أخذت التنافسية تحتل مكانةً مهمة في العالم كونها تمثل مسألة وجود أو عدم وجود على مسرح الاقتصاد العالمي.

الاقتصاد الذي يتصف بالتنافسية يكون أكثر قدرة على الاستدامة والتأثير على الاقتصاد العالمي، وأكثر تجنباً للمخاطر وأسرع تجاوزاً للأزمات.

وفي المقابل الذي يفتقدها يكون أكثر هشاشةً ومتأثراً لا مؤثراً فيما يحصل في الاقتصاد العالمي من مخاطر وأزمات.

ماذا تعني تنافسية الاقتصاد؟

الاقتصاد الذي يستطيع الانتاج بكُلف منخفضة وبنوعية جيدة وأسعاره رخيصة، يتمتع بالتنافسية إزاء الاقتصادات الأخرى، بحكم مقاومته للسلع المستوردة الممثلة للسلع المحلية من جانب وزيادة صادرته للاقتصاد العالمي من جانب آخر، والعكس صحيح.

أي إن الاقتصاد الذي ينتج بكُلف مرتفعة وبنوعية رديئة وأسعاره غالية، لا يتمتع بالتنافسية، حيث لا يستطيع مقاومة السلع المستوردة المماثلة للسلع المحلية من جانب وزيادة الاستيرادات من الاقتصاد العالمي من جانب آخر.

وكلما يكون إنتاج الاقتصاد وصدارته أكبر عدداً وأكثر حجماً كلما يعني إن الاقتصاد أكثر تنوعاً وأكبر تنافسيةً والعكس صحيح بالنسبة للاقتصاد الأقل إنتاجاً وصادراتً.

تنافسية الاقتصادات العربية

وإذا ما لجأنا للبحث عن أفضل الدول العربية البالغ عددها 23 دولة، من حيث تنافسية اقتصاداتها، سنجد عدد قليل منها يتصف بتنافسية لا بأس فيها، في حين يعاني العدد الأكبر من تنافسية ضعيفة جداً.

إن الاقتصادات العربية النفطية كانت أقل تنافسيةً من الاقتصادات العربية غير النفطية، بل وأكثر من ذلك، أي إن أغلب الدول العربية غير النفطية وقعت في المربع الأول في حين وقعت أغلب الدول النفطية في المربع الأخير في مؤشر التنافسية من بين الدول العربية بشكل عام.

هذا ما يعني، إن الايرادات النفطية لم يتم توظيفها بالشكل الذي يعمل على تقوية الاقتصادات العربية النفطية وجعلها أكثر تنافسية، بل أصبحت عامل إضعاف لها ووقفت في طريق تنافسيتها ونموها.

في حين الاقتصادات العربية غير النفطية ونظراً لعدم وجود الايرادات النفطية اعتمدت على ذاتها في تنشيط واصلاح اقتصاداتها مما جعلها تتفوق على الاقتصادات العربية النفطية.

ترتيب الاقتصادات العربية حسب تنافسيتها

يمكن ملاحظة تنافسية الاقتصادات العربية من خلال عدد السلع التي تمتلك فيها ميزة تنافسية وتصدرها للاقتصاد العالمي، ووفق أربعة مربعات.

1- المربع الأول: اقتصادات عربية غير نفطية:

وهي مصر حيث تمتلك أعلى ميزة تنافسية من بين الدول العربية قاطبةً بحكم تصديرها 46 سلعة، ثم تليها سورية بعدد سلع 37 سلعة، ثم لبنان 34 سلعة، ثم تونس 28 سلعة، ثم الاردن 27 سلعة وأخيراً المغرب 27 سلعة.

2- المربع الثاني: اقتصادات عربية الأكثر غير نفطية والأقل نفطية:

تشمل كل من السودان 15 سلعة، وجيبوتي 15 سلعة، واليمن 15 سلعة، والبحرين 13 سلعة، وعُمان 12 سلعة، وإن الدول النفطية تقع في ذيل هذا المربع كونها أقل عدداً من حيث السلع التنافسية.

3- المربع الثالث: اقتصادات عربية النفطية تساوي غير النفطية:

يشمل الاقتصادات ذات الرتبة الواحدة، والتي تتراوح من 6-9 سلع،، ويشمل كل من الصومال 8 سلع، والامارات 7 سلع، وقطر 6 سلع، وموريتانيا 6 سلع. هذه الأعداد تعطي تصوّراً مخالفاً لما يتم تصويره للجمهور، بأن الامارات وقطر من أقوى الاقتصادات العربية والصومال وموريتانيا هي الأضعف!

4- المربع الرابع: اقتصادات عربية نفطية مقابل اقتصاد واحد غير نفطي:

إن الأغلبية الساحقة التي تقع في المربع الأخير هي الدول العربية النفطية باستثناء اقتصاد القمر هو غير نفطي، والتي تشمل كل من الجزائر 5 سلع، والسعودية 5 سلع، والكويت 3 سلع، وليبيا سلعتين، والعراق سلعةٍ واحدة.

هذا الترتيب يعطي تصوراً واضحاً ومؤكداً على نقطتين:

الاولى: ان الاقتصادات العربية غير النفطية أفضل حالاً من الاقتصادات العربية النفطية في مؤشر الميزة التنافسية خلال المدة 2013-2019.

الثانية: النفط وبسبب غياب التوظيف السليم أصبح عامل كبح للاقتصادات العربية النفطية مما جعلها تقع في المربع الأخير من ترتيب التنافسية عربياً.

إن ضعف التنافسية يعني زيادة التبعية وزيادة التبعية يعني زيادة التأثر وزيادة التأثر يعني غياب الاستقرار الاقتصادي، ونظراً لضعف تنافسية الاقتصادات العربية النفطية بشكل أكبر من الاقتصادات العربية غير النفطية فهي مُستجيبة ومتأثرة لأي أزمة تضرب الاقتصاد العالمي.

العراق أقل الاقتصادات العربية تنافسيةً

ويتضح جلياً من خلال الترتيب أعلاه، إن العراق جاء في المربع الرابع وآخر الاقتصادات النفطية من حيث عدد السلع التي يمتلك فيها ميزة تنافسية، حيث لم يمتلك سوى سلعة واحدة وهي النفط.

مما يعني إن العراق هو الأقل تنافسية والأكثر تأثراً بأي أزمة تصيب الاقتصاد العالمي، وإذا ما استمر الوضع على هذا المنوال سيشهد المستقبل العراقي المزيد من عدم الاستقرار بحكم تذبذب وعدم اليقين بشأن أهمية النفط من جانب واستمرار النمو السكاني من جانب آخر.

ولأجل تلافي هذا المستقبل وتحقيق جزء من الاستقرار خلال الوقت الحاضر، يتطلب المزيد من الجهود ومن الجميع لرفع تنافسية الاقتصاد ليكون أكبر تنافسيةً وأقل تأثراً بالأزمات التي تصيب الاقتصاد العالمي.

وينبغي تركيز الجهود على الآتي:

اولاً: تركيز جهود الدولة على الأمن والقضاء والدفاع.

ثانياً: قيام الدولة بإنشاء البنية التحتية والاهتمام بالحماية الاجتماعية والطبقات محدودة الدخل.

ثالثاً: انسحاب الدولة لتفسح المجال للقطاع الخاص بالنشاط الاقتصادي.

رابعاً: تفعيل القطاع الخاص من خلال توفير بيئة استثمارية جاذبة لا طاردة.

خامساً: تأخذ الدولة على عاتقها مهمة الاشراف على اداء اقتصاد السوق لمنع الاحتكار واستمرار المنافسة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق