كثيراً ما يخطرُ على بال أهل الاقتصاد وصناع السياسات أنهم (ربّما) استخفوا استخفافاً شديداً بهشاشة النموذج الحالي للعولمة، وتتخذ الثورة الشعبية على الأوضاع الاقتصادية الحالية (بما في ذلك العالمية منها)، والتي يبدو إنها تجري الآن بوتيرة متسارعة، أشكالاً مختلفة ومتداخلة، أهمها:

1 - إعادة تأكيد الهويات المحلية والوطنية.

2 - المطالبة بقدر أكبر من السيطرة الديمقراطية والمساءلة.

3 - رفض الأحزاب السياسية الوسطية.

4 - انعدام الثقة في النخب والخبراء.

وكانت ردة الفعل العكسية هذه متوقعة، فقد حذّر بعض خبراء الاقتصاد من العواقب المترتبة على دفع العولمة الاقتصادية إلى ما وراء حدود المؤسسات التي تتولى تنظيم الأسواق وتثبيت استقرارها ومنحها الشرعية.

وكان الإفراط في عولمة التجارة والتمويل، بهدف إيجاد أسواق عالمية متكاملة بسلاسة، سبباً في تمزيق المجتمعات المحلية، والمفاجأة الأكبر هي ميل ردة الفعل السياسية المؤكد نحو اليمين، ففي أوروبا، كان القوميون والشعبويون من مناهضي الهجرة هم الذين ارتفعوا إلى الصدارة، مع تقدم اليسار في قِلة فقط من الأماكن مثل اليونان وإسبانيا.

ويتم الآن الاعتراف على مضض، بأنّ العولمة تعمل على إبراز الانقسامات الطبقية وزيادة حدتها بين أولئك الذين يملكون المهارات والموارد اللازمة للاستفادة من الأسواق العالمية، وأولئك الذين لا يملكون.

وتقليدياً، كانت الانشقاقات والتباينات في الدخل والطبقة (على النقيض من انشقاقات الهوية القائمة على العرق أو الدين) تعمل على تعزيز اليسار السياسي. لماذا إذن عجز هذا اليسار عن تشكيل أي قدر يذكر من التحدي السياسي للعولمة؟

تتلخص إحدى الإجابات في أن الهجرة طغت على "صدمات" العولمة الأخرى. إذ يفضي التهديد المتصور الذي تفرضه التدفقات الجماعية من المهاجرين واللاجئين من الدول الفقيرة وتقاليدهم الثقافية شديدة الاختلاف إلى تفاقم انقسامات الهوية التي استغلها ساسة اليمين المتطرف بإتقان غير عادي.

وتقدم لنا الديمقراطيات في أمريكا اللاتينية نقيضاً ينبئنا بالكثير. فقد خبرت هذه الدول العولمة في الأغلب باعتبارها صدمة مرتبطة بالتجارة والاستثمار الأجنبي، وليست صدمة هجرة. لذا أصبحت العولمة هناك مرادفة لما يسمى بـ "سياسات إجماع واشنطن "، والانفتاح المالي. وظلت الهجرة من الشرق الأوسط أو إفريقيا محدودة وذات تأثير سياسي ضئيل. ولهذا، اتخذت ردة الفعل الشعبوية في أمريكا اللاتينية - في البرازيل وبوليفيا والإكوادور، وعلى النحو الأكثر مأساوية في فنزويلا- شكلاً يسارياً .

والقصة مماثلة في الاستثناءين الرئيسين لانبعاث اليمين في أوروبا -اليونان وإسبانيا. ففي اليونان، كان خط الصدع السياسي الرئيس هو سياسات التقشف التي فرضتها عليها المؤسسات الأوروبية وصندوق النقد الدولي. وفي إسبانيا، كان أغلب المهاجرين حتى وقت قريب قادمين من بلدان مماثلة ثقافياً في أمريكا اللاتينية.

وفي كلا البلدين، كان أقصى اليمين يفتقر إلى الأرض الخصبة التي يحظى بها في أماكن أخرى. ولكن التجربة في أمريكا اللاتينية وجنوبي أوروبا ربما تكشف عن نقطة ضعف أكبر تُعيب اليسار، وهي: غياب أي برنامج واضح لإعادة صياغة الرأسمالية والعولمة بما يتناسب مع القرن الـ21 . فمن حزب سيريزا في اليونان إلى حزب العمال في البرازيل، فشل اليسار في إنتاج أفكار سليمة اقتصادياً تحظى بالشعبية على المستوى السياسي، بعيداً عن السياسات الإصلاحية مثل تلك المتعلقة بتحويلات الدخل.

ويتحمل الاقتصاديون والتكنوقراط المحسوبون على اليسار جزءاً كبيراً من المسؤولية. فبدلاً من المساهمة في مثل هذا البرنامج، تنازلوا بسهولة شديدة لأصولية السوق واعتنقوا مبادئها المركزية. والأسوأ من ذلك إنهم قادوا حركة العولمة المفرطة في مراحل حاسمة.

بوسعنا أن نقول، إن تتويج حرية حركة رأس المال -خاصة من النوع قصير الأجل- كقاعدة سياسية من قبل الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، كان القرار الأكثر مصيرية بالنسبة للاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة.

ويبدو أن التكنوقراط الاشتراكيين في فرنسا استخلصوا من تجربة ميتران الفاشلة مع التدابير الكينزية في أوائل الثمانينيات أن الإدارة الاقتصادية المحلية لم تعد ممكنة، وإنه لم يكن هناك أي بديل حقيقي للعولمة المالية. وكان أفضل ما أمكن القيام به هو استنان قواعد تشمل أوروبا بالكامل والعالم، بدلاً من السماح للدول القوية مثل ألمانيا أو الولايات المتحدة بفرض قواعدها. والنبأ السار هنا هو إن الفراغ الفكري على اليسار يجري شغله الآن، وإنه لم يعد هناك أي سبب للاعتقاد في طغيان ادعاء "عدم وجود بدائل". ولم يعد لدى الساسة اليساريين أسباب تذكر لعدم الاستفادة من قوة النيران الأكاديمية "المحترمة" في الاقتصاد.

إنّ الفارق الحاسم بين اليمين واليسار بهذا الصدد، هو أن اليمين يتغذى على تعميق الانقسامات في المجتمع -"نحن" في مقابل "هم"- في حين يتغلب اليسار (عندما يكون ناجحاً) على هذه الانقسامات من خلال الإصلاحات التي تُقيم الجسور عبر هذه الانقسامات ذاتها .

ومن هنا كانت المفارقة في أن الموجات المبكرة من الإصلاحات من قبل اليسار -الكينزية، والديمقراطية الاجتماعية، ودولة الرفاهية الاجتماعية- هي التي أنقذت الرأسمالية من نفسها، وبالتالي فقد أصبحت هذه الموجات زائدة على الحاجة فعلياً.

وفي غياب مثل هذه الاستجابة مرة أخرى، سيُترك المجال مفتوحاً على مصراعيه للشعبويين وجماعات اليمين المتطرّف، التي ستقود العالم -كما كانت تفعل دوماً- إلى انقسامات أعمق وصراعات أكثر توتراً.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق