يمثل سعر الصرف أحد السياسات التي يمكن أن تلجأ إليها الحكومات لمعالجة مشكلة اقتصادية ما يعاني منها البلد، كما حصل في العراق بعد عام 2003 وكان آخرها عام 2020.

حيث أقدمت الحكومة العراقية عبر وزارة المالية وبالاتفاق مع البنك المركزي على تخفيض قيمة الدينار العراقي مقابل رفع سعر الدولار الأمريكي إلى 1450 بدلاً من 1182 في نهاية عام 2020، وذلك لأسباب تمويلية (تمويل العجز) ونقدية (الحفاظ على الاحتياطي الأجنبي) واقتصادية (تحسين تنافسية الإنتاج الوطني) على مستوى الأجل المتوسط فضلاً عن البعيد.

مصدر الدولار، الدولة أم القطاع الخاص؟

بحكم امتلاك العراق احتياطي نفطي كبير يُقدر بأكثر من 145 مليار برميل، ويُنتج أكثر من 4 مليون برميل يومياً، ويُصدر أكثر من 3400 ألف برميل يومياً، عام 2020، أصبح الاقتصاد العراقي اقتصاد نفطي.

حيث يعتمد على النفط بنسب كبيرة، أكثر من 40% من الناتج وأكثر من 90% في الايرادات العامة، وأكثر من 99% في الصادرات السلعية.

كما تهيمن الدولة على النفط، حيث تُقيّد جميع الايرادات النفطية الدولارية في باب الايرادات العامة للموازنة بعد تحويلها إلى الدينار العراقي ليتم تغذية النفقات العامة.

وإن إهمال القطاع الخاص، بفعل عدم وجود بيئة استثمارية جاذبة للاستثمار الخاص الوطني فضلاً عن الأجنبي، يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار تباعاً وانخفاض التنافسية والصادرات السلعية الأخرى وانخفاض المردودات الدولارية للقطاع الخاص أخيراً.

ونظراً لاعتماد الاقتصاد على النفط من جانب، وهيمنة الدولة على النفط من جانب ثانٍ، وإهمال القطاع الخاص من جانب ثالث، أصبحت الدولة هي المصدر الرئيس للدولار في الاقتصاد العراقي.

الآلية

حيث تقوم الدولة بتصدير النفط عبر وزارة النفط وشركة سومو بالتحديد، وتستلم وزارة المالية الدولار النفطي، وبما إنها تحتاج الدينار العراقي لتمويل الموازنة العامة ستقوم ببيع الدولار مقابل الحصول على الدينار العراقي.

وفي الوقت ذاته، يقوم البنك المركزي بشراء الدولار بسعر محدد (سعر صرف رسمي) من وزارة المالية باعتبارها المصدر الرئيس للدولار، ثم يقوم ببيعه عبر نافذة العملة من أجل إشباع الطلب على الدولار وتحقيق استقرار سعر الصرف الذي يمثل أحد أهداف البنك المركزي.

وعلى افتراض إن البنك المركزي لم يدخل كبائع للدولار، عند هذه اللحظة سنلاحظ ارتفاع كبير في سعر صرف الدولار، بحكم زيادة الطلب على الدولار لتلبية الاستيرادات، وإن المصدر الرئيس للدولار هي الدولة ويقوم البنك المركزي بشرائه منها، ولا يستطيع القطاع الخاص إشباع الطلب على الدولار لأنه ضعيف بالأساس كما ذُكر آنفاً، ولذلك فإن سعر الصرف في العراق ليس حقيقي.

سعر الصرف الحقيقي يتحدد بقوى العرض والطلب الحقيقية

لان السعر الحقيقي لسعر الصرف يتحدد وفقاً لقوى العرض والطلب في السوق بدون تدخل البنك المركزي، بمعنى إنه يعكس واقع الاقتصاد، هل هو اقتصاد قوي أم ضعيف؟ لان الاقتصاد القوي سيكون قادر على توفير الدولار من خلال قدرته على التنافسية وزيادة التصدير وتوفير الدولار بما يحقق التوازن مع الطلب عليه.

والعكس صحيح، كما هو حال العراق، نظراً لضعف اقتصاده الحقيقي بعيداً عن الدولة فهو لا يستطيع توفير الدولار بما يحقق التوازن لأنه فاقد للإنتاج والتنافسية والتصدير بل يستورد معظم المنتجات من الخارج مما يعني هناك زيادة في الطلب على الدولار لأجل إشباع الاستيراد مقابل ضعف عرض الدولار من قبل الاقتصاد الحقيقي، وفي حال لم يتدخل البنك المركزي لتوفير الدولار في السوق لأرتفع سعر الدولار لأرقام قياسية.

بمعنى آخر، إن سعر صرف الدينار العراقي سعر مدعوم من البنك المركزي من خلال دخوله كبائع للدولار، توفيره في السوق، عبر نافذة العملة، هذا التوفير يعني عدم شحة العرض وبالتالي تحقيق التوازن (الوهمي) لأنه لم يتحقق بفعل قوى العرض والطلب على الدولار التي تعتمد بالأساس على الاقتصاد الحقيقي.

اصلاح الاقتصاد وتشغيله

ولا يمكن تحرير سعر الصرف وتركه يتحدد وفقاً لقوى العرض والطلب على الدولار من أجل الوصول لسعر الصرف الحقيقي دون العمل بدايةً على توفير محركات توفير الدولار في الاقتصاد الحقيقي.

وهذا ما يتطلب إصلاح الاقتصاد الحقيقي وذلك من خلال العمل على زيادة مساهمة الايرادات غير النفطية وزيادة مساهمة القطاعات الانتاجية الأخرى في الناتج المحلي الاجمالي وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد وتوظيف الايرادات النفطية بما يسهم في تنشيط الاقتصاد وتحفيزه.

وهذا الاصلاح يتطلب بدايةً محاربة الفساد وتوفير بيئة استثمارية جاذبة للاستثمار الخاص في مختلف القطاعات الإنتاجية الحقيقية وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار ليكون أكثر قدرة على الإقدام والاستثمار.

الخلاصة

إن تشغيل الاقتصاد بكفاءة عالية، يعني زيادة الإنتاج بكلف أقل وزيادة التصدير وتوفير الدولار بعيداً عن الدولة وبما يحقق التوازن مع الطلب عليه وهنا سيكون سعر الصرف سعر حقيقي لان البنك لم يتدخل عبر نافذة العملة لتحقيق التوازن.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق