلولًا طويلة الأجل لتغير المناخ والأمن الغذائي والتغذوي دون طلب المساعدة من الشعوب الأصلية وحماية حقوقها.

http://www.fao.org

اضف تعليق