بقلم: هارولد جيمس

برينستون ــ لم يكن انهيار بورصة العملات الرقمية المشفرة FTX، وصعود ثم سقوط مؤسسها سام بانكمان فرايد على نحو مذهل، سوى الواقعة الأحدث التي تلخص مخاطر الإبداع المالي. في هذه المرحلة، كان من المفترض أن تتمكن الهيئات التنظيمية، والمؤسسات المالية، والمستثمرين، بسهولة من كشف مخطط احتيالي واضح على طريقة بونزي. لماذا إذن يتعين علينا أن نتعلم ذات الدرس العسير مرارا وتكرارا؟

خلافا للاعتقاد الشائع، لا تعكس الجاذبية الدائمة التي تتمتع بها مخططات بونزي الاحتيالية الجشع والسذاجة فحسب، بل تعكس أيضا حقيقة بسيطة مفادها أن الابتكارات القيمة، مثلها كمثل هذه المخططات، تعتمد أيضا على تأثير كرة الثلج. الواقع أن "الخوف من تفويت الفرصة" يمكن استغلاله من قِـبَـل المحتالين الذين يتلاعبون بهذا الخوف لتحقيق مكاسب شخصية. لكنه يدفع أيضا بالعديد من التطورات المفيدة التي من غير الممكن أن تنجح إلا إذا اشترك فيها عدد كاف من الأشخاص. لهذا السبب يتبنى العديد من رواد الأعمال مثل بانكمان فرايد فلسفة "اختلقها إلى أن تتقنها". المشكلة تبدأ غالبا عندما يتحول هذا النهج إلى "اختلقها إلى أن تحصل عليها".

يعتبر أقدم مُـنشئ موثق لمخطط بونزي، الذي عاش قبل 200 عام من ظهور المحتال الذي أعطى لهذا المخطط الاحتيالي اسمه، رائدا للنظرية النقدية. في أوائل القرن الثامن عشر، عمل المغامر والاقتصادي الأسكتلندي جون لو على تحويل النظام المالي الفرنسي بتجربة فريدة وكارثية في نهاية المطاف مع العُـملة، والتي انهارت في أزمة تضخمية في صيف عام 1720. في ذلك الوقت، كانت فرنسا غارقة في الديون، وكان جون لو يسعى إلى تحفيز الاقتصاد من خلال الاستعاضة عن كل العملات المعدنية بنقود ورقية. زعم جون لو أن نُـدرة الذهب والفضة كانت السبب وراء محنة فرنسا الاقتصادية، ونجح في الضغط على الحكومة لسحبهما من التداول.

وجدت نظريات جون لو جمهورا متقبلا، ويرجع هذا جزئيا إلى أن النظام المالي والنقدي القائم في فرنسا آنذاك كان غير فعال وتعسفيا وظالما. كان بوسعه أيضا أن يشير إلى سابقة: التجربة الجريئة في عام 1694 والتي حولت إنجلترا بموجبها قسما كبيرا من ديونها الوطنية إلى شركة خاصة (بنك إنجلترا)، والتي حصلت في المقابل على الحق في إصدار نقود ورقية. كان جون لو يعتقد أن الإصلاح الإنجليزي أقل كفاءة مما ينبغي له أن يكون، لأن العملات المعدنية كانت لا تزال متداولة، مما أجبر حكومة الملك ويليام الثالث على إجراء عملية مكلفة لإعادة صك العملة. كان جون لو يرى في هذا الاعتماد المستمر على المعادن الثمينة أمرا غير مريح وغير فَـعّـال.

على نحو مماثل لما حدث مع بورصة العملات المشفرة FTX، تغذى مخطط جون لو على التسويق الفَـعّـال، والخداع، والمضاربة المالية. كانت أولى حيله إنشاء شركتين عملتا معا لتضخيم قيمة عطاءات كل منهما. في عام 1716، أقنع الحكومة الفرنسية بالسماح له بافتتاح بنك يصدر النقود الورقية التي ستتقبلها الحكومة كمدفوعات ضريبية. في ذات الوقت، جرى تخفيض قيمة العملة الفضية التي كانت لا تزال متداولة.

ثم أنشأ جون لو شركة ذات غرض تجاري حقيقي ــ إنتاج فردوس ظاهري للموارد الطبيعية والإنتاجية في العالم الجديد ــ وأسماها شركة المسيسيبـي. قامت الشركة، التي مُـنِـحَـت حق احتكار التجارة مع المستعمرات الفرنسية في أميركا الشمالية، بتمويل عملياتها بإصدار أسهم يمكن شراؤها بنقود ورقية من بنك جون لو أو بسندات حكومية. وفي نهاية المطاف، أصبحت أسهم شركة المسيسيبـي جذابة في نظر المستثمرين إلى الحد الذي جعل الشركة تتولى ديون فرنسا الوطنية بالكامل، وتسبب هذا في تحول نقودها الورقية إلى عملة الاقتصاد الفرنسي الذي أصبح مُـنـتِـجا حديثا.

بعد مرور ثلاثة قرون من الزمن، كرر بانكمان فرايد حيلة جون لو. فقد أسس شركتين، FTX وAlameda Research، وكانت كل منهما تدعم الأخرى، حيث عملت FTX على توليد عملات رمزية خاصة بها (FTT) يمكن استخدامها كضمان للاقتراض.

ولكن لإغراء المستثمرين وسلطات الدولة، كان جون لو في احتياج إلى سرد مقنع. تباهى جون لو بأن شركتيه أنقذتا النظام المالي الفرنسي. مع تزايد رأسمالها، استحوذت شركة المسيسيـبـي على مجموعات تجارية مثل شركة الإنديز، وشركة الصين، وشركة أفريقيا. وهكذا، تحول جون لو إلى مُـقـرِض الملاذ الأخير الخاص، وهي سِـمة أخرى حاكاها بانكمان فرايد في صيف عام 2022 عندما أنقذ مُـصـدِري العملات المشفرة المتعثرين وبورصاتها.

اعتمد جون لو أيضا على الأدب المعاصر الشامل للترويج لرؤية خيالية للكيفية التي قد تمكن فرنسا، الدولة التي أنهكتها حروب لويس الرابع عشر، من التحول إلى دولة غنية من خلال سلسلة من المعجزات، والتحولات، والاستهلاك غير المحدود. على نحو مماثل، في الترويج لـ FTX والعملات المشفرة، تحدث بانكمان فرايد إلى عالَـم مهووس بالأزمات كان يبحث بشكل يائس عن الطريق إلى الأمام.

في الوقت الحاضر، تعتبر النقود الورقية غير ملائمة ومرتبطة على نحو متزايد بالإجرام ــ الإتجار بالمخدرات، وتهريب الأسلحة، والتهرب الضريبي، وانتهاك العقوبات ــ مما دفع عدد كبير من البلدان إلى التجريب مع العملات الرقمية. كانت الولايات المتحدة بطيئة في الانضمام إلى هذا الاتجاه، ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى حقيقة مفادها أن البنوك ــ وهي جماعة ضغط قوية ــ تخشى أن تقع ضحية للتهميش. انتبه بانكمان فرايد إلى المخاوف من أن الاقتصاد الأميركي، مثله كمثل فرنسا في أوائل القرن الثامن عشر، قد يتخلف عن الركب، وبدا الأمر وكأنه يقدم حلا.

لكن تقديم سرد مقنع لا يكفي. إذ تتطلب النخبة السياسية أيضا التحفيز لحملها على المشاركة. عمل جون لو ــ ونظراؤه عبر القناة الإنجليزية الذين دفعوا فقاعة شركة بحر الجنوب ــ على مكافأة أنصاره بالأسهم. وقدم بانكمان فرايد مساهمات ضخمة لصالح ساسة ديمقراطيين، في حين قدم مسؤول تنفيذي آخر لشركة FTX تبرعات ضخمة مماثلة للجمهوريين. بدلا من اتخاذ موقف صريح مناهض للضوابط التنظيمية، تعهدت شركة FTX بالعمل مع الهيئات التنظيمية لخلق إطار عمل كفيل بحماية مصالحها.

انهار كل من المخططين في النهاية لأن مُـنشِـئـه أصدر كما أكبر مما ينبغي من أمواله البديلة المتفوقة المزعومة. في رسالته التي اعتذر فيها لموظفي FTX، ألقى بانكمان فرايد باللوم على الاستدانة المفرطة وقال إنه "لم يقدر حجم المخاطر التي فرضها الانهيار الشديد الترابط حق قدره. ولكن مثله كمثل جون لو من قبله، كان بانكمان فرايد في احتياج إلى الروافع المالية بكميات هائلة لدعم مصداقيته. في النهاية، سقط كل منهما بذات السرعة التي صعد بها. في كل الأحوال، لا تتمكن مخططات بونزي الاحتيالية والفقاعات التي تصاحبها من البقاء إلا بقدر ما يؤمن الناس بها، ولا شيء أشد تدميرا لمصداقية المرء من وابل من المزاعم والادعاءات التي لا يستطيع احترامها.

* هارولد جيمس، أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون، وهو زميل أقدم في مركز الابتكار الدولي للحكم ومتخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني والعولمة، ومؤلف مشارك لكتاب: اليورو ومعركة الأفكار ومؤلف كتاب إنشاء وتدمير القيمة: دورة العولمة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق