قد لا يبدو تأثير ارتفاع أسعار النفط، من الوهلة الأولى، واضحاً على الحياة المعيشية اليومية للمواطنين في شتى أنحاء العالم لكنَ نظرةً متأنية يمكنها أن تكشف أن التأثير واسع، يشمل معظمَ مناحي الحياة، ولا تزال أسعار النفط تتأثر بعوامل سلبية على صعيد الاقتصاد الكلي حول العالم اضافة أن التوترات التجارية وتباطؤ نشاط التصنيع لا يزالان يؤثران على الطلب، وشهدت الأسعار العالمية للنفط هبوطا حاداً، بفعل علامات تباطؤ الاقتصاد العالمي، واستمرار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

فقد أظهر مسح لرويترز أن أسعار النفط ستظل على الأرجح مستقرة هذا العام، حيث أخفقت صدمة إمدادات السعودية في رفع الأسعار في سوق تعاني من ضعف الطلب، مع تنامي التحذيرات من تباطؤ اقتصادي عالمي، ويتوقع المسح، الذي شمل آراء 53 خبيراً اقتصادياً ومحللاً، أن يبلغ خام القياس العالمي مزيج برنت 65.19 دولار للبرميل في المتوسط في 2019، بدون تغير يذكر عن 65.02 دولار في توقعات إلا أنه أعلى قليلا من متوسط سعر خام برنت منذ بداية العام عند 64.76 دولار للبرميل.

ومن المنتظر أن تبلغ العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 57.96 دولار في المتوسط للبرميل، مقابل 57.90 دولار في توقعات الشهر الماضي. وبلغ متوسط سعر الخام الأمريكي منذ بداية العام 57.11 دولار للبرميل، وقال كارستن فريتش كبير محللي السلع الأولية لدى كومرتس بنك "تواجه سوق النفط أوقاتا صعبة، أوضح الهجوم على منشأتين للنفط في السعودية مؤخراً المخاطر التي تهدد إمدادات الخام، وهذا هو السبب وراء إمكانية حدوث قفزات للأسعار في أي وقت على الأمد القصير".

وتابع "من جهة أخرى، فإن العوامل الأساسية في سوق النفط تتدهور، فنمو الطلب يضعف، وإمدادات النفط من خارج منظمة أوبك ترتفع بشكل كبير، والالتزام بالإنتاج لدى أوبك وحلفائها انحسر مؤخرا لذا لا نرى أن قفزة الأسعار في الآونة الأخيرة ستكون مستدامة"، وسجلت أسعار النفط أكبر قفزة لها في يوم واحد خلال ثلاثين عاما، بعد الهجوم على منشأتين لأرامكو السعودية في وقت سابق تسبب في توقف نصف إمدادات النفط من أكبر بلد مصدر للخام في العالم.

وأدى الهجوم لضبابية في السوق وزاد التوترات في منطقة مضطربة بالفعل، نظرا للخلافات المستمرة بين الولايات المتحدة حليفة المملكة وإيران، وقال كالين بيرتش المحلل لدى وحدة الإيكونومست للمعلومات "في نهاية المطاف، يتوقف تأثير الهجمات بالطائرات المسيرة على أسعار النفط على عاملين رئيسيين: الوقت الذي سيستغرقه إعادة السعودية المنشآت المتضررة إلى العمل، وما إذا كانت ستقع هجمات أخرى مباشرة".

ورغم أن هناك طاقة فائضة كافية لتعويض نقص الإنتاج، قال محللون إن النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين وزيادة الإنتاج من دول خارج أوبك، سيكبح أسعار النفط على المدى الطويل، ويتوقع المحللون نمو الطلب العالمي على النفط بين 0.9 مليون و1.3 مليون برميل يومياً في 2019، و0.8 مليون و1.5 مليون برميل يومياً العام القادم.

وخفضت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في سبتمبر أيلول لثمانية أشهر متتالية إلى 0.89 مليون برميل يوميا، ومن جهة الإمدادات، قال المشاركون في المسح إن الإنتاج من خارج أوبك سيواصل الارتفاع مع هيمنة الولايات المتحدة على نمو الإمدادات العالمية، وسط زيادة متواضعة من البرازيل والنرويج والمكسيك.

وقال إدوارد مويا كبير محللي السوق لدى أو.إيه.أن.دي.إيه "إذا بقى ترامب المرشح الأوفر حظا، فمن المتوقع أن يستمر إنتاج الولايات المتحدة في الارتفاع إلى مستويات قياسية جديدة، حيث من المحتمل أن يتجاوز 13.5 مليون برميل يوميا، "ستظل سياسات ترامب الداعمة للطاقة معززة إلى حد كببر لأن تصبح الولايات المتحدة أكبر بلد مصدر للنفط في العالم".

حرب التجارة والضبابية الاقتصادية تلقيان بظلالهما على توقعات النفط

ضغط النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، أكبر مستهلكين للنفط في العالم، على أسعار الخام، لكن خفض الإنتاج الذي تقوده منظمة أوبك وروسيا ساهم في دعم السوق، وقال جيوفاني سيريو الرئيس العالمي للبحوث لدى فيتول لتجارة السلع الأولية "التوازن الحالي بين مصادر متعددة يمنح أسعار النفط بعض الاستقرار".

"قد تقفز الأسعار في اتجاه أو آخر بناء على مدى تفشي أحد مصادر الضبابية لكن ليس هناك شك في أننا نعيش في فترة انعدام يقين، ربما غير مسبوقة"، ورغم تخفيضات إنتاج أوبك، فإن الإمدادات جيدة في سوق النفط، مع زيادة الإنتاج الأمريكي 1.4 مليون برميل يوميا وتلبيته الزيادة في الطلب، حسبما قال شونيشي تاناكا رئيس كوزمو أويل اليابانية، وتابع "لو لم تخفض أوبك الإنتاج لكان هناك فائض، من المتوقع أن ينفرج ميزان العرض والطلب النفطي في 2020 ليضغط على أسعار الخام"

النفط في موقف دفاعي أمام التغير المناخي

في فجر عصر أسماه العلماء عصر الإنسان (أنثروبوسين) نتيجة التأثير الذي يخلفه البشر على كوكب الأرض، بمؤتمر الطاقة العالمي المنعقد في أبو ظبي للدفاع عن نفسه أمام التغير المناخي.

مع إلقاء اللوم على حرق الوقود الأحفوري باعتباره "الشر" الطاغي الذي يزرع الفوضى في عصر الإنسان، اتفق كثيرون على أنه بعد عقود من حروب الطاقة، فإن النزاعات المستقبلية قد تكون مدفوعة بالمنافسة على المياه النظيفة مع انحسار الغطاء الجليدي وجفاف الأنهار، وعندما سئلوا عن أكبر مصدر للتوتر العالمي في عام 2040، كانت ندرة المياه هي الإجابة المرجحة لدى أكثر من نصف خبراء الطاقة والمسؤولين الذين استُطلعت آراؤهم في مؤتمر الطاقة العالمي في أبوظبي.

وقال الكويتي عدنان شهاب الدين الذي شغل سابقاً منصب القائم بأعمال الامين العام لمنظمة أوبك، "قبل عشر أو عشرين سنة كان النفط على رأس القائمة بالتأكيد"، وأضاف أمام مؤتمر الطاقة العالمي الذي يعقد كل أربع سنوات أن النفط لم يعد كذلك اليوم "ويرجع السبب في ذلك إلى عاملين: لدينا المزيد من الموارد في جميع أنحاء العالم، لا سيما بفضل التكنولوجيا ... والموارد موزعة بصورة متساوية أكثر".

لكن مثل العديد من القادة والمدراء التنفيذيين الآخرين في المؤتمر، أصر على أنه بالنظر إلى الطلب العالمي المتوقع على مدى العقود المقبلة، يمكن أن ينعكس الوضع عن طريق التحول السريع وغير المخطط له إلى مصادر الطاقة المتجددة، وقال "نحن جميعا متفقون على أن ما نريده هو مستقبل نعتمد فيه على الطاقة النظيفة، يجب المحافظة على إمكانية الوصول إلى مستقبل من الطاقة النظيفة وعلى السرعة التي نصل بها"، محذراً من "التقلبات والأزمات" إذا تم اتخاذ القرارات السياسية على عجل.

وأوضح "من الخطأ في رأيي وضع سياسة يمتد تأثيرها على 40 عاماً، كأن نقول على سبيل المثال ليس فقط أنني لا أريد أن أستخدم الطاقة النووية بنفسي لكنني لا أريد أن يستخدم الطاقة النووية أي أحد آخر لذلك من المهم أن نبقي جميع خياراتنا مفتوحة، وأن نستثمر فيها جميعًا، اعتمادًا على وضعنا المحلي".

الاعتماد على النفط قوي جداً لا سيما في ظل وفرة الإمدادات في حين أن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة ينطوي على كلفة باهظة، وقالت "اللجنة العالمية للتكيف" إنه يتعين على الدول الغنية وكذلك الفقيرة الاستثمار الآن لحماية نفسها من آثار تغير المناخ حتى لا تتكبد كلفة أعلى بكثير في ما بعد.

وقال رئيس اللجنة الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون "نحن الجيل الأخير الذي يمكنه تغيير مسار تغير المناخ، ونحن الجيل الأول الذي يتعين عليه بعد ذلك تحمل العواقب"، وأدى الفشل في كبح انبعاثات الغازات الدفيئة التي تعمل ببطء على رفع حرارة الأرض إلى هبوب موجات من القيظ الشديد خلفت ضحايا وشح في المياه وعواصف هائلة ازدادت قدرتها على التدمير بسبب ارتفاع مستوى البحار.

وارتفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بمقدار درجة مئوية واحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر وتتجه الحرارة صعوداً مع توقع أن ترتفع بدرجتين أو حتى ثلاث درجات بنهاية القرن الواحد والعشرين إذا استمرت معدلات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على ما هي عليه اليوم.

وقال مارتن فريك، كبير مديري السياسات في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، في إحدى حلقات النقاش في أبوظبي: "نحن أكبر عامل مؤثر على الطبيعة هذه الأيام وكما يقولون، كلما اشتد بأسنا عظمت مسؤوليتنا".

وتحدث أمين ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، عن "أزمة في الإدراك" يواجهها القطاع والمخاطر المتزايدة بأن يرتد مجتمع المال ضد الوقود الأحفوري.

وقال فريك إن المساعي الدبلوماسية بشأن تغير المناخ لا تزال تعمل رغم الصعوبات وقال "هناك حاجة ملحة لذلك التأثيرات مقلقة للغاية، وبغض النظر عن كم المفاوضات التي نخوضها، فلا يمكننا أن نتفاوض مع الطبيعة".

توقعات اسعار النفط تتراجع لــ 25 دولارا لبرميل

قال البنك المركزي الروسي في توقعاته المحدثة للاقتصاد الكلي إنه لا يستبعد تراجع أسعار النفط إلى 25 دولارا للبرميل في 2020 وذلك ضمن تصوره للمخاطر المحتملة، وأضاف البنك أن تصور المخاطر المحتملة قد يتحقق في حالة تراجع الطلب على منتجات الطاقة في أنحاء العالم وتدهور توقعات النمو الاقتصادي العالمي، وفي حالة تحقق ذلك التصور، فإن معدل التضخم الروسي قد يقفز إلى ما بين سبعة وثمانية بالمئة في 2020 مع تراجع الناتج المحلي الإجمالي بين 1.5 واثنين بالمئة.

التحول للسيارات الكهربائية قد يقلص طلب النفط 13.7 مليون

قال الرئيس العالمي لأبحاث سيتي جروب في مؤتمر إن نمو قطاع السيارات الكهربائية وحده قد يقلص الطلب على النفط بمقدار 13.7 مليون برميل يوميا بحلول 2040 وقال إدوارد مورس في عرض تقديمي أمام مؤتمر البترول لآسيا والمحيط الهادي في سنغافورة هذا يزيد عن إجمالي استهلاك النفط بالشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في 2018.

"بينما يواجه الطلب على وقود وسائل النقل تهديدات من تبني المحركات الكهربائية وتشديد التشريعات البيئية، فإن قطاع البتروكيماويات بصدد تولي قيادة نمو الطلب على النفط في المستقبل"، وأضاف مورس "وكالة الطاقة الدولية تتوقع ارتفاع الطلب على لقيم البتروكيماويات خمسة ملايين برميل يوميا حتى 2040، ما يشكل أكثر من ثُلث نمو الطلب على النفط حتى 2030 ونحو النصف حتى 2050".

ويتوقع سيتي جروب في تصوره الأساسي نمو الطلب على النفط بمقدار 940 ألف برميل يوميا في 2019 وبواقع 1.07 مليون برميل يوميا في 2020، استنادا إلى نمو التجارة العالمية بنسبة 2.5 بالمئة، وقال مورس "لكن إذا بلغ نمو التجارة صفرا بالمئة، فإن نمو الطلب على النفط قد يتراجع إلى 730 ألف برميل يوميا في العام القادم".

من المتوقع أن يظل برنت حول 60 دولارا في 2020

قال جولدمان ساكس إن من المرجح أن تظل أسعار خام برنت حول مستوياتها الحالية في 2020، إذ يخفق تباطؤ النمو الاقتصادي ومخاوف جيوسياسية في إحداث تغيرات كبيرة في السوق، وقال في مذكرة له إن أسعار خام برنت من المتوقع أن يستمر تداولها حول مستوى 60 دولارا للبرميل في 2020 الذي تنبأ به البنك الاستثماري.

وقالت المذكرة "تخفيضات أوبك الحالية وتباطؤ نشاط النفط الصخري سيعوضان ارتفاع الإمدادات من خارج أوبك وانخفاض نمو الطلب العام المقبل"، إلا أن البنك يتوقع ارتفاعاً محتملاً لتوقعاته لخام برنت حتى نهاية العام البالغة 62 دولاراً للبرميل مع تلاشي عوامل معاكسة من تحوط منتجين في الولايات المتحدة وارتفاع تكلفة الشحن في الآونة الأخيرة، فيما يحرك السوق شح في الإمدادات والعوامل الأساسية للطلب ومخزون أقل في الأسواق الناشئة.

وقدر البنك أن سوق النفط العالمية تشهد نقصا في الإمدادات بواقع 1.3 مليون برميل يومياً في الربع الثالث بسبب التخفيضات الطوعية في السعودية وفقد إمدادات من إيران وفنزويلا بسبب عقوبات أمريكية، ونزلت أسعار النفط بعد أن أظهرت بيانات قطاع النفط الأمريكي زيادة مخزونات الخام بأكثر من المتوقع، لكن احتمالات تعميق تخفيضات الإنتاج من منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وحلفائها حدت من التراجع.

كما حفض جولدمان ساكس توقعاته لنمو الطلب على النفط إلى 950 ألف برميل يوميا في 2019 من 1.25 مليون برميل يوميا وفي 2020 إلى 1.25 مليون برميل يوميا من 1.45 مليون يوميا في السابق.

انقر لاضافة تعليق