أعد الصندوق صندوق النقد العربي دراسة بعنوان "التوترات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين: أسبابها وآثارها على الاقتصادات العربية". اهتمت الدراسة بالوقوف على أسباب التوترات التجارية ما بين البلدين وانعكاساتها الاقتصادية، وتداعياتها المتوقعة على الاقتصادات العربية.

أشارت الدراسة إلى أن التوترات التجارية التي نشبت بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وبعض شركائها التجاريين منذ عام 2018 قد تركت بصمات على الاقتصادات العربية نظراً لتنامي عولمة الاقتصادات العربية وزيادة مستويات انكشافها على الاقتصاد العالمي بشكل عام، وعلى كل من الاقتصاد الأمريكي والصيني بشكل خاص. كما أكدت الدراسة أنه بقدر ما تتركه تلك التوترات من تحديات أمام الدول العربية تتمثل بتباطؤ الاقتصاد العالمي فضلاً عن تباطؤ النمو في الاقتصادين الأمريكي والصيني نفسهما، والتقلبات في الأسواق المالية والسلعية، ما يمكن ان يؤثر على الصادرات العربية، فإنها قد تنطوي على فرص تتمثل في تحول جزءً من التجارة بين البلدين -أمريكا والصين- إلى شركائهما التجاريين ومن بينها الدول العربية، مما يستدعي من الدول العربية إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية والتجارية للتعامل الإيجابي مع تلك الآثار.

توقعت الدراسة التي أصدرها صندوق النقد العربي أن تنعكس الآثار غير المواتية للتوترات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على اقتصادات ثلاثة عشرة دولة عربية بصورة خاصة، بما يشمل: السعودية، والإمارات، وعُمان، وقطر، والكويت، والبحرين، والعراق، والجزائر، وليبيا، ومصر، والمغرب، والأردن، والسودان من خلال عدد من قنوات الانتقال التي تتمثل في قناة الطلب الخارجي، والأسعار العالمية للنفط، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.

آثاراً عالمية مبكرة

استهلت الدراسة بالإشارة إلى أن التوترات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تعد إحدى أهم عمليات التحول الكبرى في النظام التجاري العالمي، حيث سرعان ما أدت إلى تكريس حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي والتأثير سلباً على مناخ الأعمال وثقة الأسواق المالية، وهددت الانتعاش الذي كان متوقعاً في الاقتصاد العالمي خلال عام 2019، نظراً لثقل الاقتصادين الأمريكي والصيني في التجارة العالمية (قرابة 46 في المائة من التجارة العالمية معاً).

تحولات في المشهد التجاري العالمي

أشارت الدراسة إلى أن النظام التجاري العالمي يشهد منذ عقود تحولات عدة، أهمها الاتجاه إلى التعددية القطبية التجارية، والتغير الحاصل في الهيكل السلعي للتجارة العالمية، إضافة إلى التغير في السياسات التجارية لدول العالم. ذكرت الدراسة أن العالم قد عرف ثلاث موجات من السياسات التجارية تمثلت في: (1) الحمائية التجارية منذ ثلاثينات القرن الماضي، (2) تحرير التجارة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية لاسيما بعد تشكل مؤسسات بريتون وودز في عام 1944، وتنامي تأثير العولمة وبروز التكتلات الإقليمية، وتأسيس منظمة التجارة العالمية، (3) بروز الحمائية الجديدة خلال العقدين الماضيين في ظل تراجع الدعم الشعبي للعولمة.

عودة الحمائية التجارية

ذكرت الدراسة أن الحروب التجارية ليست بجديدة، بل تعود بواكيرها إلى ثلاثينات القرن الماضي حينما سنت الولايات المتحدة الأمريكية قانون الرسوم الجمركية في عام 1930 الذي انطوى على زيادة الرسوم الجمركية على نحو تسعمائة بنداً من الواردات الزراعية بمعدل تراوح بين 40 و48 في المائة، وقررت كندا والدول الأوروبية على إثره المعاملة بالمثل، مما عجل بحدوث أزمة الكساد الكبير، ومن ثم اشتعال فتيل الحرب العالمية الثانية في عام 1939. بيد أن وتائر الحمائية التجارية ازدادت بصورة ملموسة خلال العقدين الماضيين لاسيما مع تصاعد الخطاب ذو التوجه للمصالح الوطنية الضيقة.

مع مطلع عام 2018، دشنت الولايات المتحدة الأمريكية فصلاً جديداً من التوترات التجارية حينما أعلنت سياستها الرامية إلى فرض رسوم جمركية على الواردات من الصين -إضافة إلى سائر الشركاء التجاريين كالاتحاد الأوروبي والمكسيك وكندا- التي بلغت قيمتها 283 مليار دولار بزيادة الرسوم الجمركية لتصل إلى ما يتراوح بين 10 و50 في المائة، لتقوم تلك الدول برفع متبادل للرسوم الجمركية على واردات أمريكية بلغت قيمتها نحو121 مليار دولار. في أعقاب ذلك قررت الولايات المتحدة الأمريكية في شهر مارس من عام 2018 فرض رسوماً جمركية بمعدل 25 في المائة على الفولاذ (ما قيمته 50 مليار دولار)، و10 في المائة على الألمنيوم المستوردين من الصين. في المقابل، أعلنت الصين عن ردها بفرض رسوماً مقابلة على وارداتها من أمريكا.

أسباب اقتصادية وغير اقتصادية

نوهت الدراسة إلى أن للتوترات التجارية الأمريكية-الصينية مقاربات اقتصادية وغير اقتصادية متداخلة. يأتي في مقدمة الأسباب الاقتصادية، تنامي العجز التجاري الأمريكي مع الصين الذي بلغ 378.6 مليار دولار في عام 2018، بما يشكل 65 في المائة من إجمالي العجز التجاري الأمريكي. كذلك تتهم الولايات المتحدة الأمريكية بكين بتبنيها مزيجاً من السياسات التجارية، والصناعية، والنقدية، التي تعزز القدرة التنافسية للمنتجات الصينية في الأسواق الأمريكية (والعالمية)، من قبيل التحكم بالعملة المحلية (اليوان)، وممارستها سياسات حمائية -كالإعانات والدعم المالي المقدم للمصدرين المحليين- والتجسس الصناعي، وسرقة حقوق الملكية الفكرية، والنقل القسري للتقنية، وغيرها.

أما الأسباب غير الاقتصادية فتتمثل بتصاعد التوجه الأمريكي للمصالح الوطنية الضيقة من خلال رفع شعار "أمريكا أولاً" (America First). تراهن الولايات المتحدة الأمريكية في نزاعها التجاري مع الصين على عدم قدرة هذه الأخيرة على الصمود إزاء العقبات الجمركية وغير الجمركية نظراً لاعتمادية الصادرات الصينية على الأسواق الأمريكية، الأمر الذي ستضطر (الصين) في ضوئه إلى الجلوس على طاولة المفاوضات والقبول بالشروط الأمريكية.

مفارقة

أشارت الدراسة إلى مفارقة مفادها أن العجز التجاري الأمريكي لم يتوقف رغم سياسة الحمائية التي طبقتها الولايات المتحدة الأمريكية مع الصين وسائر شركائها التجاريين، والسبب في ذلك هو استمرار أمريكا بالاستيراد من الصين وباقي شركائها نتيجة لاعتماد نموذج نموها الاقتصادي على الواردات لتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي المرتفع، خاصة في ظل ارتفاع سعر الدولار في الأسواق العالمية في عام 2018 مما أدى إلى انخفاض في كلفة الواردات (من وجهة نظر المستورد الأمريكي).

مفاوضات

ذكرت الدراسة أن الآثار التي خلفتها التوترات التجارية على اقتصاد البلدين وعلى الاقتصاد العالمي قد دفعتهما إلى التفاوض للتوصل إلى حل يوقف تلك التوترات المتصاعدة بينهما. لم تفض معظم هذه المفاوضات بعد إلى إنهاء كامل للتوتر التجاري بين البلدين، حيث أسفرت عن توصل الطرفان في شهر ديسمبر من عام 2019 إلى اتفاق "المرحلة الأولى" التجاري والاقتصادي، الذي يتضمن إلغاءً تدريجياً للرسوم، وقيام الصين بإنفاق 50 مليار دولار لشراء سلع زراعية أميركية، وتعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية، وتوسيع الوصول إلى الأسواق، وحماية حقوق الشركات الأجنبية في الصين.

الآثار على الاقتصادين الأمريكي والصيني

أكدت الدراسة تأثر اقتصاد كل من أمريكا والصين بالتوتر التجاري بينهما، فانخفضت الصادرات الأمريكية إلى الصين من 12.4 مليار دولار في شهر مارس 2018 إلى 10.4 مليار دولار في شهر مارس 2019، مسجلة تراجع بنسبة بلغت 19 في المائة نتيجة للرسوم الجمركية التي فرضتها الصين على الواردات الأمريكية والتي تقدر مجموعها بـ 110 مليار دولار. كذلك ارتفعت أسعار السلع الصينية في السوق الأمريكية نتيجة لفرض الرسوم الجمركية عليها والتي دفعتها الشركات الأمريكية وتحملها المستهلك الأمريكي. في هذا السياق، تقدر الخسائر التي تكبدها المستهلكين والشركات الأمريكية بنحو 51 مليار دولار، أي قرابة 0.27 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، والنتيجة هي انخفاض الدخل الحقيقي في الولايات المتحدة الأمريكية بمقدار 1.4 مليار دولار شهرياً في نهاية عام 2018.

أما الآثار على الاقتصاد الصيني، فتتمثل في تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي انخفضت من 52.2 مليار دولار في أكتوبر 2018، إلى 31.2 مليار دولار في مارس 2019، بانخفاض نسبته 40 في المائة في غضون خمسة أشهر، ناهيك عن القيود التي وضعتها الإدارة الأمريكية أمام الشركات الصينية من النفاذ إلى سوق تقنيات الاتصالات الأمريكية.

آثاراً عالمية

أثرت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية من خلال تأثيرها على الطلب الكلي على الواردات لكل منهما، وبالتالي تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، كما أدت إلى حدوث اضطرابات حادة في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في المنتجات التي تدخل بصورة مكثفة في التجارة ما بين البلدين كالمعدات التقنية والسيارات، وعلى أسواق المال. دفعت هذه الآثار البنوك المركزية في البلدين وعدد من الدول إلى إحداث تغيرات في سياساتها النقدية في إطار سعيها لتقليل مخاطر النمو، باتجاه المزيد من التيسير والتوسع بهدف معاكسة الضغوط الانكماشية للتوترات التجارية.

من ناحية أخرى، تتمثل الآثار المترتبة على التوترات التجارية المذكورة بتحويل التجارة، أي تغير اتجاهات التجارة الأمريكية-الصينية البينية إلى الشركاء الآخرين للبلدين. بالنسبة للصين، نجم عن خسارة صادراتها إلى أمريكا تحول في التجارة لصالح تايوان، والمكسيك، والإتحاد الأوروبي، وفيتنام، مع احتمال تحول جزء آخر من تجارتها إلى أفريقيا. بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن المستفيد من تحويل التجارة يتمثل في الإتحاد الأوروبي إضافة إلى كندا والمكسيك. في إطار تحويل التجارة، يتمثل الأثر الصافي لتأثير التوترات التجارية على التجارة العالمية في الفارق ما بين حجم التجارة العالمية قبل وبعد تحويل التجارة.

الافتراضات

ذكرت الدراسة أنه رغم اتفاق المرحلة الأولى الذي توصل إليه الطرفين في ديسمبر 2019، لا يزال التوتر التجاري الأمريكي-الصيني متفاعلاً ولم تتجلى بعد أبعاده، بالتالي ثمة سيناريوهات ثلاثة لمآلات هذا التوتر على الاقتصاد العالمي بصفة عامة والعربي بصفة خاصة. يتمثل الافتراض الأول (المتفائل) في احتمالية توصل البلدين إلى اتفاق نهائي يضع حداً للخلاف التجاري بينهما. فيما يتمثل الافتراض الثاني (الحذر)، في احتمالية توصل البلدين إلى حل وسط أو هدنة مؤقتة تقلل من حدة التوتر التجاري بينهما لكنها لا تنهيه. أما الافتراض الثالث (المتشائم)، فيتمثل في تشبث كل من البلدين بمواقفهما دون تنازل، وبالتالي استمرار وتصاعد وتيرة التوترات التجارية الدائرة بينهما على الأقل حتى موعد الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر 2020.

قنوات انتقال الآثار

أشارت الدراسة إلى وجود مجموعة من القنوات التي يمكن أن تنتقل من خلالها التوترات التجارية على الاقتصادات العربية، مركز على ثلاثة قنوات رئيسة، وهي الطلب الخارجي، والأسعار العالمية للنفط، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. فمن حيث قناة الطلب الخارجي، تعتبر الدول العربية من أكبر المناطق الجغرافية انكشافاً على الاقتصاد العالمي ممثلاً بقيمة التجارة الدولية إلى الناتج المحلي الإجمالي لاسيما في ظل مساهمة الطلب الخارجي بنحو 48 في المائة من إجمالي الطلب الكلي في الدول العربية. إضافة إلى ذلك، تعتبر كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين من أهم الشركاء التجاريين بالنسبة للدول العربية حيث يستوعب السوقان نحو خمس الصادرات الإجمالية للدول العربية، وإذا ما تمت إضافة الدول الآسيوية الأخرى التي ترتبط بالاقتصاد الصيني ترتفع حصة هؤلاء الشركاء التجاريين إلى نحو 40 في المائة من الصادرات العربية.

شهدت الصادرات العربية إلى كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية نمواً ملموساً خلال العقد الأخير حيث ارتفعت قيمتها إلى نحو 185 مليار دولار في المتوسط سنوياً خلال الفترة (2011-2018) مقابل 22 مليار دولار للمتوسط السنوي للصادرات العربية إلى الدولتين خلال الفترة (1995-2000) بما يمثل نحو تسعة أضعاف. يلاحظ في هذا الصدد ارتفاع الأهمية النسبية لصادرات الدول العربية إلى الصين مقارنة بصادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بداية من عام 2009. فعلى سبيل المثال شكلت صادرات الدول العربية إلى الصين في عام 2018 نحو 2.3 ضعف صادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وفق قناة الطلب الخارجي، من المتوقع أن يأتي تأثير التوترات التجارية ما بين القطبين العالميين على الاقتصادات العربية كمحصلة لأثرين مختلفين من حيث الاتجاه. فمن جهة، يتوقع أن تؤدي تلك التوترات وانعكاساتها المحتملة على معدلي نمو كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين إلى انخفاض مستويات الطلب الخارجي للدولتين على صادرات الدول العربية بما يشكل أثراً غير مواتياً على اقتصادات هذه الدول. في هذه الحالة من المتوقع أن تتأثر تسع دول عربية تعد الأكثر انكشافاً على الاقتصادين الأمريكي والصيني بشكل أكبر بهذه التوترات مقارنة بالدول العربية الأخرى، حيث تشكل صادرات هذه الدول إلى السوقين الأمريكي والصيني نحو 92 في المائة من إجمالي الصادرات العربية إلى هذين البلدين.

من جهة أخرى، توقعت الدراسة أن يكون هناك أثراً مواتياً مُحتملاً للتوترات التجارية على الدول العربية نتيجة أثر "تحويل التجارة" المتوقع في ظل ارتفاع الرسوم الجمركية المفروضة على التجارة البينية ما بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين. فمن اللافت للانتباه في هذا الصدد الزيادة الكبيرة المُسجلة في صادرات الدول العربية إلى كل من السوقين الأمريكي والصيني في عام 2018 على وجه الخصوص وهو العام الذي شهد بداية التوترات التجارية، حيث نمت الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 20 في المائة، فيما ارتفعت الصادرات العربية إلى السوق الصينية بنسبة 47 في المائة في نفس العام، وهو ما قد يُعزى إلى أثر التحويل الناتج عن تعمق التوترات التجارية بين البلدين وانتقال جانب من التجارة الخارجية بين الدولتين إلى الدول العربية مثلما حدث بشكل مماثل في كل من المكسيك والأرجنتين وغيرها من الدول الأخرى التي استفادت من هذه التوترات. بالتالي، ووفق قناة الطلب الخارجي سيتمثل أثر التوترات التجارية ما بين أمريكا والصين في محصلة الأثرين السابق الإشارة إليهما.

أما من حيث قناة أسعار النفط، فإن زيادة التوترات التجارية تؤدي مما لا شك فيه إلى انخفاض مستويات الطلب على النفط في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين وتراجع مستويات ثقة المستثمرين والمستهلكين وبالتالي تراجع الأسعار العالمية للنفط. في هذا الإطار، نتج عن التوترات التجارية تباطؤ مستويات الزيادة في الطلب على النفط من 1.5 مليون برميل يومياً في عام 2018 إلى 0.98 مليون برميل يومياً في عام 2019 وفق تقديرات منظمة الأوبك وبالتالي انخفاض مستويات الأسعار بما يقارب 10 في المائة عام 2019. بناءً عليه، ينعكس استمرار التوترات التجارية على اقتصادات الدول العربية المُصدرة للنفط في ظل ارتفاع مستويات الاعتماد على النفط لا سيما في ثمان دول عربية على وجه الخصوص، تبلغ مساهمة قطاع النفط بها ما يتراوح بين 30 إلى 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وما بين 67 إلى 89 في المائة من إجمالي الإيرادات العامة، ونحو 33 إلى 95 في المائة من إجمالي الصادرات.

فيما يتعلق بالأثر المُحتمل لقناة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد نتج عن الأزمة المالية العالمية 2008، والتوترات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والعودة الجزئية لمسارات السياسة النقدية التقليدية في بعض الاقتصادات المتقدمة في عام 2018، انخفاض في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلدان النامية في ظل انخفاض مستويات ثقة المستثمرين وأجواء عدم اليقين بشأن السياسات العامة ومن أهمها السياسات التجارية. كغيرها من الدول النامية، تأثرت الدول العربية بهذه التطورات حيث تراجع المتوسط السنوي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها من 49 مليار دولار في المتوسط سنوياً خلال الفترة (1995-2010) إلى 36 مليار دولار سنوياً خلال الفترة (2011-2018). هذه التطورات من المتوقع أن تؤثر بشكل خاص على اقتصادات ثمان دول عربية تستقبل نحو 93 في المائة من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشرة إلى الدول العربية.

نموذج لقياس الآثار

استخدمت الدراسة نموذجاً قياسياً لتقدير الأثر المُحتمل لتراجع كل من معدل نمو الاقتصاد العالمي، ومعدل نمو الاقتصادين الأمريكي والصيني، على الاقتصادات العربية. ويتميز هذا النموذج بقدرته على تقدير العلاقة الديناميكية ما بين المتغيرات المتضمنة.

أشارت نتائج النموذج إلى وجود علاقة طردية ما بين كل من معدل نمو الاقتصاد العالمي، ومعدل نمو الاقتصاد الصيني ومعدل نمو الدول العربية كمجموعة بالأسعار الجارية. وبينت أن صدمة غير مواتية يتعرض لها النشاط الاقتصادي العالمي نتيجة للتوترات التجارية بواقع نقطة واحدة مئوية سوف تؤدي إلى انخفاض مماثل لمعدل نمو الاقتصادات العربية كمجموعة بنحو 0.57 نقطة مئوية.

أوضحت نتائج النموذج أن ذروة تأثر الاقتصادات العربية بأية صدمة يتعرض لها النشاط الاقتصادي العالمي تحدث خلال العامين التاليين لحدوث الصدمة مباشرة، ثم ما تلبث أن تستعيد الاقتصادات العربية توازنها مرة أخرى في أعقاب ذلك، في حين تسجل الاقتصادات العربية ذروة تأثرها بأية صدمة يتعرض لها الاقتصاد الصيني في العام التالي مباشرة لحدوث الصدمة ثم يتم استعادة التوازن وبشكل تدريجي بداية من العام الثالث لحدوث الصدمة.

كذلك أشارت نتائج النموذج إلى أن صدمة مماثلة في معدل نمو الاقتصاد الصيني نتيجة للتوترات التجارية بنحو نقطة مئوية واحدة تؤدي إلى انخفاض معدل نمو الاقتصادات العربية بنحو 0.30 نقطة مئوية، وهو ما يفسره بالخصوص تنامي الأهمية النسبية للعلاقات الاقتصادية ما بين الدول العربية والاقتصاد الصيني مقارنة بنظيره الأمريكي. كما يعزى جانباً من أثر هذه العلاقة ما بين الاقتصادات العربية والاقتصاد الصيني إلى الارتباط القائم ما بين معدل نمو الاقتصاد الصيني ومستويات الطلب على النفط وهو ما ينعكس على مستويات أسعاره في الأسواق الدولية ويؤثر على اقتصادات الدول العربية لا سيما في ظل ارتفاع الأهمية النسبية للصادرات العربية النفطية إلى ما يشكل نحو 81 في المائة من إجمالي صادرات دول المجموعة إلى الصين.

في المقابل، فإن التغير في معدل نمو الاقتصاد الأمريكي لا يستتبعه بالضرورة تغير في معدلات الطلب على الصادرات العربية لا سيما النفطية منها في ظل اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الماضية إلى زيادة مستويات الاعتماد الذاتي على مصادر الطاقة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات النفطية لتتحول من مستورد صافي إلى مصدر صافي للنفط. وهو ما يتوقع حدوثه عام 2022 وفق تقديرات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية.

توصيات

قدمت الدراسة بعض التوصيات، أهمها: قيام الدول العربية برصد تطورات التوتر التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين -وأية توترات تجارية تحدث بين دول كبرى دولية أو إقليمية- بصورة مستمرة وقياس آثارها على اقتصاداتها، وإشراك نتائج هذه الدراسات مع مراكز التخطيط وصناعة القرار الاقتصادي في الدول العربية.

كما طالبت الدراسة بالاهتمام بزيادة مستويات تنويع الاقتصادات العربية سواءً على صعيد الهياكل الانتاجية أو التصديرية والتنويع فيما يتعلق بالعلاقات التجارية والاستثمارية مع دول العالم المختلفة مع التركيز على التحسين المتواصل لمستويات الانتاجية والتنافسية الدولية بهدف زيادة مستويات قدرة هذه الاقتصادات على مواجهة أية صدمات خارجية.

كما أوصت الدراسة بضرورة اقتناص الفرص الكامنة للنزاع التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين والمتضمنة التحول النسبي الحاصل من التجارة البينية للبلدين إلى المنطقة العربية من خلال تحسين بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار والمنافسة وتحسين مؤشر سهولة أداء الأعمال، وإعادة هيكلة القطاعات المرتبطة بالتجارة مع الصين لاسيما في إطار سلاسل القيمة العالمية وطريق الحرير.

في الختام، أوصت الدراسة بمواصلة السعي نحو تعزيز التكامل الاقتصادي العربي بمختلف عناصره. وعلى نحو خاص، من الضروري أن تنخرط الدول العربية أيضاً في سلاسل القيمة الإقليمية (العربية) إلى جانب انخراطها في سلاسل القيمة العالمية.

انقر لاضافة تعليق