قام فريق من صندوق النقد الدولي، يرأسه (غَـﭬِن غرَي “Gavin Gray”)، بزيارة إلى العاصمة الأردنية عمان خلال الفترة بين 25 أبريل/نيسان ولغاية 2 أيار/مايو، وذلك بهدف عقد مناقشات مع السُّلطات العراقية في سياق مشاورات المادة الرابعة، لعام 2019. وفي نهاية الزيارة، أدلى السيد (غرَي Gray) بالتصريح التالي:

"تُوفِّر نهايةُ الحرب على تنظيم داعش، وانتعاش أسعار النفط فرصةً لإعادة بناء العراق، والتّغلّب على المشكلات الاجتماعية الاقتصادية التي طال أمدها. غير أنّ التّحدّيات التي تعترض سبيل تحقيق هذه الأهداف هائلة. وقد كانت عجلةُ الانتعاش الاقتصادي وما زالت تسير بوتيرة بطيئة، كما أن إعادة الإعمار محدودة جداً بعد أن وضعت الحرب أوزارها، والإنفاق الجاري الكبير الحجم يزيد المخاطر، ممّا يضع الأموال العامة واحتياطيات البنك المركزي على مسار لا يمكن دعم استمراريته. وعلاوةً على ذلك، فإن مكافحة الفساد أمرٌ مهمٌّ للغاية لأجل تعزيز فعّاليّة المؤسسات العامة، ولدعم جهود الاستثمار، وإيجاد فرص العمل من جانب القطاع الخاص.

"انحسرت مواطن الضعف على المدى القريب في عام 2018، مع وجود فائض في الموازنة، وتراكم في احتياطيات البنك المركزي. ويتوقّع للنمو غير النّفطي أن يرتفع إلى نسبة 5.4 في المئة في عام 2019 على خلفية زيادة الإنفاق الاستثماري. ومع ذلك، يُتوقَّعُ للعجز في المالية العامة أن يرتفع على المدى المتوسط، ممّا يتطلّب تمويلاً قد يزاحمُ القطاع الخاص، أو يؤدي إلى تآكل احتياطيات البنك المركزي. وفي ظلّ هذه الظروف، ربما يكون من الصعب استدامة الإنفاق الرأسمالي، ومن شأن النمو أن يتباطأ بشكل واضح ملحوظ.

"بناءً على ذلك، فإن إحداث تغييرات في السّياسات وإجراء إصلاحات هيكلية – بما في ذلك تحسين مستوى الحوكمة – أمورٌ ضرورية لإدامة استمرارية الاقتصاد على المدى المتوسط، ولإرساء الأُسس اللازمة للنمو الشمولي.

"يجب أن ترتكز سياسة المالية العامة على التّوسُّع التدريجي في الاستثمار العام، مع العمل في الوقت ذاته على بناء هوامش الأمان الوقائية. ولإيجاد الحيّز المطلوب لذلك، يُوصي موظفو الصندوق بعمل وفورات في الموازنة تبلغ حوالي 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط، وذلك من خلال إحكام الرقابة على الإنفاق الجاري، ولا سيّما على الأُجور في القطاع العام، واتّخاذ تدابير مرحلية لتعزيز الإيرادات غير النفطية. وإنّ وضع سقوف للإنفاق الجاري في الموازنات، ابتداءً من موازنة عام 2020 فصاعداً، من شأنه أن يُعزّز قدرة إطار المالية العامة على دعم حجمٍ من الاستثمارات أعلى، وأن يتكيَّف مع ما يحدث من الصدمات في أسعار النفط. وينبغي للإصلاحات الرئيسية أن تشمل:

"احتواء أُجور القطاع العام؛ إذ يُمكن إخماد ضغوط الإنفاق على المدى القصير من خلال اتّخاذ تدابير تعويضية، مثل وضع حدٍّ أقصى للعلاوات، والمكافئات والمدفوعات الأُخرى غير المستندة إلى الأُجور، واقتران ذلك بإنفاذ التّناقص الطبيعي في ملاك القطاع العام. وسوف تقتضي الضرورة اتّخاذ تدابير هيكلية على المدى المتوسط، استناداً إلى إجراء مراجعة وظيفية للقوى العاملة، وتنفيذ إصلاحات أعمق بُعداً في نظام الخدمة المدنية، حالما تُوضع موضع التنفيذ نظُمٌ جديدة لإدارة الموارد البشرية والمعلومات.

"إجراءُ الإصلاحات في قطاع الكهرباء عنصرٌ أساسيٌّ في معالجة ضعف جودة الخدمات، وخفض التكاليف المرتفعة للكهرباء في الموازنة، بسبب تواضع أسعار تعريفة الكهرباء، وعدم السداد المزمن لفواتير الكهرباء، وضعف الصيانة، والإفراط في الاعتماد على مصادر توليد الكهرباء الباهظة الثمن، وما يقترن بذلك من فقديات (الطاقة الكهربائية المفقودة) طوال عمليات توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها. ومن الأهمية بمكان ضمان حماية الفقراء والفئات الأكثر ضعفاً طوال فترة إجراء هذه الإصلاحات.

"دعم إدارة المال العام. إنّ تعزيز الإطار القانوني، وتحسين الالتزام ونظم التحكم الأُخرى كلُّها عوامل أساسيّة تهدف إلى تقليص سوء استعمال الموارد العامة إلى الحدِّ الأدنى، وتستعيد الانضباط في الموازنة.

"في القطاع المالي، يُعتبرُ وجودُ خطة قوية لإعادة هيكلة مصارف القطاع العام الكبيرة الحجم، وما يقترن بذلك من تعزيز الرقابة على المصارف، أمراً ضروريّاً لتأمين الاستقرار المالي، وسوف يُساعد على تعزيز التطوير المالي والشمول المالي. كذلك فإن تعزيز ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز عمليات الإشراف سوف يُساعد العراق على منع إساءة استعمال القطاع المالي العراقي لأغراض جني العوائد الإجرامية المتأتية من غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

"معالجة ضعف الحوكمة ومواطن الضعف التي ينتشر من خلالها الفساد عاملٌ مهمٌّ للغاية في تحقيق الأهداف التي سبق وصفها للسياسات. وكخطوة أولى، لا بُدّ للسلطات العراقية من تطوير فهم شمولي لمخاطر الفساد الموجودة في العراق، ومن ثَمَّ العمل على تنفيذ السِّياسات للقضاء على هذه المخاطر بطريقة متجانسة ومُنسّقة. ولا بُدَّ أيضاً من تعزيز الإطار التشريعي لكي يمنع المسؤولين، بطريقة فاعلة، من سوء استغلال مناصبهم، أو سوء استعمال موارد الدولة.

وتحقيقاً لهذه الغاية، يجب الإسراع في إقرار القوانين التي تُعزّز إنفاذ نظام إشهار الذمة المالية، وتجريم الكسب غير المشروع. وعلاوةً على ذلك، يجب ضمان استقلال ونزاهة الهيئات العاملة في مجال مكافحة الفساد، كما يجب تفعيل نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لدعم جهود مكافحة الفساد.

"وسوف يُعِدُّ فريقُ صندوق النقد الدولي تقريراً، رهناً بموافقة الإدارة على ذلك، ومن المُقرَّر مبدئياً أن ينظر فيه المجلس التنفيذي للصندوق في شهر تموز/يوليو 2019.

"ويَودُّ فريق بعثة الصندوق أن يُزجي شكره للسلطات العراقية على صراحتها في إجراء مناقشات بنّاءة أثناء القيام بهذه الزيارة."

https://www.imf.org

...................................
* يمارس الصندوق دوره الإشرافي بطرق ثلاث:
الرقابة القطرية، وهي تتخذ شكل مشاورات شاملة منتظمة (تعقد على أساس مستوى في العادة) مع فرادى البلدان الأعضاء حول سياساتها الاقتصادية، مع إمكانية إجراء مناقشات مرحلية أخرى عند الحاجة. ويطلق على هذه المشاورات اسم "مشاورات المادة الرابعة"، لأنها تستند إلى التفويض الوارد في المادة الرابعة من ميثاق الصندوق.
ولكن كيف تتم مشاورات المادة الرابعة؟ أولاً، يقوم فريق من خبراء الصندوق بزيارة البلد المعني لجمع البيانات الاقتصادية والمالية وعقد مناقشات مع المسؤولين في الحكومة والبنك المركزي حول السياسات الاقتصادية للبلد المعني في سياق آخر التطورات. ويقوم الفريق باستعراض سياسات البلد الاقتصادية الكلية (الخاصة بالمالية العامة والشؤون النقدية وأسعار الصرف)، وتقييم مدى سلامة النظام المالي، وتفحص قضايا السياسات الصناعية والاجتماعية وتلك الخاصة بالعمالة وسلامة الحكم والإدارة والبيئة وغيرها مما يمكن أن يؤثر على سياسات وأداء الاقتصاد الكلي. ويقدم الفريق بعد ذلك تقريراً إلى المجلس التنفيذي عما خلص إليه من نتائج، بعد الحصول على موافقة الإدارة، ويقوم المجلس بمناقشة التحليل الوارد في التقرير ثم تحال آراؤه إلى حكومة البلد المعني في شكل ملخص يصدره رئيس المجلس. وبهذه الطريقة تكتسب آراء المجتمع الدولي والدروس المستخلصة من التجربة الدولية وزناً مؤثراً على سياسات البلد المعني.

انقر لاضافة تعليق