تُبنى الدول في وقتنا الحاضر على أسس وقطاعات عدة، من أهمها القطاع الاقتصادي، وتدخل في هذا الإطار قيمة العملة المحلية للبلد وقوتها تجاه عملات الدول الأخرى، وبما أن عملة الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تهيمن على عملات باقي الدول واقتصادياتها، فإن الاقتصاد العراقي وعملته المحلية (الدينار العراقي) لابد أن يتأثرا بأي رفع أو خفض لأسعار صرف الدولار، وهذا الأمر يتطلب معرفة مدى تأثير ذلك على طبقات المجتمع كافة، لاسيما الفقيرة منها.

إن الطبقة الغنية صاحبة الرواتب العالية والمشاريع الاقتصادية الكثيرة يكون التأثير عليها بنسبة قليلة، بينما الطبقة المتوسطة صاحبة الرواتب المعقولة تتأثر بنسبة أعلى من الطبقة الموسّرة، ولكن أفراد الطبقة الكادحة صاحبة الدخول اليومية (العمال والكسبة) هم المتأثر الأكبر والأكثر ضررا من غيرهم.

وبما أن العراق بلد ريعي يعتمد على مورد واحد لاقتصاده وهو النفط، فأن كل السلع الأخرى تكون مستورة ومنافسة للسلع المحلية بصورة كبيرة، حتى أنها أدت إلى إغلاق العديد من المصانع المحلية وإيقاف الإنتاج الوطني، ومع صعود سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي فلابد أن ترتفع أسعار المواد الاستهلاكية من قبل التجار ومنافذ البيع المختلفة، فأصبح فرق السعر وغلاء المواد حملا يثقل كاهل المواطن ذا الدخل البسيط.

في العراق هناك واحد من كل خمسة مواطنين يقع تحت خط الفقر بحسب دراسة متخصصة، وهذه النسبة كانت قبل تطبيق قرار رفع صرف الدولار، أما الآن فإن النسبة زادت وأدى ذلك إلى زيادة الجرائم ومحاولات السرقة، وعليه يجب على الدولة أن تضع خططا حقيقة وأساليب مقنعة من اجل تغيير أوضاع الفقراء، ومساعدتهم للحصول على حياة كريمة يستحقها أي إنسان على هذا الكوكب.

لغرض معرفة تداعيات رفع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي على الطبقة الفقيرة، أشركنا مجموعة من الكتّاب والأكاديميين في هذا الاستطلاع، ووجهنا لهم السؤال التالي:

- ما هي تداعيات ارتفاع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي على الطبقة الكادحة من ذوي الدخل المحدود، وما سبل تدارك مخاطر هذا الإجراء؟

أجابنا الدكتور حيدر حسين ال طعمة/ كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة كربلاء المقدسة بالقول:

ولّد رفع سعر صرف الدولار تكاليف اقتصادية واجتماعية متعددة اهمها فقدان الاستقرار النقدي والمضاربة على الدينار وضعف البيئة الحاضنة للاستثمار، فضلا على تراجع معدلات الطلب الكلي وتعميق الركود الاقتصادي القائم نتيجة تداعيات جائحة كورونا. كما ان ارتفاع سعر صرف الدولار في بلد كالعراق يعتمد على الاستيراد في تغذية الطلب المحلي على مختلف انواع السلع والخدمات قد ولد ضغوطا تضخمية خفضت الدخول الحقيقية للطبقات الوسطى والفقيرة، خصوصا مع ضعف الرقابة الحكومية على التجار والموردين لمختلف انواع السلع المستوردة الى الاسواق العراقية.

كل ذلك يحتم على البنك المركزي العراقي الوفاء بوعوده عبر سياسات اجرائية صارمة واغراق السوق بالدولار لأجل تحقيق تقارب مستدام بين السعر الرسمي والسعر السوقي وضمان الاستقرار النقدي والاقتصادي والحد من نشاط المصارف وشركات الصيرفة، غير المشروع، في اسواق الصرف المحلية. كما ينبغي على الحكومة العراقية تفعيل نص المادة (16/ رابعا) من قانون الموازنة الاتحادية 2021 والقاضية بجباية الرسوم الكمركية على اساس ما تم بيعه من عملة اجنبية من خلال نافذة العملة الاجنبية من اجل الحد من مبيعات الدولار لأغراض المضاربة وتقليص الطلب على الدولار والمحافظة على الاحتياطي الاجنبي من جهة، وتعظيم الايرادات الكمركية نتيجة ربط الرسوم الكمركية بمشتريات التجار من الدولار من جهة اخرى.

الأستاذ الأكاديمي حامد عبد الحسين الجبوري أجابنا قائلا:

بدايةً لابُد من أن نضع في اذاهننا أن الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي بحكم اعتماده على النفط بنسبة كبيرة، ونظراً لاتصاف النفط بأنه صناعة كثيفة راس المال لا كثيفة العمل من جانب وهيمنة الدولة عليها بشكل خاص وعلى الاقتصاد العراقي بشكل عام، من جان ثانٍ، فإن انعدام فرص العمل وزيادة البطالة كانت هي النتيجة المُحتمة.

وما زاد الأمر سوءاً، هو جائحة كورونا حيث أدت إلى توقف الحركة وذلك لانعدام العلاج وسرعة انتقالها من شخص لآخر، مما دفع بالحكومة إلى فرض حظر التجوال لتخفيف من شدتها، هذا ما دفع إلى توقف النشاط الاقتصادي وزيادة البطالة مرةً أخرى.

إضافةً إلى ذلك، إن النفط يتصف بتذبذب أسعاره، وبسبب جائحة كورونا التي ضربت الاقتصاد العالمي انخفضت أسعار النفط ومن ثم إيراداته والايرادات العامة مع انخفاض بسيط في النفقات العامة لان الأخيرة تتسم بضعف المرونة باتجاه الانخفاض وذلك لرفض المجتمع تخفيض النفقات التي اعتاد عليها.

في ظل توقف النشاط الاقتصادي الذي يتسم بالضعف بالأساس بحكم اعتماده على النفط من جانب وانخفاض أسعار النفط من جانب آخر، ارتفع حجم العجز في الموازنة العامة مما دفع بالحكومة لرفع سعر الدولار أمام الدينار العراقي على أمل توفير الأموال اللازمة لتغطية العجز وتمشية الوضع المالي للدولة.

هذا القرار، رفع سعر الدولار؛ كما لا يخلو من آثار إيجابية على مستوى الأمد الطويل، لا يخلو من آثار سلبية على مستوى الأمد القصير، حيث أدى إلى انخفاض القوة الشرائية للمواطنين وارتفاع الأسعار وأكثر من تضرر بهذا القرار هم محدودي الدخل، إذ أصبحوا غير قادرين على شراء السلع والخدمات التي كانوا يقتنوها سابقاً وذلك بحكم ارتفاع الأسعار، مما يعني تخفيض مستوى الرفاهية التي كانوا يتمتعون بها.

وجدير بالذكر، أن محدودي الدخل لا يقتصرون على من هم خارج الدولة وقطاعها العام، إذ أن اغلب الموظفين هم من هذه الفئة، فارتفاع سعر الدولار يعني مزيد من المعاناة.

وفي إطار التخفيف من تلك المعاناة لابد أن تعمل الدولة على تقديم الاعانات المادية والنقدية لحين تجاوز آثار هذا القرار وتعافي الاقتصاد.

إذ أن رفع سعر دولار سيؤدي إلى تحريك النشاط الاقتصادي على مستوى الأمد المتوسط والطويل، لانه سيجعل الإنتاج أكثر جدوى بالنسبة لرجال الأعمال وهذا ما يؤدي إلى خلق الفرص وزيادة الطلب وانخفاض البطالة وتقليص حجم هذه الفئة.

الدكتور. ميثاق هاتف الفتلاوي/ كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة كربلاء المقدسة، قال:

ان الدول بالمجمل تعمل بشكل مستمر على تعظيم قيمة عملتها مقابل العملات الأخرى والهدف منها تحقيق الرفاهية الاقتصادية العامة الشعب وخصوصا الطبقة دون الوسطى من حيث القدرة الشرائية، وان خیار تخفيض العملة اخر حل ممكن تلجا له الدولة عندما تستنفذ كل السبل لتحسين الاقتصاد من خلال فسح المجال للسياحة وقدوم الوافدين وهذا الكلام للدول التي لا تملك خيرات كالعراق، أما بالعراق فان تخفيض قيمة العملة العراقية خطوة غير موفقة وحملت في طياتها زيادة معاناة الطبقات دون الوسطى باخل بل وحتى الطبقات الوسطى تأثرت بشكل كبير خصوصا ان ارتفاع الحاجيات الاساسية للمعيشة تكون بنسب تفوق نسبة التغيير بسعر العملة وهذا واضح اقتصاديا فضلا عن انخفاض الأنفاق لأهم فئة تدعم النشاط الاقتصادي الداخلي وهم الموظفين فعجلة الاقتصاد داخل البلد تعتم بنسبة كبيرة على ذوي الدخل الثابت بالإنفاق وتحريك السوق تجاه الانتعاش وتخفيض قدرتهم الشرائية يعني زيادة بمعاناة الطبقة الكادحة أي أن الطبقة الكادحة تلقت ضربة اقتصادية من عدة جهات بشكل مباشر من خلال تخفيض قيمة العملة وبشكل غير مباشر من خلال الروافد التي كانت تشكل جزء من زيادة دخلهم كالموظفين، علما أن نتائج تخفيض قيمة العملة سيمتد لفترة طويلة ويشمل تأثيره جميع مفاصل الحياة حتى الأمنية منها، أما عن سبل التخلص من مشاكل البلد الاقتصادية لتعزيز قيمة العملة من جديد فهي واضحة اذا ما توفرت حكومة فيها شرفاء وهو الاستثمار لكل شيء في البلد من الشمس لتوليد الطاقة بالصحراء الى استصلاح ملايين الدوانم للزراعة الى استثمار الأجواء العراقية والبرية كون العراق مرتكز للحركة الاقتصادية العالمية الى السياحة وهي رافد قوي جدا الى تنظيم العمل في القطاع الخاص ودعمه ليكون محور استثمار كل خيرات البلد بنفس وطني والاستفادة من الطاقات البشرية العراقية في ذلك كله.

الدكتور. قحطان حسين، أكاديمي وكاتب في السياسة والاقتصاد، أجاب:

ان رفع قيمة الدولار مقابل الدينار العراقي جاء كاجراء وقائي لمنع انهيار الاقتصاد العراقي ولتعظيم واردات الدولة بعد تعرض الاقتصاد العراقي الى صدمة انخفاض اسعار النفط وزيادة غير مدروسة لنفقات الدولة على القطاعات الاستهلاكية وشيوع الفساد في تحديد اوجه الإنفاق الحكومي العام.. واذا كان قرار رفع قيمة الدولار مقابل الدينار العراقي قد حصن الاقتصاد العراقي من الانهيار لكن في المقابل فأنه كان ذا اثر سلبي جدا على الوضع المعاشي للمواطن عموما والفقير بوجه خاص لان هذا القرار أفرز نتائج سلبية على القدرة الشرائية للمواطن بسبب ارتفاع اسعار المواد وخصوصا المستوردة كما إنه قد أربك سوق العمل وأثر سلبا على أصحاب المهن الحرة الذين يعتاشون من واردات أعمالهم اليومية البسيطة التي بدأت تعاني من تقلبات السوق.. واعتقد ان استمرار ارتفاع الاسعار الناتجة عن رفع قيمة الدولار مقابل انخفاض واردات الطبقة الفقيرة سيزيد من معاناتها وسيزيد من حجم الفوارق في المدخولات بين طبقة غنية واخرى فقيرة وهذا من شأنه إحداث خلل اجتماعي واضح ربما سيضع مجمل الاوضاع في العراق على حافة الخطر الكبير الذي قد يهدد الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.. لذلك يتوجب على الحكومة معالجة التداعيات السلبية لرفع قيمة الدولار على الوضع المعاشي خصوصا الفقراء.

اضف تعليق