بقلم: كاتارينا بيستور

نيويورك ــ في يونيو/حزيران من عام 2019، أصدرت شركة فيسبوك تصريحا جريئا: في غضون عام واحد، ستطلق عُـملة عالمية جديدة تحت مسمى "ليبرا" (Libra). كانت الفكرة تتلخص في تقديم بديل للعملات الوطنية في المعاملات عبر الحدود، وتوفير شبكة دفع لمليارات من الأشخاص الذي لا يتعاملون مع البنوك. كان من المقرر إصدار هذه الـعُـملة الرمزية الرقمية بشكل كامل، الليبرا، بواسطة اتحاد في سويسرا ودعمها بسلة من العملات الوطنية، وهذا يعني أن منشئيها سعوا إلى الاستقلال عن السلطات السيادية.

ولكن سرعان ما خفضت شركة فيسبوك طموحها وتوقعاتها، فأعادت تسمية الليبرا لتصبح "ديم" (Diem)، وانتقل الكيان المصدر لها من سويسرا إلى الولايات المتحدة، حيث أقام شراكة مع بنك Silvergate لإصدار عملة رمزية تتوافق مع اللوائح التنظيمية المصرفية في الولايات المتحدة. وبهذا انتهت الحال بالمشروع الذي بدأ بحمل اسم عملة رومانية قديمة وتدثر بصورة الإمبراطور الروماني أغسطس قيصر إلى كونه جزءا من منصة خدمات مالية على الإنترنت مقرها أحد مكاتب الشركات في لاجولا.

ينبئنا صعود الليبرا ثم سقوطها السريع بالكثير ويعطينا مثالا ساطعا لمحاولة مبتسرة ورديئة التصميم لتحدي القوى القائمة. بين أمور أخرى، يسلط مصير الليبرا الضوء على الأهمية الحاسمة لبناء تحالفات راغبة وقادة على الاضطلاع بأدوار الهجوم والدفاع ضد المنافسين.

لم تخترع شركة فيسبوك واتحاد الليبرا فكرة العملات الرقمية، التي كانت حاضرة طوال عشر سنوات. وهما لم يفتحا آفاقا جديدة لأنظمة الدفع. كانت شركات مثل PayPal تعمل على بناء أنظمة بديلة في ظل (وغالبا بامتطاء ظهر) البنية المصرفية القائمة لأكثر من عشرين عاما. كان هذا الظهور الهادئ موطن قوة ونقطة ضعف في آن: فقد سمح لمنصات جديدة بالتوسع دون إثارة غضب القائمين على التنظيم؛ لكنه تركها أيضا معتمدة على المؤسسات القديمة وسهلة الاستنساخ.

ولأنها جديدة على اللعبة، كانت شركة فيسبوك تأمل في استغلال ميزتها النسبية كمنصة رقمية يستخدمها أكثر من 2.3 مليار مستخدم لدخول التيار الرئيسي للعملات الرقمية. بناء على بدعة "العملة المستقرة"، كان المفترض أن تُـربَـط عملة الليبرا بسلة من العملات التي تصدرها بلدان تتمتع بسمعة طيبة في ما يتصل بالاستقرار، ودعم جدير بالثقة من البنوك المركزية. كان من المقرر أيضا أن تتبع قيمتها متوسط مرجح للجنية البريطاني، والدولار الأميركي، واليورو، والدولار السنغافوري، والين الياباني، حتى برغم أنها ستصدر من قِـبَـل كيان خارج الاختصاص القانوني لأي من هذه البلدان.

جاءت ردة الفعل التنظيمية قوية وسريعة وشرسة. ففي غضون أسابيع، بدأ تنظيم جلسات الاستماع في كل من مجلسي الكونجرس الأميركي، وأعرب الساسة في مختلف أنحاء العالم عن رفضهم لفكرة الليبرا. وسرعان ما شكلت السلطات الوطنية جبهة موحدة وتعهدت باستقصاء كل جانب من جوانب ما اعتبرته تهديدا لسيادتها النقدية. وأطلق مجلس الاستقرار المالي، الذي تشمل عضويته بلدان مجموعة العشرين، مراجعة للأطر التنظيمية القائمة وبدأ في تنسيق الاستجابة للتهديد الذي تفرضه عملة الليبرا وغيرها من العملات المستقرة العالمية الطموحة.

لا شيء يوحد أصحاب المصالح المتباينة مثل عدو مشترك. كان طموح الليبرا أعظم من أن تتحمله أو تتسامح معه القوى الاقتصادية الرائدة في العالم. ولم تنجح كل مناشدات مارك زوكربيرج، الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، في التماس التساهل واللين، أو محاولته تأجيج المخاوف من الجهود التي تبذلها الصين لتطوير نظام دفع رقمي عالمي، في زحزحة القوى القائمة عن موقفها.

اضطرت شركة فيسبوك إلى الانسحاب. أولا، بدأ اتحاد الليبرا يفقد أعضاء رئيسيين. وعندما انسحبت شركات Visa، وMastercard، وPayPal، تجلت نُـذُر الفشل بوضوح، حتى برغم أن عدد الأعضاء الإجمالي استمر في التزايد. للتخفيف من مخاوف السوق والدوائر السياسية، اضطرت شركة فيسبوك إلى التخلي عن ارتباطها بالاتحاد. ثم جاءت إعادة التسمية المشؤومة من ليبرا (الميزان) إلى ديم (اليوم)، والتي وصمتها قضايا تتعلق بحقوق النشر.

عندما أعلن اتحاد ديم أخيرا نقل مقره من سويسرا إلى الولايات المتحدة هذا الشهر، كان من الصعب ألا نتذكر رحلة هنري الرابع الشائنة إلى كانوسا عام 1077. على الرغم من أن هنري كان إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فقد اضطر إلى إذلال نفسه بعبور جبال الألب في الشتاء لتوسل الرحمة واللين من البابا جريجوري السابع، الذي كان تحدى سلطته صراحة بتعيين الأساقفة بما يخالف مرسوما بابويا.

كان تحدي هنري للسلطة البابوية ناجحا طالما كان يحظى بدعم الملوك الألمان. لكن البابا رَدّ بحرمان هنري كنسيا، وشجب تعهد الملوك الآخرين بالولاء، وممارسة الضغوط عليهم لحرمان هنري من دعمهم ما لم يوافق على التكفير عن ذنبه. وعندما ارتعب حلفاء هنري، لم يجد أي اختيار سوى الخضوع للبابا والركوع أمامه.

كان تراجع فيسبوك أقل درامية: فلم يتطلب نقل المعسكر إلى جنوب كاليفورنيا سوى إعادة خلط الأوراق والتفاوض مع مجموعة مختلفة من الهيئات التنظيمية. مع ذلك، يحمل تاريخ الصراع بين القوى العلمانية والسلطة الدينية، والذي لخصته المواجهة بين هنري وجريجوري، دورسا للساعين إلى السلطة اليوم. إن السعي إلى الفوز بجواهر تاج سيادة الدولة، المال في حالتنا هذه، أمر محفوف بالمخاطر. وإذا تجرأت على المحاولة، فيجب أن تكون على يقين من استقلالك أنت ومعاونيك بالقدر الكافي عن السلطة التي تتحداها. ويجدر بك أن تمتلك القدرة على تأمين أموالك، خشية أن تنهار عندما يطلب حاملوها السلامة والأمان ويسارعون إلى الـمَـخرَج.

يستطيع القائمون على السلطة النقدية أيضا أن يتعلموا من مصير الليبرا. في الأمور الدنيوية، تكون السلطة دائما موضع نزاع، وهي بالتالي مؤقتة. وفي وجود منافسين يتحينون الفرصة دوما، سيضطر شاغلو مناصب السلطة الذين لا يتعلمون كيف يسيطرون على هؤلاء المنافسين إلى الاستسلام في النهاية.

* كاتارينا بيستور، أستاذ القانون المقارن في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، مؤلفة كتاب "قانون رأس المال: كيف يخلق القانون الثروة وعدم المساواة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق