في اعقاب ثلاث ثورات صناعية شهدها العالم، يعيش عالمنا اليوم عصر الثورة الصناعية والتكنلوجية الرابعة والتي تستند على تطورات غير مسبوقة في مجال الاتصالات وشبكات المعلومات والتقنيات الرقمية والبيانات الضخمة والعملات والمحافظ الرقمية ورقمنة الحسابات والمدفوعات وسلسلة البيانات الضخمة واستخدام الهوية الرقمية والتوقيع الالكتروني... الخ.

والقطاع المصرفي هو أحد أكثر القطاعات تأثراً بالتطورات التي فرضتها هذه الثورة من خلال استخدام التقنيات الحديثة في عملياته، إذ وفرت تلك التقنيات فرصاً كبيرةً جداً على صعيد تعزيز الكفاءة المالية والمصرفية وتشجيع ريادية الاعمال وتعزيز الشمول المالي الرقمي.

والتقنيات المالية الحديثة Fintech هي المنتجات والخدمات التي تعتمد على التقنية الحديثة لتحسين نوعية العمليات المالية التقليدية أو لها تأثير على المؤسسات المالية ومنها تطبيقات الدفع الالكتروني والعملات الافتراضية والهوية الرقمية والتوقيع الالكتروني ونموذج eKYC، وقد أحدثت تلك التقنيات نقلة نوعية في الأساليب المصرفية وطرق التعامل، واحدثت تحول في حياة المجتمعات والافراد.

وعليه، أصبح البحث عن وتطبيق تلك التقنيات في تنفيذ المعاملات وكيفية استخدامها لا يمثل ترفاً فكرياً بقدر ما هو ضرورية حتمية فرضتها تطورات الثورة التكنلوجية.

وقد اكتسبت تلك التقنيات زخماً أكبر ودفعة قوية في ظل جائحة كورونا وتزايد الحاجة الى تنفيذ المعاملات عن بعد والتباعد الاجتماعي والاغلاقات الكلية والجزئية للمؤسسات المالية.

وفي هذا السياق، وفي ظل الجهود التي يبذلها صندوق النقد العربي للارتقاء بصناعة التقنيات المالية الحديثة ودعم التحول المالي الرقمي وبما يخدم تعزيز الشمول والاستقرار المالي وفرص تحقيق التنمية المستدامة، أطلق صندوق النقد العربي وبمناسبة اليوم العربي للشمول المالي في 27 نيسان/ أبريل 2021 مؤشر التقنيات المالية الحديثة في الدول العربية FinxAr ليلقي الضوء على تطور هذه التقنيات الحديثة والخدمات المالية الرقمية في الدول العربية.

• الهدف ومنهجية احتساب المؤشر

يهدف المؤشر العام للتقنيات المالية الحديثة العربية (FinxAr) السنوي إلى الوقوف على جهود الدول العربية في دعم تطور صناعة التقنيات الماليّة الحديثة، والاسهام في وضع رؤية لصناعة التقنيات المالية الحديثة في الدول العربية وكيفية دعم البيئة الحاضنة لها، وإلقاء الضوء على التحديات التي تواجه تطوير صناعة التقنيات المالية الحديثة في الدول العربية، وبما يُساعد في رسم السياسات الوطنية وتعزيزها مستقبلاً، والاستفادة من الفرص والامكانيات المتاحة للدول العربية.

يتكون المؤشر العام من 100 نقطة مئوية ومقسمة على ستة مؤشرات رئيسة (مرجحة بالأوزان)، تُمثل أبعاد البيئة الداعمة للتقنيات المالية الحديثة، وهي السياسات والتشريعات، جانب الطلب، توفر التمويل، البنية التحتيّة الماليّة، تنميّة المواهب لدعم الابتكارات، وأخيراً التعاون والشراكات، ويُعد هذا المؤشر الأول من نوعه على مستوى الأبعاد التي يتناولها لقياس جهودها في تعزيز البيئة الحاضنة للتقنيات المالية الحديثة.

مخطط (1): مؤشرات التقنيات المالية الحديثة الفرعية واوزانها

1- محور السياسات والتشريعات: يتمثل هذا المحور بالتشريعات والقوانين والقواعد والتنظيمات والإطار المؤسسي والهيئات الرقابية المسؤولة عن تلك الانشطة ومدى حوكمتها، فضلاً عن حزم البرامج والمبادرات والاستراتيجيات الوطنية اللازمة لبناء بيئة حاضنة للتقنيات الحديثة.

2- محور جانب الطلب: ويُعنى هذا المحور في قدرة القطاع المصرفي والمؤسسات المالية على تلبية احتياجات قطاع الافراد والاعمال من التقنيات الحديثة مثل النفاذ الى شبكة المعلومات الدولية والمدفوعات الرقمية... الخ من اجل تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف.

3- محور توفر التمويل: ويتمثل في قيام الدولة في دعم الحلول والخدمات المالية للنفاذ للتمويل، ومدى حجم التمويل الذي يتم تخصيصه لمؤسسات الاعمال الى جانب حجم الاستثمارات المخصصة لتطوير البنية التحتية للتقنيات المالية.

4- محور تنمية المواهب: يغطي هذا المحور الافراد العاملين ومدى توفر المواهب وتنمية قدراتهم من أجل توليد الابتكارات فضلاً عن مدى ما متوفر من برامج التدريب وتنمية القدرات على المستوى المحلي والدولي.

5- محور البنية التحتية المالية: إن توفر البنية التحتية المالية اللازمة لتطبيق واستخدام التقنيات المالية من شأنها أن تحقق الهدف المنشود من استخدامها، مثل رقمنة المدفوعات واستخدام التقنيات الحديثة في التسوية والمقاصة والتداول...الخ.

6- محور التعاون والشراكات: يُعنى هذا المؤشر بالتعاون والشراكة بين الاطراف ذات العلاقة مثل البنوك والمؤسسات فيما بينها أو فيما بين المؤسسات المالية وشركات التقنيات المالية الحديثة على المستوى المحلي أو الدولي أو الاقليمي.

• وضع مؤشر التقنيات المالية الحديثة في العراق

اظهرت نتائج التحليل الخاصة بالعراق عن حصوله على ما نسبته 14% بالمؤشر العام وهو يحتل المرتبة ما قبل الاخيرة بين الدول العربية بالمقارنة مع 75% و65% و64% للإمارات والسعودية والبحرين والتي احتلت المراتب الاولى الثلاث، تلتها تونس ثم مصر وفلسطين بنسبة 55% و52% و41% على التوالي، في حين حصلت لبنان على 40% في المؤشر العام، وتراوحت النسبة ما بين 20-35% في كل من قطر والمغرب والكويت وعُمان واليمن، وجاءت السودان بالمرتبة الاخيرة بعد العراق بنسبة 9%، ويوضح الجدول الاتي المؤشر العام والمؤشرات الفرعية الستة الرئيسة في العراق.

جدول (1) المؤشر العام والمؤشرات الفرعية الستة الرئيسة في العراق (%)

السياسات والتشريعات

جانب الطلب

توفر التمويل

تنمية المواهب

البنية التحتية

التعاون والشراكات

المؤشر العام

  0.223

0.267

0.00

0.00

0.243

0.00

14

 

تعكس النتائج التي يظهرها الجدول (1) عن تراجع واضح وملموس للمؤشر العام والمؤشرات الفرعية لا سيما فيما يتعلق بتوفر التمويل وتنمية المواهب والتعاون والشراكات إذ كانت نتيجة المؤشر (صفر) للمؤشرات الثلاث، الامر الذي يستدعي إعادة النظر في موضوع التقنيات المالية الحديثة من خلال تنفيذ وتبني انشطة وبرامج وطنية للتحول الرقمي، والحاجة الى بذل المزيد من الجهود لتسهيل وصول مزودي خدمات التقنيات المالية الحديثة ورواد الأعمال والشركات الناشئة إلى التمويل، ومتابعة تطوير التشريعات المحفزة.

ختاماً، لا شك إن التحسن ومواكبة التطورات التي يشهدها القطاع المصرفي على المستوى الدولي أو على المستوى الاقليمي أو على مستوى الدول العربية يرتبط بضرورة تبني البنك المركزي والقطاع المصرفي العراقي استراتيجيات وطنية للتقنيات المالية الحديثة والتحول الرقمي ترسم ملامح خارطة طريق لبناء ركائز قوية لقطاع مصرفي رصين وقوي وداعم للتطور والازدهار والتقدم، تتبنى هذه الاستراتيجيات الآتي:

• العمل على وضع إطار تنظيمي وتشريعي شامل، وتوفير البيئة المناسبة وتبني سياسات شاملة لبناء بيئة داعمة للتقنيات الحديثة وتفعيل المبادرات وتنظيم آليات عملها.

• وضع استراتيجيات خاصة لتنمية المواهب ورعاية الشباب وطلاب الجامعات ووضع مناهج تعليمية في الجامعات العراقية للتقنيات المالية الحديثة بوصفها اصبحت من العناصر الضرورية في الحياة الاقتصادية بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، فضلاً عن دعم القدرات وتطوير مهارات العاملين بالهيئات الرقابية والاشرافية.

• العمل على فتح منصات وطنية تتعلق بالهوية الرقمية ورقمنة نظام المدفوعات الحكومية ومدفوعات القطاع الخاص، والبدء في عملية الالحاق الرقمي لعملاء البنوك والمصارف وتحقيق الشمول المالي الرقمي.

• العمل على تقديم التمويل اللازم ودعم الشركات الناشئة ورواد الاعمال وزيادة حجم الاستثمارات في البنية التحتية للتقنيات الحديثة.

• زيادة النفاذ الى التمويل الرقمي والتقنيات الاخرى المصاحبة لها وزيادة استخدام الاجهزة الذكية بوصفها حاضنات للابتكارات المالية.

• العمل على نشر ثقافة التعامل مع التقنيات الحديثة وزيادة التثقيف المالي وتعزيزها، لمواكبة التطورات التي تشهدها تقنيات المعلومات والاتصالات وبما يخدم الاقتصاد الوطني.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021

www.fcdrs.com

 

جدول (1) المؤشر العام والمؤشرات الفرعية الستة الرئيسة في العراق (%)

اضف تعليق