يُعد البنك المركزي المسؤول الأول عن السياسة النقدية -احدى السياسات الاقتصادية- التي يتم استخدامها لتحقيق اهداف اقتصادية معينة.

ونظراً لضعف الاقتصاد العراقي بحكم اعتماده على النفط وغياب التنويع الاقتصادي ومحدودية الصادرات وضعف الايرادات غير النفطية، أصبح عرضة للأزمات الداخلية والخارجية.

ولأجل التحفيف من الأزمات التي تعرض لها الاقتصاد العراقي خصوصاً الصدمة المزدوجة التي تمثلت بالإرهاب والنفط عام 2014، أطلق البنك المركزي العراقي مبادرته التمويلية في نهاية عام 2015 ولحد الآن.

تتكون مبادرة البنك المركزي من جزئين: الاولى (1 تريليون دينار) تستهدف المشاريع الصغيرة والمتوسطة. والثانية (5 تريليون) تستدف المشاريع الكبيرة.

يمكن تناول هذه المبادرة من خلال نسب التنفيذ ومحاولة اكتشاف مدى انعكاسها على الاقتصاد من خلال بعض المؤشرات، وكما يلي:

أولاً: نسب التنفيذ

سيتم تناول نسب التنفيذ لكلا الجزئين من المبادرة وكلٌ على حِده ثم نقوم بجمعهما وكما يلي:

1- نسب تنفيذ الجزء الأول (1 تريليون دينار)

تم منح مبلغ قدره (322 مليار دينار) من مبلغ الجزء الاول من المبادرة البالغ (1 تريليون دينار)، لتكون نسبة التنفيذ 32.2% خلال المدة 2015-2020، والمتبقي من مبلغ المبادرة الذي لم يُمنح هو (678 مليار دينار).

ذهب المبلغ الممنوح من هذه المبادرة إلى القطاع الزراعي والصناعي والتجاري والخدمي والسكني.

استولى القطاع التجاري على حصة الأسد بنسبة 37.57% من المبلغ الممنوح (322 مليار دينار) وذلك لسهولة الارباح وسرعة استراد راس المال، ثم القطاع الخدمي (صحي، تربوي، سياحي) بنسبة 30.12%، ثم القطاع الصناعي بنسبة 15.21%، ثم جاء القطاع السكني بالمرتبة قبل الأخيرة ليشكل 14.28%، ويأتي القطاع الزراعي في المرتبة الأخيرة بنسبة 2.17%، وذلك لارتفاع تكاليف الانتاج وانخفاض الارباح بحكم منافسة السلع المستوردة.

2- نسب تنفيذ الجزء الثاني من المبادة (5 تريليون دينار)

حيث تم تخصيص ذلك المبلغ (5500 مليار دينار) للقطاع الصناعي والزراعي والعقاري عبر المصارف التخصصية إضافة إلى صندوق الاسكان ووفق الآتي:

المصرف الصناعي = 1666 مليار دينار ولم يمنح سوى 114.2 مليار دينار منه.

المصرف الزراعي = 1666 مليار دينار ولم يمنح سوى 53.2 مليار دينار منه.

المصرف العقاري = 834 مليار دينار ومنح 700 مليار دينار منه.

صندوق الاسكان = 1334 مليار دينار ومنح 1209 مليار دينار منه.

وأصبح مجموع المبلغ الممنوح للمصارف أعلاه 2076 مليار دينار لتكون نسبة التنفيذ 37.74% للمدة 2016-2020.

بمعنى إن نسب التنفيذ كانت متدنية جداً بالنسبة للمصرف الصناعي ( 6.85%) والمصرف الزراعي (3.19%) وكانت جيدة بالنسبة للمصرف العقاري (83.93%) وصندوق الإسكان (90.62%) وكانت نسبة التنفيذ من المبلغ الكلي هي 37.74% فقط كما ذكرت آنفاً.

قد تعود انخفاض نسب المصرف الصناعي والزراعي إلى ضعف هذه المصارف من جانب وعدم جدوائية هذه القطاعات من ناحية اخرى، بحكم ارتفاع التكاليف وانخفاض الارباح وزيادة منافسة السلع المستوردة.

أما بالنسبة لارتفاع نسب تنفيذ المصرف العقاري وصندوق الاسكان قد تعود لسببين الاول الحاجة الماسة للسكن والثاني انخفاض الفائدة.

وإذا أردنا معرفة نسبة التنفيذ للمبادرة بجزئيها سنقوم بجمع المبالغ الممنوحة، 322 مليار دينار+ 2076 مليار دينار = 2398 مليار دينار؛ وتقسيمها على المجموع الكلي، 1 تريليون دينار + 5 تريليون دينار= 6 تريليون دينار؛ وبهذا نحصل على نسبة التنفيذ للمبادرة ككل وهي 40% تقريباً للمدة 2015-2020.

ثانياً: بعض مؤشرات الاقتصاد

هل انعكست مبادرة البنك المركزي، التي اتضح أعلاه ان نسبة تنفيذها هي 40% تقريباً؛ على اداء الاقتصاد؟

ان متابعة بعض مؤشرات الاقتصاد خلال مدة تنفيذ المبادرة سيتضح بشكل تقريبي مدى انعكس هذه المبادرة على اداء الاقتصاد.

انخفاض النمو الاقتصادي

تشير بيانات البنك الدولي إلى تذبذب النمو الاقتصادي خلال المدة 2015-2020 إلا إن الاتجاه العام كان نحو الانخفاض، حيث انخفض من 4.70% عام 2015 إلى سالب 11.30% عام 2020.

ارتفاع نسبة البطالة

حيث ارتفعت نسبة البطالة من 10.70% كنسبة من القوى العاملة عام 2015 إلى 14.20% عام 2020.

التضخم

والحق يُقال إن التضخم مع التذبذب انخفض من 1.4% سنوياً عام 2015 إلى 0.6% عام 2020، وهنا يطرح تساؤل هل يعود انخفاض التضخم الى المبادرة؟

نسبة الزراعة في الناتج

بداية الامر، انخفضت نسبة مساهمة الزراعة من 4.20% عام 2015 إلى 2.80% في الناتج المحلي الاجمالي عام 2018، ثم ارتفعت إلى 3.80% و6% عام 2019 و2020 على التوالي.

نسبة التصنيع في الناتج

كذا الحال بالنسبة للتصنيع، حيث ارتفعت بشكل طفيف من 2.18% عام 2015 إلى 2.25% عام 2016، ثم انخفضت إلى 2.18% و2.02% عام 2017 و2018 على التوالي، ثم ارتفعت إلى 2.12% عام 2019 و 3% من الناتج المحلي الاجمالي عام 2020.

قراءة في النقطتين أعلاه

تشير بعض المؤشرات، أعلاه؛ إلى انعكاس المبادرة بشكل سلبي على اداء الاقتصاد كما هو الحال في مؤشر النمو الاقتصادي والبطالة، وفي المقابل تشير المؤشرات الأخرى إلى انعكس المبادرة بشكل ايجابي على اداء الاقتصاد كما هو الحال في مؤشر التضخم والسنوات الأخيرة لنسب مساهمة الزراعة والتصنيع.

وعلى الارجح ان هذه المبادرة لم تنعكس على الاقتصاد الحقيقي بالشكل الذي يسهم في تجذير القاعدة الانتاجية وتقوية الاقتصاد لان الاقتصاد العراقي لازال أسير الهيمنة النفطية وغير متنوع انتاجياً ومالياً ولازال عرضة للأزمات الداخلية والخارجية.

ومن أجل الوقوف بشكل تفصيلي ودقيق على مدى انعكاس المبادرة على الاقتصاد العراقي، يتطلب هذا الأمر إجراء مزيد من البحوث والدراسات من قبل الجهات المعنية كوزارة التخطيط ووزارة المالية وكليات واقسام الاقتصاد والمراكز البحثية وغيرها.

واذا تبين من خلال هذه البحوث والدراسات وبشكل قاطع ان المبادرة انعكست أو ستنعكس بشكل ايجابي الاقتصاد العرقي حينئذٍ يمكن الاستمرار في هذه المبادرة بل والعمل على تطويرها، وإلا يتعين الوقوف عنها.

لكن في الواقع ان البنك المركزي استمر في الزيادات الاضافة للمبادرة دون العمل على دراسات تبين مدى انعكاس المبادرة ليتم اتخاذ موقف علمي بشأنها بعيداً عن الرغبة والظهور الاعلامي.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق