اقتصاد - مقالات اقتصادية

نظرية القيمة: نظرة على ثنائي الحقيقي والمتوهم

المبحث الأول من الفصل الأول من الجزء الثاني من كتاب بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن (3)

ومن الضروري أن نتناول قضية ثنائي الحقيقي والمتوهم بشيء من التفصيل، وأن نقوم بتسليط الضوء على الخلط الذي يحصل لكثير من العلماء بين عالمَي الثبوت والإثبات، أي بين الواقع كما هو وبين ما نتوهم أنه الواقع، أو بين العالم الخارجي وعالم الشعور به، فعند دراسة المنفعة والحاجة والإشباع من حيث كون كل منها حقيقياً أو متوهماً تتولد لدينا المعادلات التالية:

أ ـ المنفعة الثبوتية ← الحاجة الواقعية ← الإشباع الواقعي.

فالمنفعة الثبوتية هي التي توفر الإشباع الواقعي للحاجة الواقعية، وذلك كما لو عانى البدن من نقص في فيتامين C أو D، وكانا يتوفران في البرتقال أو أشعة الشمس، فأكَل البرتقال وعرّض نفسه لأشعة الشمس يومياً، فأحس بالإشباع الكامل بعد أن حصل على الكمية الكافية.

ب ـ المنفعة المتوهمة ← الحاجة المتوهمة ← الإشباع المتوهم.

فلو توهم مثلاً انخفاض نسبة السكر لديه، وتوهم حاجته إلى ممارسة الرياضة ليرفع نسبة السكر، فأحس بالإشباع فرضاً بعد الرياضة (التي تخفض عادةً نسبة السكر إذ تقوم بإحراقه)، وكذلك لو توهم منفعة التدخين في القضاء على نقص الحديد وفقر الدم، فقام بالتدخين متوهماً أنه يقضي بذلك على نقص الحديد، مع أنه لم يكن يعاني من نقص الحديد أصلاً.

وهم حل مشكلة الميزانية، بزيادة الضرائب

وفي مثال اقتصادي: لو توهمت الحكومة، كما يحصل ذلك كثيراً، أن حل مشكلة عجز الميزانية، يكون بزيادة الضرائب زيادةً كبيرةً، فزادتها، فحصل لديها إشباع متوهم (وغالباً ما يكون مؤقتاً) إثر اتخاذ هذا القرار، مع أنه قد ثبت علمياً أن الضرائب إذا زادت عن حد معين كان مردودها سلبياً؛ مما يمكن أن نصطلح عليه بـ(متناقضة الضريبة)، مستعيرين المصطلح من مصطلح (متناقضة التوفير) الذي طرحه كينز، والذي (يعني أن محاولة أي مجتمع لزيادة مدخراته قد يترتب عليها انخفاض في المبلغ الذي يتم ادخاره فعلاً)(1)، لجهتين:

الأولى: أن الضرائب المبالَغ فيها تضغط بقسوة على الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة، فينخفض مردود الحكومة من الضرائب طبيعياً، وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر إلى هذه الحقيقة بقوله:

(وَلا يَثقُلَنَّ عَلَيكَ شَيءٌ خَفَّفتَ بِهِ عَنهُمُ؛ فإنه ذُخرٌ يَعودونَ بِهِ عَلَيكَ في عِمارَةِ بِلادِكَ، وتَزيينِ وِلايَتِكَ، مَعَ اقتِنائِكَ مَوَدَّتَهُم، واسْتِجْلابِكَ حُسنَ نِيّاتِهِم، وَتَبَجُّحِكَ بِاستِفاضَةِ العَدْلِ والخَيرِ فيهِمْ، وما يُسَهِّلُ اللّهُ بِهِ مِن جَلبِهِم.

فَإِنَّ الخَراجَ لا يُستَخرَجُ بِالكَدِّ والإتعابِ؛ مَعَ أنَّها عُقَدٌ تَعتَمِدُ عَلَيها إنْ حَدَثَ حَدَثٌ كُنتَ عَلَيهِم مُعْتَمِداً لِفَضلِ قُوَّتِهِم بِما ذَخَرتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ، وَالثِّقَةِ مِنهُم بِما عَوَّدتَهُم مِن عَدلِكَ عَلَيهِم، ورِفقِكَ بِهِمْ.

فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأُمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيهِمْ مِنْ بَعْد احْتَمَلُوهُ طَيبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ.

فَإِنَّ الْعُمْرَانَ يَحْتَمِلُ مَا حَمَّلْتَهُ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ)(2).

ثانياً: أن الضرائب الكبيرة تضعف الحافز للتوسع لدى المستثمرين والمنتجين، كما تشكل حاجزاً يمنع الكثيرين من الانضمام إلى نادي المنتجين والمستثمرين، حيث يلمسون انخفاض الأرباح بنفس نسبة تصاعد الضرائب، وبذلك ينخفض حجم الاستثمار والإنتاج الكلي، بل وتنخفض الإنتاجية نتيجة ارتفاع التكاليف (الضرائب) وفقدان/ انخفاض المرونة والقدرة على تكثيف رأس المال والاستثمار في البحوث والتطوير، أيضاً فتقل الضرائب تبعاً لذلك.

ج ـ المنفعة الثبوتية ← الحاجة المتوهمة ← الإشباع المتوهم.

د ـ المنفعة المتوهمة ← الحاجة الثبوتية ← الإشباع المتوهم.

وهناك صور عديدة أخرى للتركيب بين هذه العناوين الثلاثة، فلاحظ وتدبر، فإن بعضها كثير الفائدة، ولكن بعضها غير واقع.

ب. الرغبة

ثانياً: الرغبة. فقد اعتبر بعض علماء الاقتصاد (الرغبة) هي مقياس القيمة التبادلية، باعتبارها عاملاً سيكولوجياً محدِّداً للقيمة، في مقابل أولئك الذين اعتبروا (المنفعة) أو إشباعها مصدر القيمة التبادلية، وقد مضى الرأي القائل بأن المنفعة هي المقياس، وأما (الرغبة) كمقياس للقيمة التبادلية فذلك هو ما ذهب إليه العلامة الحلي كما سيأتي، وذهب السيد الشهيد الصدر إلى أن (الرغبة) هي العنصر المشترك بين السلعتين المختلفتين في المنفعة والقيمة الاستعمالية، وأنها التي تفسر القيمة التبادلية لهما، (في ما نرى أنها إحدى العوامل وراء القيمة التبادلية أو أصل تحققها).

قال في (اقتصادنا): (وهنا يكمن الخطأ الأساسي في التحليل، فإن السلعتين المعروضتين في السوق بثمن واحد وإن كانتا مختلفتين في منفعتهما وفي خصائصهما الفيزيائية والكيميائية والهندسية، ولكنّهما بالرغم من ذلك مشتركتان في صفة سيكولوجية موجودة بدرجة واحدة فيهما معاً، وهي الرغبة الإنسانية في الحصول على هذه السلعة وتلك. فهناك رغبة اجتماعية في السرير، ورغبة اجتماعية في الثوب، ومردّ هاتين الرغبتين إلى المنفعة الاستعمالية التي يتمتّع بها السرير والثوب، فهما وإن كانا مختلفين في نوعية المنفعة التي يؤديها كل منهما، ولكنهما يشتركان في نتيجة واحدة، وهي الرغبة الإنسانية، وليس من الضروري ـ في ضوء هذا العنصر المشترك ـ أن يعتبر العمل أساساً للقيمة بوصفه الأمر المشترك الوحيد بين السلع المتبادلة ـ كما زعمت الماركسية ـ ما دمنا قد وجدنا أمراً مشتركاً بين السلعتين غير العمل المنفَق على إنتاجهما.

وبذلك ينهار الاستدلال الرئيسي الذي قدّمه لنا ماركس على قانونه، ويصبح من الممكن أن تحلّ الصفة السيكولوجية المشتركة موضع العمل، وتتخذ مقياساً للقيمة ومصدراً لها. وعندئذٍ فقط يمكننا أن نتخلّص من الصعوبات السابقة التي اعترضت ماركس، وأن نفسّر ـ في ضوء هذا العنصر الجديد المشترك ـ الظواهر التي عجز قانون القيمة الماركسي عن تفسيرها. فالخطّ الأثري والنسخة المطبوعة من تاريخ الكامل اللذان كنّا نفتّش عن الأمر المشترك بينهما فلم نجده في العمل؛ لا اختلاف كمّية العمل المنفقة فيهما، سوف نجد الأمر المشترك بينهما الذي يفسّر قيمتهما التبادلية في هذا المقياس السيكولوجي الجديد. فالخطّ الأثري والنسخة المطبوعة من تاريخ الكامل إنّما يتمتّعان بقيمة تبادلية واحدة؛ لأنّ الرغبة الاجتماعية موجودة فيهما بدرجة متساوية. وكذلك تذوب سائر المشاكل الأخرى في ضوء هذا المقياس الجديد)(3).

النسبة بين الرغبة والمنفعة:

ولكي يتضح الفارق بين الآراء، لابد من عقد مقارنة بين المنفعة والرغبة، ثم بين الحاجة والرغبة، وتحديد الفارق بينهما، والطريق هو اكتشاف النسبة المنطقية بين المنفعة والرغبة، والنسبة ـ حسب المصطلح المنطقي ـ هي العموم من وجه: فقد تكون السلعة نافعة ولا تكون للناس فيها الرغبة، وقد تكون مرغوبةً ولكن من دون أن تكون نافعة، وقد تكون نافعة مرغوبة، وقد لا تكون نافعة ولا مرغوبة، فهذا عن النسبة بين أصل المنفعة وأصل الرغبة، وكذلك النسبة بين كثرة المنفعة وكثرة الرغبة (شدة الرغبة وزيادتها) فهي العموم من وجه أيضاً، فقد تكثر المنفعة بينما تقلّ الرغبة، وقد تقلّ المنفعة فيما تزداد الرغبة، وقد يزدادان معاً، وقد ينقصان معاً.

والسر في ذلك: أن علل المنفعة وأسباب ازديادها كثيراً ما تختلف عن علل الرغبة أو ازديادها، فبينما تكون عوامل المنفعة واقعية تجد عوامل الرغبة تتوزع بين الواقعية(4) والعادة، ثقافية والسيكولوجية، أو شبه ذلك.

ويكفي أن نمثل على المستوى الشخصي: بأن منفعة الدراسة في الجامعة قد تنخفض، نظراً لانخفاض مستوى التعليم واستبدال الطاقم التدريسي الكفء بكفاءات أخرى أقل مستوىً، أو قد تنخفض بالنسبة؛ نظراً لوجود بدائل أفضل كالمعاهد أو التعليم عن بعد، بينما تزداد رغبة الشباب في الالتحاق بها، وبالعكس قد تزداد منافع الجامعات لكن تجد رغبة الشباب فيها بمرور الزمان متناقصة؛ لانشغالهم باللهو الترفي أو باهتمامات أخرى أو نتيجة إغراء العمل واستقطاب المصانع لهم، كونها تحتاجهم كعمال أكثر مما تحتاجهم كخبراء مثلاً.

وأما على المستوى العام: فقد تزداد منفعة الصناعة بينما تزداد رغبة الناس في الزراعة، لعوامل مختلفة قد يكون منها: أن سياسة الدولة إذا اتجهت نحو تنشيط القطاع الزراعي مثلاً فإنها تقوم بحملة إعلامية واسعة لتشجيع الناس على الزراعة، وقد تُقدّم تسهيلات منوعة للناس، رغم أن (الصناعة) قد تكون هي الأنفع للبلد في هذه المرحلة من التنمية، وأما الحكومة فإنها قد تتجه إلى القطاع الزراعي رغم علمها بكون القطاع الصناعي هو الأنفع لها، لأسباب عديدة قد يكون منها ضغوط الدول الأخرى الصناعية، التي تحتاج بشدة إلى المنتوجات الزراعية والمواد الخام، أو التي لا تريد لهذه الدولة الفتية أن تنافسها في منتوجاتها الصناعية. بل قد تكون قلة الرغبة في الصناعة رغم كونها أنفع تعود ببساطة إلى الجهل بأهمية الصناعة.

وهكذا نجد في كل هذه الصور أن المنفعة الواقعية الأكبر انفكت عن الرغبة، إذ اتجهت الرغبة نحو الأقل نفعاً، بل وفوق ذلك قد تتجه الرغبة نحو الضار، رغم علم الإنسان بكونه ضاراً، ورغم وجود البدائل النافعة، لأسباب عدوانية أو شهوانية أو غيرهما، كما نرى ذلك بوضوح في اتجاه بعض الناس نحو الاقتصاد الأسود واقتصاد الجريمة والمخدرات، والإرهاب، والمجون والدعارة.

والشاهد الآخر: أن المنافسة الكاملة والاحتكار، بدرجاته، يشكلان عاملاً مؤثراً في انخفاض أو ارتفاع الأسعار، وكلاهما عامل شعوري، أي أنهما لا يؤثران إلا لدى العلم بهما، فمع العلم بالاحتكار ترغب النفوس في البضاعة النادرة أكثر وإن لم تكن عظيمة المنفعة، خوفاً من ضياع فرصة الحصول عليها إذا سبق آخرون إليها فاستحوذوا عليها، ومع الرغبة الأكبر والطلب الأكثر ترتفع أسعارها أكثر وتزداد قيمتها التبادلية، كما أنه مع العلم بتحقق المنافسة الكاملة تتضاءل الرغبة في البضاعة الوفيرة، أو تبقى كما هي، وإن كانت عظيمة المنفعة نظراً لاطمئنانهم بالحصول عليها متى شاءوا، وذلك يؤثر في الأسعار أيضاً نظراً لحاجة كثير من الباعة إلى تسويق بضاعتهم قبل الآخرين كي لا تبقى بضاعتهم كاسدة، أو لحاجتهم الماسة إلى سيولة، لذلك يضطرون لخفض الأسعار ليكسبوا المتسوقين قبل أن يسبقهم غيرهم.

ومن هذا العلم ومن تلك الرغبة، تنشأ درجات من القيم التبادلية، فليست القيمة التبادلية وليدة المنفعة الواقعية (القيمة الاستعمالية) فحسب، بل إن نقطة التوازن بينها وبين الرغبة، إضافةً إلى سائر العوامل، هي التي تحدّد القيمة.

رأي العلّامتين الحلي والطوسي

وأما العلامة الحلي (م 726 هـ / 1325م) في شرحه على تجريد الاعتقاد للمحقق العظيم نصير الطوسي (م672هـ / 1274م) فقد ذهب إلى أن القيمة التبادلية للأشياء ورخصها وغلاءها مرتهن بعاملين معاً: قلة وكثرة السلع، مع قلة وكثرة رغبة الناس فيها، إضافة إلى الاحتكار وشبهه، قال: (واعلم أن كل واحد من الرخص والغلاء قد يكون من قبله تعالى، بأن يُقلل جنس المتاع المعين ويُكثر رغبة الناس إليه فيحصل الغلاء لمصلحة المكلفين، وقد يُكثر جنس ذلك المتاع ويقلل رغبة الناس إليه تفضلاً منه وإنعاماً أو لمصلحة دينية فيحصل الرخص، وقد يحصلان من قبلنا بأن يحمل السلطان الناس على بيع جميع تلك السلعة بسعر غال ظلماً منه، أو لاحتكار الناس أو لمنع الطريق خوف الظلمة أو لغير ذلك من الأسباب المستندة إلينا فيحصل الغلاء، وقد يحمل السلطان الناس على بيع السلعة برخص ظلماً منه، أو يحملهم على بيع ما في أيديهم من جنس ذلك المتاع فيحصل الرخص)(5).

فالمقياس لديه إضافة للقلة والكثرة الواقعية هو (الرغبة) لا المتعة والألم وشبههما، نعم قد يقال: إن الرغبة هي الوجه الآخر للمتعة، فإنه ما لم يستمتع به لا يرغب فيه(6).. ولو كان ذلك كذلك، فإن العلامة الحلي يكون قد سبق (بنتام) في نظريته عن الأسعار والقيم التبادلية بحوالي خمسة قرون، مع فارق أن العلامة لم يعتبر الرغبة عاملاً وحيداً محدداً للقيمة.

وقال العلامة الطوسي: (المسألة السابعة عشرة في الأسعار: والسعر تقدير العوض الذي يباع به الشيء، وهو رخص وغلاء، ولابد من اعتبار العادة واتحاد الوقت والمكان ويستند إليه تعالى وإلينا أيضاً)، وعلق عليه العلامة الحلي بقوله: (السعر هو تقدير العوض الذي يباع به الشيء وليس هو الثمن ولا المثمن، وهو ينقسم إلى رخص وغلاء، فالرخص هو السعر المنحط عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت والمكان، والغلاء زيادة السعر عما جرت به العادة مع اتحاد الوقت والمكان. وإنما اعتبرنا الزمان والمكان لأنه لا يقال: إن الثلج قد رخص سعره في الشتاء عند نزول الثلج؛ لأنه ليس أوان بيعه، ويجوز أن يقال: رخص في الصيف إذا نقص سعره عما جرت به عادته في ذلك الوقت، ولا يقال: رخص سعره في الجبال التي يدوم نزوله فيها لأنها ليست مكان بيعه، ويجوز أن يقال: رخص سعره في البلاد التي اعتيد بيعه فيها)(7).

أقول: (السعر) لدى العلامة الطوسي والعلامة الحلي هو نفس القيمة التبادلية في مصطلح علم الاقتصاد المعاصر، بل أن السعر في استعمالات الروايات وحتى في العرف العام هو كذلك.

ج. الحاجة

ثالثاً: وقد اعتبر بعض العلماء (الحاجة والإشباع) هي المحدد للقيمة التبادلية، إذ كلما ازدادت حاجة الفرد أو المجتمع إلى سلعة أو خدمة، استعدوا لأن يبذلوا مبلغاً أكبر بإزائها، مهما كانت منفعتها، ولكن يجب تحديد الفارق بين الرغبة (وهي العامل السابق) والحاجة (وهي هذا العامل) فنقول:

النسبة بين الرغبة والحاجة

وأما النسبة بين (الرغبة) و(الحاجة)، فإن بعض علماء الاقتصاد يرى التلازم بينهما، وأن كل حاجة تستدعي رغبة، وكل رغبة تنبع عن حاجة، لكن الصحيح أن (الحاجة) أمر مغاير لـ(الرغبة) وغير ملازم له.

وبعبارة فلسفية: الحاجة أمر ثبوتي واقعي غير منوط بالعلم والجهل والحب والبغض، ولا بالرغبة في الشيء أو الزهد فيه، فقد تكون ثمّةَ حاجة ولا توجد رغبة، وأما الرغبة فهي أمر إثباتي أي شعوري وقد لا تنبع عن حاجة.

وبعبارة منطقية: النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، فقد تكون بأمس الحاجة إلى ممارسة الرياضة وتناول الفواكه والخضروات التي تحتوي على معادن أو فيتامينات ضرورية، ولكنك رغم ذلك لا تستشعر أبداً الرغبة في تناولها أو في ممارسة الرياضة، وقد ترغب في المخدرات أو في تناول السكريات مع أنك غير محتاج إليها بالمرة، بل قد تكون محتاجاً إلى خفضها أو حتى إلى مضاداتها.

نعم، لو عمّمنا الحاجة إلى كل من الحاجة الحقيقية والحاجة المتوهمة أو الشعورية، فحينئذٍ تصح لدينا القاعدة التالية: (كل رغبة هي عن حاجة نفسية شعورية أو واقعية)، ولكن لا يصح عكس القاعدة: أي (كل حاجة فهي محفزة للرغبة)، إذ ليس الأمر كذلك، فقد يكون الشخص محتاجاً حقيقةً أو قد يتوهم حاجته إلى ممارسة رياضة التايكوندو أو إلى السفر في مجاهيل الصحراء لاكتشاف منجم الماس أو ذهب مثلاً، لكنه لا يشعر بالرغبة في ذلك أبداً.

فهذا من جهة، ومن جهة أخرى: أن المنفعة قد تكون مطلقة نوعية لعامة الناس، وقد تكون إضافية لشخص دون آخر أو للشخص دون النوع؛ فإن منفعة الشيء بما هو هو وفي حد نفسه قد تكون ضئيلةً، لكنها تكون بالنسبة لهذا الشخص الخاص ـ خلافاً لعامة الناس أو للمتوسط منهم ـ منفعة كبيرة جداً. وقد تكون المنفعة كبيرة جداً، لكنها تكون بالنسبة لهذا الشخص المعين ضئيلة. وقد لا يجد عامة الناس في هذا الشيء منفعة أصلاً، لكن أحدهم يجد فيها منفعة ما وقد يجد فيها حتى أكبر المنفعة.

فهذا عن الرغبة والمنفعة والحاجة، وأما الإشباع فنقول:

الإشباع والقيمة التبادلية:

قد يقال: إن القيمة التبادلية هي وليدة الإشباع الحقيقي أو المتوهم، فحيث يجد شخص ما في البضاعة التي هي بحوزة الغير أو في ملكيته (كالمنزل أو السيارة أو الساعة أو الحذاء أو القبعة أو الفاكهة أو...) إشباعاً لحاجته إلى السكن أو النقل أو ضبط الوقت أو غير ذلك، لذلك فإنه يبذل مبلغاً من المال أو بضاعة أخرى أو خدمة، للبائع الذي بدوره إنما يتقبل المعاوضة عليها، لأنه يجدها مُشبِعة لحاجته إلى المال أو إلى البضاعة أو الخدمة الأخرى، فالقيمة التبادلية يغذيها الإشباع المتبادل.

لكن (الإشباع) وكما سبق، هو الوجه الآخر (للمنفعة)، أي أنه الناتج عنها، فلأن هذه السلعة أو الخدمة تمتلك منفعة حقيقية لذلك توفّر له إشباعاً حقيقياً، أو لأنه يجد فيها منفعةً متوهمة لذلك توفر له إشباعاً متوهماً، نعم قد يتولد الإشباع الحقيقي من المنفعة المتوهمة، وذلك كلما كان الإشباع تعبيراً عن حاجة سيكولوجية.

النسبة بين الإشباع والحاجة

وبذلك تتضح أيضاً: العلاقة بين (الإشباع) و(الحاجة)، فإن الإنسان حيث يحس بالحاجة إلى جهاز الحاسوب أو إلى الدرّاجة أو إلى حبال التسلق و...، لذلك فإنه يجد الإشباع في تملّكها أو حيازتها أو التصرف فيها أو استهلاكها أو إجراء المبادلة عليها، فـ(المنفعة الكامنة في الشيء هي التي تشبع الحاجة لدى الشخص)، ولذلك فهي الأساس للقيمة التبادلية كما سبق.

وبعبارة أخرى: (إن حاجته يشبعها بما في تلك السلعة من منفعة)، لذلك يوقع عملية (التبادل) عليها.

وبعبارة ثالثة: (إن إشباع حاجته إنما يكون بالمنفعة التي في الخدمات والسلع).

وبعبارة رابعة: (حاجته تدفعه لإشباعها بتلك المنفعة) وذلك عبر المبادلة.

فالمعادلة هي: المنفعة ← الحاجة ← الإشباع /. والحاجة ← المنفعة ← الإشباع.

المنفعة، اقتصادياً، تشمل الأمر الضارّ

وقال السيد الشهيد العم: (وسائل الإشباع: أما وسائل إشباع هذه الحاجات فيطلق عليها ـ عند الاقتصاديين الرأسماليين ـ اسم (السلع) و(الخدمات)، فالسلع وسائل الإشباع للحاجات المحسوسة الملموسة كالقمح، الأرز، الرمان.. والخدمات وسائل الإشباع للحاجات المحسوسة غير الملموسة كالهندسة، الطب والتعليم...

أما الذي يجعل السلع والخدمات صالحة للإشباع فهو ـ عندهم ـ (المنفعة) حتى إذا توفرت في شيء جعلته صالحاً للإشباع، فالشيء النافع ـ اقتصادياً ـ كل ما يُرغب فيه، سواء أكان مضراً أم نافعاً لدى الرأي العام وفي نظر الدين والأخلاق، فإنه يعتبر نافعاً مادام هنالك راغب يبذل بإزائه الثمن، فـ(الخمر) سلعة نافعة ـ من الوجهة الاقتصادية الرأسمالية ـ كما أن (الزنا) خدمة نافعة في نظرها، و(الحانات) و(المواخير) لا تختلف عندها عن المطاعم والمستشفيات...

فكلها يشبع الحاجات ويؤدي إنتاجاً شريفاً في رأي الاقتصاد.

فالاقتصاد ينظر إلى الأشياء من الزاوية المادية فحسب، ولا يطلّ على المجتمع من فوق، حيث يشرف على الجميع في نظرة واحدة حتى يستطيع مقايسة المنافع بالمفاسد ليضع كل شيء في موضعه.

هكذا يرى الراقصة والمعلمة تخدمان الاجتماع، وتنتجان ما يجد راغباً يبذل له الثمن، كما يوقف المقامر بجانب الفلاح فكلاهما ينتج ما يُشبع رغبة، وبعد ذلك فلا يفرق بينهما شيء!)(8).

وجاء في كتاب (الاقتصاد السياسي) للدكتور عزمي رجب: (لهذا التعبير "يعني المنفعة" مفهوم في اللغة الاقتصادية يختلف عن المعنى المعروف في اللغة الجارية، فإن الشيء النافع أو المال النافع في الاصطلاح الاقتصادي هو كلُّ ما يلبِّي حاجة أو رغبة عند المرء، ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها، بغضِّ النظر عمَّا إذا كان هذا الشيء نافعاً أو ضاراً في حدِّ ذاته، فقد يكون المال المطلوب ضاراً من الوجهة الصحية كالتبغ مثلاً، ولكنه يعتبر نافعاً من الناحية الاقتصادية عندما يقوم بقضاء حاجة لدى راغبه، ومن هنا كان تقدير منفعة الأشياء ومدى هذه المنفعة أمراً شخصياً يختلف باختلاف الأشخاص وميولهم وحاجاتهم)(9).

المناقشة:

1. النقض: بالاقتصاد الأسود

أقول: سنتناول ذلك بالبحث في فصل الاقتصاد الأسود واقتصاد الجريمة، وفي فصل الناتج المحلي الإجمالي أيضاً، ونقول هنا بإيجاز: إنه كما أن (اقتصاد الجريمة) كتهريب المخدرات والتجارة بالبشر والاتجار بأنواع العبودية الجنسية، مع أنه يوفر منفعة للطرفين، لا يعده علماء الاقتصاد في حسابات إجمالي الناتج المحلي (GDP) رغم أنه واقعاً، جزء مكوّن لها، كذلك لا ينبغي أن يعدّ خدمة اقتصادية ولا منفعة.

وقد سبق أن المنفعة إما ثبوتية أو إثباتية متوهمة، ولا يصح أن تكون المنفعة المتوهمة (خاصة إذا كانت ضارة واقعاً) مدار علم الاقتصاد إلا بالقدر الذي يصح لنا أن نعتبر السطو المسلح أو الغش والاحتيال سلعة اقتصادية، لأنها تشبع حاجة وتوفر للمحتالين واللصوص منفعة، وكما يعدّ بعض علماء الاقتصاد القمار والزنا خدمة نافعة، رغم أضرارها، فهي سلعة اقتصادية يجب أن يدفع بإزائها الثمن، كذلك عليهم أن يعدّوا السرقة المقنعة وغير المقنعة وتزوير العملة والغش سلعاً اقتصادية تحمل قيماً تبادلية، ويجب أن يدفع بإزائها الثمن؛ لبداهة أن كثيراً من الناس على استعداد لأن يبذل لأحد الإرهابيين أو لإحدى العصابات مالاً لقاء خدمة اغتيال مفكر أو تاجر أو معارض، كما تراهم على استعداد لأن يدفعوا مالاً (ورشوة) لمسؤول في المصرف ليختلس من حسابات العملاء ويصبها في حساباتهم، أو أن يعطوا لمسؤول حكومي مبلغاً كي ترسو المناقصة أو المزايدة(10) الحكومية عليهم رغم افتقادهم للشرائط.

ولكن ذلك كله يعود إلى الجهات المعيارية، لا الموضوعية، ولكن ومن جهة أخرى: فإن الجهات المعيارية هي التي يراها العقلاء حاكمة على الجهات الموضوعية أو الذاتية في أمثال هذه السلع، وإلا فمع قطع النظر عن الجهة المعيارية فإن كافة الجرائم وما يضر بالإنسان والبيئة تكون سلعاً اقتصادياً نافعة لشخص ما إذا أشبعت لديه حاجة ورغب في أن يبذل ثمناً بإزائها، ولو كانت تلك الخدمة تدمير مجرم مستأجَر من قبل جهة إرهابية، لمدينة مكتظةٍ بالسكان بتفجيرٍ نووي أو حرقها بقنابل كيماوية أو إفنائها بصواريخ جرثومية(11).

2. الحلّ: النظرة التجزيئية للسلعة الاقتصادية

وبتعبير آخر: أن مصطلح السلعة الاقتصادية "Economic good" مبتنٍ على نظرة تجزيئية، فهو وإن كان أمراً موضوعياً لكنه متفرع عن مبدأ معياري، وهذه معادلة بالغة الأهمية قد يغفل عنها معظم الدارسين، وإجمالها: أن علم الاقتصاد هي:

أ. إذا اعتبر الفرد، بمعزل عن المجتمع، المحور واعتبر مصلحته الشخصية هي المدار، كانت (السلعة الاقتصادية) هي كل سلعة نادرة(12) تحقق إشباعاً للشخص ومنفعة له، لذلك يوقع عليه عملية التبادل، وقد جرى تعريفها بـ (هي سلع شحيحة مقارنة بالكمية الإجمالية المرغوب فيها منها، وبالتالي لابد من تقنينها، ويتم ذلك عادة بفرض ثمن لها)(13).

فإذا اعتبرنا الشخص هو المحور، وقصدنا بـ(المرغوب فيها) المرغوب فيها برغبة شخصية، واعتبرنا منفعته هي المقياس (وهو منطلق مذهبي معياري)، فإن قائمة طويلة من دائرة الاقتصاد الأسود واقتصاد الجريمة، ستدخل في السلع الاقتصادية موضوعياً، وإن كانت ممنوعة قانونياً ومحرمة شرعياً.

ب. وأما إذا اعتبر علم الاقتصاد المجتمع هو المحور ورغبته ومنفعته وحاجته هي المقياس.

ج. أو اعتبر المحور والمقياس هو مجموع رغبات ومنافع ومصالح وحاجات الفرد والمجتمع، بعد القيام بعملية الكسر والانكسار بينهما، أي المفاضلة بين الكفتين والمراجحة بين الطرفين.

د. أو إذا اعتبر مجموع رغبات ومصالح الشخص ومضاره الجسمية والنفسية والعقلية والروحية، هي المحور والمقياس، (وهذه الثلاثة أيضاً معايير مذهبية تتنوع بين قانونية وشرعية وأخلاقية)، فإن تعريف (السلعة الاقتصادية) موضوعياً، سيكون مختلفاً تماماً عن تعريفها لدى اختيار المذهب الشخصي كمعيار مبدئي، وعليه لا تكون أي من السلع الضارة بالمجتمع أو بالفرد نفسه في إحدى جنبات شخصيته، (سلعاً اقتصادية) موضوعياً.

وقال السيد الشهيد (إن تقديس حاجات الإنسان سواء أكانت حاجات ضرورية أم كمالية، وتقرير الحق لكل فرد في إشباعها إشباعاً كاملاً، غير صحيح! فالمشكلة التي يعالجها النظام الاقتصادي ليست هي إشباع مطلق الحاجات، وإنما المشكلة الأساسية التي يجب معالجتها فوراً وقبل كل شيء هي إشباع جميع الحاجات الضرورية لجميع الأفراد فرداً فرداً إشباعاً كلياً، فإذا تمت معالجة هذه المشكلة يأتي دور التفكير في إشباع قسم معين من الحاجات الكمالية. أما حاجة الفرد إلى الخمر والرقص والغناء والبغاء فهي ليست بحاجة، وإنما هي شهوة جامحة يجب كبتها حرصاً على إشباع الحاجات الضرورية للآخرين وحماية للاجتماع.

ولو أطلقنا حق إشباع الحاجات الكمالية كلها لبقيت الحاجات الضرورية لأكثر الناس معطلة كما هي كذلك الآن)(14).

د. المنفعة الحدية هي المحدد للقيمة الاستعمالية

رابعاً: أن (المنفعة الحدية) هي التي تحدد القيمة التبادلية، خلافاً للرأي الذي يرى أن المعدل المتوسط للوحدات الحاملة للمنفعة هي التي تنهض بتحديد القيمة التبادلية، وللرأي الذي يرى أن القيمة الاستعمالية لكل وحدة هي التي تحدد قيمتها التبادلية، إذ (أكدت المدرسة الحدية أن تحليل القيمة عند الكلاسيك يتسم بالنقص والاضطراب، لأنه أغفل دور المنفعة والطلب، أي الجانب الشخصي في تحديد القيمة. فالقيمة عند الكلاسيك شيء موضوعي بحت، ولذلك ركزوا على العرض دون الطلب، فيما ترى المدرسة الحدية أن القيمة تحددها بالدرجة الأساسية المنفعة الحدية للسلعة موضوع التبادل، ولذا ركز الحديون على التبادل بوصفه جوهر الاقتصاد السياسي، بدلاً من الإنتاج الذي كان موضع اهتمام الكلاسيك... وقد نقلت هذه المدرسة الاهتمام الأساسي من البائع إلى الاهتمام الأساسي بالمشتري، ومن الاهتمام الأساسي بالتكلفة إلى الاهتمام الأساسي بمنفعة المستهلك، ومن الاهتمام بالعرض إلى الاهتمام بالطلب.

تستند الفلسفة للمدرسة الحدية إلى أنه من الممكن استخلاص القوانين الاقتصادية بالنظر إلى شخص أو فرد معين هو (الرجل الاقتصادي) الذي نفترض أنه يخضع فقط للدوافع الاقتصادية، بحيث لا يصدر عن سلوكه أي دافع آخر غير اقتصادي، وأنه يسعى إلى تحقيق أكبر نفع ممكن بأقل جهد ممكن... ويعد الحديون أن قيمة السلع تتحدد من خلال منفعتها وليس من خلال العمل المنفق في إنتاجها، بمعنى آخر: أن قيمة سلعة تزيد عن قيمة سلعة أخرى لأن منفعتها بالنسبة للمستهلكين أكبر من السلعة الثانية، والعكس صحيح. إذن فإن قيمة المواد تتحدد استناداً إلى المدرسة الحدية، بمنفعتها الحدية لا بالعمل. والمنفعة الحدية بالنسبة لهم، هي المنفعة المترتبة عن استهلاك آخر وحدة من السلعة المستهلكة. وهذه المنفعة تخضع للتناقص، وأن هذه المنفعة تتحدد بندرة السلعة. أو هو الإشباع الذي تحققه الإضافة الأخيرة التي يحصل عليها الإنسان من ذلك الاستهلاك، والذي تكون الرغبة فيه عند أدنى مستوياتها. فآخر رغيف متاح من الخبز في أوقات المجاعة تكون له قيمة كبيرة جداً ويمكن أن يكون سعره مرتفعاً جداً. أما في ظروف الوفرة فتكون قيمته متدنية جداً. وفي ظل الظروف العادية فإن الماء يكون متاحاً بوفرة والكوب الأخير منه تكون منفعته قليلة جداً)(15).

(ثم ظهرت نظرية المنفعة التي تربط القيمة بمقدار منفعة السلعة، ثم تطورت إلى المنفعة الحدية، أي أن تغير القيمة يتغير بمقدار المنفعة بين الوحدات الأولى من السلعة، وبالقياس مع الوحدة الأخيرة عملاً بما يسمونه قانون تنافس المنفعة.

وقد هوجمت النظرية لإهمالها عنصر العرض، ولاقتصار صياغتها على المدى القصير "زمن التبادل" ثم جاءت تعديلات مارشال فأدخل جانب الإنتاج وعنصر الزمن إلى المنفعة الحدية مستخلصاً القيمة من أنواع العرض المركب والمتصل والريع الإنتاجي، إلا أن الحديث ظل يدور ضمن المحتوى نفسه ولكن بشكل جديد(16))(17).

كما ناقش علماء آخرون النظرية الحدية بوجوه عديدة، فقد (افترضت المدرسة الحدية أنه يمكن استخلاص القوانين الاقتصادية بالنظر إلى رجل اقتصادي يخضع في سلوكه إلى دوافع اقتصادية محضة، ولا يستجيب في ذلك إلا إلى المنطق الدقيق والموازنة بين الآلام والمنافع. وقد أوضح بعض الاقتصاديين أن الإنسان لا يوجد معزولاً عن بيئته، وأن هذا الرجل المجرد لا وجود له في الواقع، وأن كل شخص يتأثر بالنظم الموجودة في بيئته. فضلاً عن ذلك فقد أوضح اقتصاديون آخرون: أن الإنسان لا يخضع في سلوكه حتى لو كان اقتصادياً لدوافع اقتصادية بحتة، بحيث تتدخل دوافع أخرى حتى في النظام الاقتصادي، ولذلك لا يجب إهمال هذه الدوافع في التحليل. وأخذت على هذه المدرسة أيضاً أنها تفترض خضوع الإنسان في استجابته للدافع الاقتصادي لتفكير منطقي دقيق ولمجهود عقلي منضبط، والواقع أن هناك من يبتعد سلوكهم عن ذلك... وعلى أساس النظرية الذاتية في القيمة فإن الهدف النهائي لنظام الإنتاج هو بيع السلعة للمستهلك، وبذلك يكون هو النقطة الأخيرة والمحطة النهائية لكل العملية الاقتصادية. والسعر يتحدد بناءً على درجة احتياج المستهلك للسلعة، وبالتالي تتحدد تكاليف الإنتاج بناءً على السعر الذي يقبل أن يدفعه المستهلك. المستهلك بقراره الشرائي هو الذي يحدد كل عملية الإنتاج، وبذلك تكون له السيادة.

الحقيقة أن المستهلك في ظل الإنتاج الصناعي ليست له تلك السيادة المدعاة، لأنه مجبر على تطويع احتياجاته مع ما يطرحه الإنتاج، إذ تتعرض السلع الاستهلاكية لتوحيد المقاييس، وعلى المستهلك أن يتكيف معها... وتفترض المدرسة الحدية أن المنتج بائع مباشر للمستهلك، والمشتري مستهلك مباشر وأخير للسلعة. وهذا يلغي دور السوق وينظر إلى المعاملات النقدية على أنها مجرد وسيط للتبادل، ومن ثم تأتي نظرية المنفعة الحدية وتقول: إن سعر السلعة بما يتضمنه هذا السعر من تكاليف إنتاج، يتحدد بالقياس على أقل سعر لآخر وحدة منها، وأقل سعر هو أقل ما يمكن أن يدفعه المستهلك فيها، وهي بذلك تفترض أن المنتج هو الذي يباشر عملية البيع مباشرة للمستهلك، وهذا غير صحيح. هذا الإلغاء للسوق بوصفه وسيطاً بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير يتم على مستوى النظرية فقط، والواقع عكس ذلك تماماً...

(يقول الاقتصادي "مارشال": إن المدرسة الحدية تمثل نصف الحقيقة في عملية تقرير القيمة في تعبيرها الاقتصادي المعبر عنه بالأسعار. أما الحقيقة فلا تأتي إلا بتزاوج الطلب الذي تقف وراءه المنفعة الحدية وهذه هي قيمة الاستعمال، والعرض الذي تقف وراءه تكاليف الإنتاج وهذه هي قيمة التبادل. وينتج عن هذا أن السعر يقرره تفاعل كل من الطلب والعرض معاً بغض النظر عن طبيعة السوق. ثم إن للوقت تأثيره على الأهمية النسبية لطرفي تقرير الأسعار: ففي المدى القصير يكون الطلب هو المهيمن، فيما تزداد الأهمية النسبية للعرض كلما امتدت المدة الزمنية)(18).

* القسم الثالث من نظرية القيمة، من الفصل الأول من الجزء الثاني، من كتاب بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن، وهو موسوعة في الاقتصاد الاسلامي من ثلاثة أجزاء لسماحة السيد مرتضى الشيرازي

................................................
(1) بول سامويلسون، الاقتصاد، ترجمة هشام عبد الله، الدار الأهلية للنشر والتوزيع ـ عمان: ص785.
(2) السيد صادق الموسوي، تمام نهج البلاغة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت: ج7 ص416 ـ 417.
(3) السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، انتشارات دار الصدر: ص222 ـ 223.
(4) أي المنفعة الواقعية.
(5) العلامة الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ج1 ص342 ـ 343.
(6) وقد يقال: النسبة بين المتعة والرغبة هي العموم من وجه، وهو كذلك إلا أن نعمم المتعة للمرغوب فيه وإن كان مؤلماً، لأنه يوجِد نوع متعة ولو من نوع آخر، فتأمل.
(7) العلامة الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق الآملي: ص٤٦٤.
(8) السيد حسن الشيرازي، الوعي الإسلامي: ص22-23.
(9) الاقتصاد السياسي: ص23،
السيد علي الموسوي السبزواري، الاقتصاد الإسلامي، منشورات مكتبة السيد السبزواري ـ النجف الأشرف: ج1 ص272.
(10) المزايدة لدى بيع ممتلكات الحكومة أو في عرض إحدى الصناعات الحكومية للمستثمرين، والمناقصة في مشتريات الحكومة من الصناعيين وغيرهم.
(11) ذكرنا في بحث آخر وجهاً اقتصادياً آخر.
(12) مقابل السلع الحرة والمجانية المتوفرة بكثرة بالغة، كالهواء ومياه البحار وشبه ذلك.
(13) بول سامويلسون، الاقتصاد، ترجمة هشام عبد الله: ص774.
(14) السيد حسن الشيرازي، الوعي الإسلامي: ص50.
(15) د. نبيل جعفر عبد الرضا، تطور الفكر الاقتصادي من أفلاطون إلى فريدمان، مؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت: ص142-143 و181-182.
(16) فاضل الحسب، إضافات مارشال ومساهماته في تطوير نظرية الإنتاجية الحدية، مجلة البحوث الإدارية والاقتصادية، السنة السادسة، العدد الأول 1978م: ص284.
(17) د. عبد الأمير كاظم زاهد الميّاحي، الأسس الفكرية للتنمية المستدامة في الإيديولوجيا الإسلامية المعاصرة: ص248-249.
(18) د. نبيل جعفر عبد الرضا، تطور الفكر الاقتصادي من أفلاطون إلى فريدمان: ص186-187-188.

اضف تعليق