بقلم: جوزيف ستيغليتز

نيويورك ــ أثناء انتشاره من دولة إلى أخرى، لم يعبأ فيروس كورونا المستجد بالحدود الوطنية أو الجدران الحدودية "الكبيرة والجميلة". ولم يجر احتواء الآثار الاقتصادية التي تلت ذلك. وكما كان واضحا منذ البداية، فإن جائحة فيروس كورونا 2019 (COVID-19) مشكلة عالمية تتطلب حلا عالميا.

من المفترض أن يُمثل التعاطف دافعا كافيا للاقتصادات المتقدمة في العالم نحو دعم استجابة متعددة الأطراف. لكن اتخاذ إجراءات على الصعيد العالمي مسألة تتعلق بالمصلحة الذاتية أيضا. ومادامت الجائحة مستمرة في أي مكان، فسوف تُشكل تهديدا -وبائيا واقتصاديا- في كل مكان.

لم يبدأ تأثير مرض فيروس كورونا 2019 على الاقتصادات النامية والناشئة في الكشف عن نفسه إلا للتو. وثمة أسباب وجيهة للاعتقاد بأن هذه البلدان ستعاني من الجائحة أكثر بكثير من الاقتصادات المتقدمة. ففي نهاية المطاف، غالبا ما يعيش السكان في البلدان المنخفضة الدخل على مقربة من بعضهم بعضا. كما تعاني نسبة أعلى من السكان بالفعل من مشاكل صحية تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالمرض. أضف إلى ذلك أن النظم الصحية في هذه البلدان أقل استعدادا للتعامل مع الأوبئة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة (التي واجهت بعض الصعوبات في العمل بسلاسة).

يقدم تقرير صدر بتاريخ 30 مارس/آذار عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لمحة مبكرة عما يخبئه المستقبل للاقتصادات الناشئة والنامية. حيث يعتمد أكثرها نجاحا على النمو القائم على التصدير، والذي سينهار الآن مع انكماش الاقتصاد العالمي. وليس من المستغرب أن تتراجع تدفقات الاستثمار العالمي أيضا، وكذلك أسعار السلع، مما يشير إلى اتجاه البلدان المصدرة للموارد الطبيعية نحو طريق وعِر.

في الواقع، انعكست هذه التطورات بالفعل في هوامش العوائد على الديون السيادية للبلدان النامية. ونتيجة لذلك، ستواجه العديد من الحكومات صعوبة بالغة في تأجيل سداد الديون المستحقة هذا العام بشروط معقولة، بل قد يستحيل ذلك.

علاوة على ذلك، لا يُتاح للبلدان النامية سوى خيارات أقل وأصعب بشأن كيفية مواجهة الجائحة. فعندما يعيش الناس على تدبير قوت يومهم بالكاد في غياب تدابير حماية اجتماعية كافية، قد يؤدي فقدان الدخل إلى حدوث مجاعة. ومع ذلك، لا تستطيع هذه البلدان تكرار الاستجابة الأميركية، التي تتضمن (حتى الآن) حزمة اقتصادية بقيمة 2 تريليون دولار ستؤدي إلى زيادة العجز المالي بنحو 10٪ من الناتج المحلي الإجمالي (بالإضافة إلى عجز سابق للجائحة بنسبة 5٪).

في أعقاب قمة افتراضية طارئة عُقدت في 26 مارس/آذار، أصدر قادة مجموعة العشرين بيانا تعهدوا فيه "باتخاذ كل ما يلزم من إجراءات واستخدام جميع أدوات السياسة المتاحة للحد من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الجائحة، واستعادة النمو العالمي، والحفاظ على استقرار السوق، وتعزيز القدرة على الصمود". ولتحقيق هذه الغاية، ثمة أمران على الأقل يمكن القيام بهما حيال الأوضاع السيئة في الاقتصادات الناشئة والنامية.

أولا، ينبغي تحقيق الاستفادة الكاملة من حقوق السحب الخاصة التي يوفرها صندوق النقد الدولي، وهي أحد أشكال "النقد العالمي" التي أُذن للمؤسسة بإنشائها عند تأسيسها. تعد حقوق السحب الخاصة عنصرا أساسيا في النظام النقدي الدولي، وقد دعا إليها جون مينارد كينز خلال مؤتمر بريتون وودز عام 1944. تتمثل الفكرة في أن جميع البلدان تحتاج إلى حماية مواطنيها واقتصاداتها خلال الأزمات، لذلك ينبغي أن يمتلك المجتمع الدولي أداة لمساعدة الدول الأكثر احتياجا دون الإضرار بميزانياتها الوطنية.

في الواقع، من شأن طرح إصدار نموذجي لحقوق السحب الخاصة - مع توجه حوالي 40٪ من حقوق السحب الخاصة إلى الاقتصادات النامية والناشئة - أن يحدث فارقا كبيرا. لكن بالطبع سيكون من الأفضل إذا تبرعت الاقتصادات المتقدمة، مثل الولايات المتحدة، أو أقرضت (بشروط ميسرة) حقوق السحب الخاصة المخصصة لها إلى صندوق ائتماني يهدف إلى مساعدة البلدان الأكثر فقرا. وقد نتوقع أن تفرض البلدان التي تقدم هذه المساعدات شروطا تضمن، على وجه الخصوص، ألا تُستغل هذه الأموال في إنقاذ الدائنين.

من الأمور الحاسمة أيضا أن تساعد الدول الدائنة من خلال الإعلان عن وقف خدمة ديون الاقتصادات النامية والناشئة. ولكي نفهم السبب وراء أهمية ذلك، لنأخذ في الاعتبار الاقتصاد الأميركي. في الشهر الماضي، أعلنت وزارة الإسكان والتنمية الحضرية تعليق عمليات حبس الرهن العقاري المؤمن عليه فيدراليا لمدة 60 يوما. هذه السياسة في جوهرها هي جزء من عمليات "تعليق" على نطاق أوسع في الاقتصاد الأميركي بأكمله استجابة لأزمة فيروس كورونا 2019. حيث يقيم العمال في منازلهم، وتظل المطاعم مغلقة، وتُعلق جميع شركات الطيران عملياتها. فلماذا يُسمح للدائنين بالاستمرار في جمع العائدات، خاصة عندما بدأت أسعار الفائدة التي يتقاضونها بالفعل في التخفيف من حدة المخاطر؟ باختصار، ما لم يمنح الدائنون مثل هذا التعليق، سيخرج العديد من المدينين من الأزمة مُحملين بديون تفوق قدرتهم على السداد.

الحق أن عمليات التعليق هذه لا تقل أهمية على المستوى الدولي عما هي عليه في الداخل. ففي ظل الظروف الحالية، لا تستطيع العديد من البلدان خدمة ديونها، الأمر الذي يُمكن أن يؤدي إلى حالات عجز متجددة وواسعة النطاق في حالة عدم وجود تعليق عالمي على السداد. وفي العديد من الاقتصادات النامية والناشئة، فإن الخيار الوحيد أمام الحكومة هو إما تحويل المزيد من الدخل إلى الدائنين الأجانب، أو السماح بموت المزيد من مواطنيها. من الواضح أن هذا المصير الأخير لن يكون مقبولا بالنسبة إلى معظم البلدان، لذا يتعين على المجتمع الدولي الاختيار بين إجراء تعليق منظم أو غير منظم، مع العلم أن السيناريو الأخير سيؤدي حتما إلى حدوث اضطراب شديد وفرض خسائر واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي.

بالطبع، سيكون من الأفضل لو كانت لدينا آلية مؤسسية لإعادة هيكلة الديون السيادية. في الواقع، حاول المجتمع الدولي تحقيق ذلك في عام 2015، عندما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة مجموعة من المبادئ المشتركة بدعم ساحق. ولسوء الحظ، افتقر هذا الإطار إلى الدعم اللازم من البلدان الدائنة الرئيسية. ربما فات الأوان لإنشاء مثل هذا النظام الآن للاستعانة به في الأزمة الحالية، لكن من المحتم أن تظهر المزيد من الأزمات، مما يعني أن إعادة هيكلة الديون السيادية يجب أن تكون على رأس خطة الأعمال لحسابات ما بعد الوباء.

يقول جون دون في عبارته الخالدة: "لا يُمكن للمرء أن يكون جزيرة"، وهذا ينطبق على البلدان كذلك - كما أوضحت أزمة فيروس كورونا بصورة جلية. ولا يتمنى المرء سوى أن يُخرج المجتمع الدولي رأسه من الرمال.

* جوزيف ستيغليتز، حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا وكبير خبراء الاقتصاد في معهد روزفلت. من كتبه: خيبات العولمة، وكتاب الناس والسلطة والأرباح: الرأسمالية التقدمية لعصر الاستياء
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق