مؤخرا وبسبب التوترات الامنية والسياسية في العراق، ودخول البلد عنوة في الصراع الامريكي الايراني، تزايدت المخاوف الشعبية من عواقب اقتصادية وخيمة قد تنال الاقتصاد العراقي، المأزوم اصلا، بسبب تهديدات ترامب الاخيرة بفرض عقوبات اقتصادية على العراق اذا ما اقدم على انهاء الوجود الامريكي في اراضيه. جاء ذلك في اعقاب تصويت مجلس النواب على قرار يلزم رئيس الوزراء المستقيل اتخاذ الخطوات الضرورية لإنهاء وجود القوات الاجنبية في البلد فورا.

حقيقة الامر فان تهديد الاقتصاد العراقي بعقوبات امريكية مدعاة لإثارة الخوف من سيناريوهات صعبة جرب العراق جزءا منها في العقد الاخير من القرن الماضي، لكن ما يقلق أكثر تناول وتفسير العواقب الاقتصادية للتهديدات الامريكية المزعومة بشكل ذاتي غير موضوعي من قبل عدد كبير من المختصين وغير المختصين بالشأن الاقتصادي، وايضا تضخيم الاثار الاقتصادية المحتملة بشكل يفصح عن استخدام تلك التهديدات في اثارة مخاوف نفسية غير مبررة قد تضر الاقتصاد أكثر من العقوبات نفسها.

في البدء يجب الاعتراف بان العراق يعاني في الاصل من اختلال وهشاشة في بنية الاقتصاد الوطني نتيجة الفساد وضعف ادارة الملف الاقتصادي وادامة الاعتماد على المورد النفطي بشكل شبه كامل، ما أضعف القطاعات الاقتصادية وحرم البلد من فرص النمو الحقيقي القادر على توفير فرص عمل خارج مؤسسات الدولة. من جانب اخر فان ارتباط الاقتصاد الوطني بسوق النفط الدولية وتقلباتها الحادة (منذ منتصف العام 2014) يزيد من مخاطر الانزلاق لركود اخر إذا ما تعرضت السوق النفطية لصدمة عكسية جديدة.

ومنذ اواخر شهر اكتوبر/تشرين الاول الماضي اضيفت للمشهد الاقتصادي ضغوطات جديدة ولدتها الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتغيير الطبقة السياسية الفاسدة وايجاد حكومة نزيهة وكفوءة تعمل لمصلحة الشعب لا لمصالح الاحزاب والدول الاخرى، وهي خطوة طويلة باتجاه الاصلاح والتغيير. مع ذلك، تراجعت فرص الاستثمار المحلي والاجنبي وعم الركود معظم القطاعات السلعية والخدمية في البلد، مع استمرار القطاع العام في دفع رواتب الموظفين، والذي عمل على ادامة النشاط الاقتصادي بشكل جيد كون دخول تلك الشرائح محرك لمعظم الانشطة غير الحكومية للشرائح الاخرى في المجتمع العراقي.

ويمكن مناقشة التهديدات الامريكية وبعض العواقب الاقتصادية المحتملة بشكل موضوعي وهادئ بعيدا عن العواطف والمبالغة والتصعيد وكما يلي:

1- لا تعني تصريحات ترامب العاطفية بالعادة، مغامرة الولايات المتحدة بفقدان العراق كحليف استراتيجي يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي عالمي، خصوصا مع وجود حاضنات دولية كبرى قد تستغل تلك الخصومة في التحالف مع العراق لمصالح جيوسياسية، ولضمان امن الطاقة ايضا، كالصين على سبيل المثال.

2- جدلا وان فُرضت عقوبات امريكية، لن يتكرر مشهد العقوبات الاقتصادية المرعب في العقد الاخير من القرن الماضي نظرا لكونها عقوبات اممية جاءت نتيجة غزو الكويت، في حين لا يبرر اخراج القوات الاجنبية من العراق فرض عقوبات مماثلة.

3- التهديد بمنع الشركات الامريكية من ممارسة مشاريع الاستثمار في العراق لن يغير من واقع الاقتصاد العراقي الشيء الكثير، بل قد تكون آثاره متوسطة وطويلة الاجل اكثر جدوى للعراق نظرا للدور السلبي الذي مارسته الولايات المتحدة على الحكومة العراقية لمزاحمة شركات عيدية، منها شركات نفطية (كورية وصينية) وكهرباء (سيمنز)، لصالح استحواذ الشركات الامريكية على العقود الحكومية وبشروط مجحفة في الغالب.

4- في الولايات المتحدة لا تتعرض الأموال الحكومية لأي دولة الى احتجاز قضائي لأنها تتمتع بالحصانة السيادية، اي ان الدولة محمية من إجراءات القضاء لدولة أخرى، باستثناء القطاع الخاص. وهذا يعني عدم الخشية على الاموال العراقية لدى الولايات المتحدة لأنها محصن سياديا ولا تستطيع الولايات المتحدة الحجز عليها لأنها ستخالف القانون من جهة، وستعمل على اضعاف الثقة الدولية بالنظام المالي والنقدي الامريكي، المسيس حينها، من جهة اخرى. وبالتالي اعادة النظر عالميا في اعتماد الولايات المتحدة كوجهة للاحتياطات الدولية.

5- معظم المخاوف تركزت حول اثر العقوبات على الدينار العراقي، على اعتبار بان تجميد ارصدة البنك المركزي لدى الولايات المتحدة قد يعيق تدفق الدولارات الكافية الى نافذة العملة لتغذية الطلب الدولاري اللازم للاستيرادات السلعية التي يحتاجها البلد وما قد يترتب على ذلك من خفض لقيمة الدينار واشتداد الضغوط التضخمية. وهنا نود الاشارة الى ما يلي:

- اثبت البنك المركزي العراقي نجاحه في ادارة سعر صرف مستقر رغم تعرض العراق لصدمات داخلية وخارجية خلال السنوات الماضية، فضلا على امتلاك البنك لسياسات وادوات تحاكي اوضاع اقتصادية مماثلة.

- لم يعلن البنك المركزي العراقي عن امتناع البنك الفيدرالي الامريكي في تحويل أي مبالغ مالية يطلبها العراق من رصيده المودع في الولايات المتحدة، ولن يفعل الفيدرالي الامريكي ذلك، نظرا لأنها موجودات اجنبية تسلم عند الطلب ولا يمكن احتجازها بموجب قانون البنك الفيدرالي الامريكي.

- وان كان جزء كبير من الاحتياطات النقدية للبنك المركزي مودعة في البنك الفيدرالي الامريكي، فان جزء لا بأس به موزع دوليا ويمنح البنك المركزي العراقي حيزا للمناورة.

- يعتمد العراق على صادرات النفط لتأمين الدولارات اللازمة لتغطية طلبات السوق العراقية من الدولار، وكمتوسط كانت الايرادات النفطية الشهرية للعراق في العام الماضي اكثر من 6 مليار دولار شهريا، في حين لم يتجاوز اجمالي المطلوب من الدولار في السوق العراقية ولمختلف الاغراض 5 مليار دولار شهريا لنفس المدة. والفرق بين الرقمين يتحول لرصيد دولاري يضاف للاحتياطي الدولاري للبنك المركزي العراقي. ويعني ذلك بان العراق قادر على رفد السوق المحلية بالدولارات اللازمة ما دامت اسعار النفط العراقي تتأرجح بين 50 الى 60 دولار شهريا دون الحاجة الى استخدام رصيده الدولاري المودع في البنوك الدولية.

هل يعني ذلك بان الامور على ما يرام؟

لا يزعم أحد بان الاقتصاد العراق بعد الازمة السياسية والامنية الاخيرة أصبح أفضل حالا، كما لم يكن كذلك قبلها، الا ان تلويح ترامب بعقوبات اقتصادية قد يكون مفيدا إذا ما التقط صناع القرار الاشارة وحولوا التحديات الى فرص لفك الارتباط المالي والنقدي مع الولايات المتحدة بشكل تدريجي عبر تنويع العملات والدول، كحاضنة لاحتياطي البنك المركزي العراقي وللأموال الحكومية، وبما يناسب التطورات الاخيرة والحلفاء والخصوم الجدد

. من جانب ثاني فإن حساب ايرادات النفط العراقي محكوم بملف التعويضات العراقية للكويت والتي تكبح فرص العراق في تأمين حيز مناسب لتدوير وتحريك تلك الاموال في حسابات جديدة بعيدا عن الولايات المتحدة. مما يلزم صناع القرار بتصفية ملف التعويضات ودفعها بشكل كامل للجانب الكويتي فورا كونها لا تتجاوز 3 مليار دولار وفقا للمعلومات المتاحة، ان لم تكن اقل من ذلك بقليل.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق