بدايةً لا بُد أن نضع في أذهاننا إن قوة العملة وضعفها لا تُعبر دائماً عن قوة الاقتصاد وضعفه بشكل حقيقي كما تُعبر قوة الاقتصاد وضعفه عن قوة الدينار وضعفه بشكل حقيقي.

إذ قد تكون العملة قوية لكنها لا تُعبر عن قوة الاقتصاد، أي قد يكون الاقتصاد ضعيفاً؛ كما في حالة الكويت، وفي المقابل قد يكون الاقتصاد قوياً لكن العملة ضعيفة كما في حالة الصين وهنا يكون ضعف العملة نابع من قوة الاقتصاد وليس من ضعفه، وكما سيتضح أدناه.

ويُعد الدينار الكويتي أقوى عملة بين عملات العالم كونه يساوي أكثر من 3 دولارات ولكن هل قوة الدينار تعبر عن قوة الاقتصاد الكويتي؟! تشير أغلب المؤشرات الاقتصادية لضعف الاقتصاد الكويتي وذلك لاعتماده المُفرط على النفط بحيث أصبح المحرك الرئيس للاقتصاد الكويتي.

حيث شكل النفط أكثر من 48% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 89%[i] من الإيرادات العامة والمنح 2018، وأكثر من 89% من الصادرات السلعية في عام 2017[ii]. هذه النسب تُدلل اعتماد الاقتصاد الكويتي بشكل رئيس على النفط مما جعله اقتصاداً ضعيفاً لان الاعتماد على النفط بشكل رئيس يجعل الاقتصاد غير مستقر ومتذبذب ولا يستطيع تلبية الطلب المحلي فيكون تابعاً ومرهوناً للعالم الخارجي وفاقداً للاستدامة الاقتصادية، وتكون العملة قويةً بفعل الدولارات النفطية لا بفعل قوة الاقتصاد الحقيقي، ولذلك فإن قوة العملة لا تُعبر دائماً عن قوة الاقتصاد.

ضعف اليوان الصيني وقوة الاقتصاد

وفي المقابل نجد العملة الصينية ضعيفة كونها تعادل 0.14 دولار أمريكي، أي 14 سنت من الدولار. هل ضعف العملة الصينية هذا يُعبر عن ضعف الاقتصاد الصيني؟! بالطبع كلا، حيث يُعد الاقتصاد الصيني في الوقت الحاضر أحد الاقتصادات الصاعدة وينافس أكبر اقتصاد في العالم وهو الاقتصاد الأمريكي وبجدارة.

ففي الوقت الذي يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الأمريكي 21 تريليون يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الصيني 14 تريليون دولار في عام 2019[iii] وتشير أغلب التوقعات الى احتلال الاقتصاد الصيني مرتبة الصدارة خلال العقود القليلة المقبلة وإزاحة الولايات المتحدة الأمريكية إلى المرتبة الثالثة وربما أبعد، بحكم النمو الصيني المتسارع الذي سيترتب عليه أن يتجاوز الناتج الصيني عتبة الـ 55 تريليون دولار أمريكي عام 2050 في حين لن يتجاوز الناتج الأمريكي 35 تريليون دولار لذات العام، فهل اقتصاد بهذه الضخامة تُعبر عنه عملة ضعيفة بشكل حقيقي؟!!

إن ضعف العملة الصينية لم يُعبر عن ضعف الاقتصاد بقدر ما يُعبر عن قوته، إذ إن الاقتصاد الصيني يمتلك قوة عاملة كبيرة انعكست على انخفاض الأجور وانخفاض أسعار منتجاتها، إضافة إلى تحكم الدولة بقيمة العملة لتجعلها أكثر مناسبة أمام الأجانب فازدادت الصادرات الصينية وأهمية الاقتصاد الصيني برمته وأصبح يشكل أهمية كبيرة في الاقتصاد العالمي.

فقوة العملة وضعفها لا يُعبر دائماً وبشكل حقيقي عن قوة الاقتصاد وضعفه بقدر ما تُعبر قوة الاقتصاد وضعفه دائماً وبشكل حقيقي عن قوة العملة وضعفها.

الدينار العراقي بين البنك المركزي والاقتصاد العراقي

هل قوة الدينار العراقي نابعة من واقع الاقتصاد العراقي أم من البنك المركزي العراقي؟ إذا ما نظرنا للواقع الاقتصادي بشكل الحقيقي، سنجد إن قيمة الدينار العراقي أدنى من هذه القيمة بكثير لولا تدخل البنك المركزي العراقي عبر نافذة العملة بصرف النظر عن الشكوك التي أُثيرت حولها.

إذ إن الاقتصاد العراقي اقتصاد ضعيف بحكم اعتماده على النفط بشكل رئيس وافتقاده للتنويع الاقتصادي، حيث يشكل النفط أكثر من 45% من الناتج، وأكثر من 90% من الإيرادات العامة، وأكثر من 99% من الصادرات السلعية، هذا الاعتماد أدى إلى إهمال القطاعات الاقتصادية الأخرى مما يعني غياب التنويع الاقتصادي أخيراً.

التذبذب والتبعية

ففي الوقت الذي أدى الأول، الاعتماد على النفط؛ إلى تذبذب الاقتصاد العراقي بحكم ارتباط أغلب المتغيرات الاقتصادية بالنفط المتذبذب في أسعاره، أدى الثاني، غياب التنويع الاقتصادي؛ إلى التبعية الاقتصادية وذلك لتغطية أغلب الطلب المحلي من الاقتصاد العالمي، مما يعني أن قوة الدينار العراقي لم تكُن نابعة من الاقتصاد العراقي لان الاقتصاد ضعيف بالأساس، فيبرز السؤال، ما الذي جعل الدينار العراقي قوياً في الوقت الذي يعاني من ضعف الاقتصاد؟

البنك المركزي داعم للدينار العراقي

ان قوة الدينار العراقي كانت نابعة من تدخل البنك المركزي عبر نافذة العملة، حيث يدخل البنك المركزي كبائع للدولار الأمريكي ومشترٍ للدينار العراقي، هذا ما يعني تخفيض حِدة الطلب على الدولار مقابل زيادة الطلب على الدينار، هذه العملية أدت لرفع قوة الدينار العراقي أو على أقل تقدير الحفاظ على قيمة الدينار من الانخفاض، حسب ما جاء في الورقة البيضاء ص20.

حيث يتبع البنك المركزي هذه الآلية بحكم أنه الجهة الوحيدة التي لها رؤيتها وإدارتها واستقلاليتها والمسؤولة عن الحفاظ على قيمة العملة ويتخذ ما يراه مناسباً لتحقيق هذه الهدف، لذلك لجأ إلى الاحتياطي الأجنبي الذي يشكل الدولار الجزء الأكبر منه، من أجل دعم الدينار العراقي وهذا ما حصل على أرض الواقع بالفعل.

قوة الدينار ليست حقيقية

ونتيجة لما تعرض له العراق من أزمة مالية خانقة بسبب انخفاض الإيرادات النفطية التي تمثل العمود الفقري للمالية العامة والاقتصاد العراقي، واعتماد الأخير على الاقتصاد العالمي في تغذية الطلب المحلي التي تتطلب المزيد من الدولارات، ومجرد طرح البعض تخفيض الدينار العراقي كخيار لمعالجة الأزمة وتحقيق جزءاً من الاستقرار، انخفضت قيمة الدينار بشكل مباشر مقابل ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، مما يعني إن قوة الدينار ليست حقيقية بل هي مصطنعة بفعل تدخل البنك المركزي.

هذا يعني أن قيمة الدينار العراقي لم تكُن نابعة من قوة الاقتصاد الحقيقي بل كانت نابعة من دعم البنك المركزي وهي قوة ضعيفة لا تصمد أمام التصريحات الاقتصادية التي ترى بتخفيض العملة جزءاً من الحل!

قوة الدينار بتنويع الاقتصاد

ومن أجل أن تكون قوة الدينار العراقي قوة حقيقية تعبر بشكل حقيقي عن قوة الاقتصاد وتصمد أمام التصريحات الاقتصادية والأزمات الدولية، لابُد من العمل على توظيف الثروة النفطية بما يسهم في تنويع الاقتصاد العراقي لان التنويع الاقتصادي يعني تلبية الطلب المحلي وتصدير الفائض نحو الخارج، وكلا الأمرين يؤديان لزيادة الاحتياطي الأجنبي من الدولار الذي يدعم الدينار العراقي، وبهذا تكون قوة الدينار العراقي تعبير حقيقي عن قوة الاقتصاد العراقي.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

................................
مصادر تم الاعتماد عليها
[i] - صندوق النقد العربي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 2019، ص286 ، 340.
[ii] -الإدارة المركزية للإحصاء، المجموعة الإحصائية السنوية 2017-2018، ص254.
[iii] - بيانات صندوق النقد الدولي نقلاً عن الويكيبيديا.

انقر لاضافة تعليق