بقلم: لودوفيك سوبران

ميونيخ ــ تُـعَـد جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) أزمة لا مثيل لها. ففي عام 2020، أغرقت الاقتصاد العالمي في أعمق ركود يشهده منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن بعد عام من الركود والإحباط، أصبحت الشركات الخاصة في أوروبا مغمورة بمقادير هائلة من الأموال النقدية. والكيفية التي تستخدم بها الأسر على وجه الخصوص مدخراتها المتراكمة ستكون حاسمة في تشكيل التعافي في القارة بعد الجائحة.

في حين أن الشركات بَـنَـت احتياطياتها النقدية على أكوام من الديون الجديدة، فقد توخت الأسر التدبر والحيطة أثناء الجائحة: ولم تزدد ديونها إلا بالكاد، وظلت نسبة التمويل بالاستدانة ثابتة في الأساس. تنبع الاحتياطيات النقدية لدى الأسر ــ أو المدخرات الفائضة كما تُـدعى غالبا ــ من انخفاض الإنفاق، وخاصة على الخدمات. فمع إلغاء كل تلك الوجبات في المطاعم، ورحلات العطلات، والحفلات الموسيقية، تضخمت مدخرات الأسر الأوروبية بنحو 450 مليار يورو (534 مليار دولار أميركي) في عام 2020 وحده. وربما تضيف عمليات الإغلاق المتجددة في النصف الأول من هذا العام 200 مليار يورو أخرى إلى الإجمالي في عام 2021.

صحيح أن أوروبا ستشهد انتعاشا اقتصاديا هذا العام بصرف النظر عما قد يحدث للمدخرات الفائضة. لكن كيفية إنفاق الأسر لهذه المدخرات ستساعد في تحديد ما إذا كان التعافي يمثل مجرد عودة إلى مسار النمو السابق للأزمة، مع كل اضطراباته الاجتماعية ونتائجه السياسية غير المقصودة، أو أنه يبشر بدلا من ذلك بعهد جديد من الرخاء الشامل المستدام.

من المؤكد أن الأسر ستستخدم جزءا من هذه المدخرات للاستهلاك، حيث تؤدي إعادة فتح الاقتصادات هذا العام إلى إطلاق الطلب المكبوت. لكن هذه الـدَفـعة قد تكون أضعف مما يتوقع بعض المراقبين. بادئ ذي بدء، كان قدر كبير من المدخرات الفائضة متراكما لدى الأسر الأكثر ثراء، التي ظل دخلها مستقرا أثناء الجائحة والتي من المعروف أنها أقل ميلا إلى الاستهلاك نسبيا.

علاوة على ذلك، ستنظر أغلب الأسر الأوروبية إلى المدخرات الفائضة الناتجة عن انخفاض الاستهلاك على أنها "صدمة ثروة" إيجابية"، حيث يكون تأثير الثروة على الإنفاق على المستوى الكلي منخفضا إلى حد ما لأن الأسر قد تظل حذرة بشأن التأثير الدائم. على النقيض من ذلك، كانت المدخرات الفائضة في الولايات المتحدة تتغذى في الأساس على دعم الدخل السخي لجميع الأسر في هيئة مدفوعات أو شيكات حكومية لمرة واحدة، وكان تأثير الدخل أعلى، وخاصة بين الأسر الأقل دخلا. لذا، من المعقول أن نفترض أن المدخرات الفائضة في أوروبا تتراكم بشكل أساسي من قِـبَـل الأسر المرتفعة الدخل بينما يكون توزيعها أكثر تساويا ــ وبالتالي يكون إنفاقها أكثر سهولة ــ في الولايات المتحدة.

نتيجة لهذا، من المرجح أن توجه الأسر الأوروبية نحو ثلث مدخراتها أثناء الجائحة فقط إلى الاستهلاك. وهذا من شأنه أن يعطي التعافي دَفعة معتدلة مرغوبة، مع تأثير محدود ومؤقت على الأسعار. من ناحية أخرى، قد تتحول طفرة استهلاكية غير مقيدة بسهولة إلى شيء أكثر بشاعة، فتتسبب في نشوء اختلالات توازن في الاقتصاد الكلي وارتفاع الأسعار على نحو قد يكون أطول أمدا وقد يؤدي حتى إلى دوامة مزعجة من الأسعار والأجور.

ولكن حتى النتائج السيئة الصريحة ليست مستبعدة. بادئ ذي بدء، لا يجوز لنا أن نستبعد ما يسمى "خيار الإسكان"، حيث تقوم الأسر الأوروبية الأكثر ثراء بتحويل مدخراتها الفائضة إلى أصول عقارية أو ثابتة. يميل هؤلاء المدخرون إلى كونهم أكثر براعة وخبرة في التعامل مع الأمور المالية مقارنة بأغلب الناس وأكثر قدرة على الاستثمار في الأصول غير السائلة. وفي ظل الانتشار السريع لترتيبات العمل الهجينة الجديدة التي تغذي بالفعل الطلب المتزايد على الإسكان، ينشأ خطر واضح يتمثل في تسبب هذه الأموال في دفع أسعار المساكن إلى الارتفاع إلى مستويات أكثر اصطناعا. وقد تشمل العواقب السلبية في الأساس قدرا راسخا من التفاوت بين الناس ــ حيث يُـحـرَم قسم كبير من السكان ببساطة من الدخول إلى سوق الإسكان ــ والمخاطر المالية المتزايدة.

وقد ينطبق الأمر ذاته على "خيار سوق الأسهم"، حيث تقوم الأسر بتحويل الودائع المصرفية إلى استثمارات في الأسهم. وربما يُـفضي الاندفاع إلى الأسواق الآن إلى تأثير مزعزع للاستقرار، وخاصة إذا استخدم عدد كبير من مستثمري التجزئة أموالهم في صفقات المضاربة، كما هي الحال في الولايات المتحدة.

لحسن الحظ، لا يخلو الأمر من حل معقول. إن استخدام مدخرات الأسر للمساعدة في التعجيل بتحديث الاقتصاد الأوروبي وإزالة الكربون من شأنه أن يعود بالفائدة على المدخرين، والأسواق المالية، ودول الاتحاد الأوروبي على حد سواء. إذ أن توجيه الأموال النقدية الفائضة نحو هذا النوع من الاستثمار الطويل الأمد من شأنه أن يؤدي إلى عائد مزدوج. فمن الممكن أن تكسب الأسر عوائد طيبة، مما يعزز من مدخرات التقاعد للشيخوخة، ومن الممكن أن تزيد أوروبا من إمكانات نموها الاقتصادي، بما يخلق المزيد من الفرص والوظائف للجميع.

لكن هذه النتيجة السعيدة لن تتحقق من تلقاء ذاتها. ففي غياب الحوافز المناسبة، ربما يظل القسم الأعظم من المدخرات الفائضة خاملا في حسابات مصرفية أو قد يجد طريقه إلى استثمارات أقل فائدة مع عواقب بيئية (أو غير ذلك) غير مرغوبة. وعلى هذا، يتعين على صناع السياسات أن يعكفوا على تحديد المسار الصحيح لإطلاق العنان للتأثيرات الإيجابية المحتملة التي قد تترتب على هذه الأكوام من الأموال النقدية.

يتمثل خيار مثير للاهتمام بشكل خاص في بث روح جديدة في فكرة صناديق الاستثمار الأوروبية الطويلة الأجل كجزء من خطة عمل المفوضية الأوروبية لتعزيز وتكميل اتحاد أسواق رأس المال في أوروبا. كانت صناديق الاستثمار الأوروبية الطويلة الأجل عاملة لسنوات، لكنها كانت حتى الآن قابعة في الظل غالبا كما فشلت إلى حد كبير في اجتذاب مستثمري التجزئة.

يجب أن يتغير هذا. إن فكرة صناديق الاستثمار الأوروبية الطويلة الأجل مقنعة: فهي تُـعَـد أدوات للاستثمار الآمن في الأصول غير السائلة، من الشركات البادئة إلى مشاريع البنية الأساسية. ويتطلب جعلها منتجات مالية جذابة لمستثمري التجزئة أربعة أمور رئيسية: توجيهات أكثر مرونة للاستثمار، وقواعد استرداد أكثر قابلية للتكيف، فضلا عن حد أدنى أقل مطلوب من الاستثمارات، وفي المقام الأول من الأهمية أنظمة ضريبية مُـرضية.

بالإضافة إلى هذا، من الممكن أن تعمل الحكومات على توفير إعانات دعم مباشرة، ولتكن 20 يورو لكل 100 يورو مستثمرة، حتى حد معين. يمكن فهم مثل هذه المبادرة بسهولة وينبغي لها أن تثبت شعبيتها. ومن الممكن أن تأتي الأموال المخصصة لهذا بشكل مباشر من برنامج الاتحاد الأوروبي الجيل التالي الذي تبلغ قيمته 750 مليار يورو ــ وهي طريقة أنيقة للاستفادة من فعالية هذه الأداة.

الواقع أن توجيه المدخرات الخاصة الفائضة إلى استثمارات طويلة الأجل تدعم التحول الأخضر والرقمي في أوروبا تشكل أهمية بالغة لدعم النمو الشامل المستدام. وينبغي لصناع السياسات أن يغتنموا هذه الفرصة غير المتوقعة التي أتاحتها لنا أزمة الجائحة.

* لودوفيك سوبران هو كبير الاقتصاديين في أليانز
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق