اقتصاد السوق نظام اقتصادي يُستخدم لإدارة الاقتصاد ومعالجة المشكلة الاقتصادية وتحقيق الأهداف المرسومة، لكن في الوقت ذاته يعاني من إخفاقات معقدة لا يستطيع التخلص منها مما يُحتم تدخل الدولة لمعالجتها.

يختلف اقتصاد السوق بل هو نقيض اقتصاد الدولة، وذلك من حيث الملكية والهدف والوسائل وجهاز تحقيق الأهداف، ففي الوقت الذي يعتمد الأول على الملكية الخاصة والربح والقطاع الخاص والسوق لتسير الاقتصاد، يعتمد الثاني الملكية العامة وتقليص التفاوت الطبقي والدولة والتخطيط المركزي لتسيير الاقتصاد.

حيث يقوم اقتصاد السوق على ملكية وسائل الإنتاج للأفراد وحق ممارسة النشاط الاقتصادي بشكل مباشر، دون قيد أو شرط إلا ما يتعارض مع المصلحة العامة، وذلك بهدف تحقيق الأرباح وإن جهاز الأثمان (السوق) هو الكفيل بتحديد حجم الإنتاج وكفاءته، وهذا لا يعني عدم وجود مشاكل بصميم أو مرافقة لاقتصاد السوق من الممكن أن تسهم في إخفاقه. وعليه يمكن القول إن التخلص من هذه الإخفاقات هو ضمان لنجاح اقتصاد السوق، ولكن مسألة التخلص من هذه الإخفاقات مسألة صعبة للغاية.

وأبرز هذه الإخفاقات هي نقص المنافسة، السلع العامة، الآثار الجانبية (الخارجية) والاستقرار الاقتصادي الذي يشجع او يثبط اقتصاد السوق، ويمكن تناولها بالشكل الآتي:

نقص المنافسة

إن المنافسة ملازمة لاقتصاد السوق فمتى ما كان هناك اقتصاد سوق كانت هناك منافسة، ولكن المشكلة في نقص هذه المنافسة وعدم اكتمالها، التي تسهم في إخفاق السوق، إذ إن نقص المنافسة وعدم اكتمالها يعني وجود الاحتكار وان وجود الاحتكار يعني ضعف الكفاءة الاقتصادية المتمثلة في تحقيق أكبر قدر من الإنتاج بأقل قدر من الموارد، مما يسهم غياب التخصيص الأمثل للموارد وهدرها أخيراً، وهذا ما يزيد من حِدة المشكلة الاقتصادية!

حيث يسهم الاحتكار في تقييم المنتجات بأسعار بعيدة عن استحقاقها كون المنتجين هم الأقلية ويستطيعون التحكم في الأسعار وفقاً لمصالحهم الخاصة وهذا ما يشوه عمل الأسواق فتخفق في التخصيص الأمثل للموارد وثم تفاقم المشكلة الاقتصادية.

لكن في ظل سيادة المنافسة بشكل كامل (المنافسة التامة)، المتمثلة في وجود عدد كبير من المنتجين والمشترين وحرية الدخول والخروج من وإلى السوق وتجانس(تماثل) السلع المنتجة من قبل المنتجين كمياً ونوعياً وإتاحة المعلومات للمنتجين والمستهلكين بأحوال السوق، سيتحقق التخصيص الأمثل للموارد وينتفي هدر الموارد وتشوه الأسواق، بحكم تنافس المنتجين فيما بينهم لتحقيق الربح فيضطرون إلى تدنية تكاليف الإنتاج إلى أدنى حد ورفع كفاءة المُنتج.

السلع العامة

هناك بعض السلع لا يقدم القطاع الخاص على الاستثمار فيها لأسباب كثيرة فنية وأخلاقية واقتصادية[i]، فمثلاً طبيعة الأمن لا يمكن أن تتجزأ ولا يمكن قياس مدى استفادة الفرد منها وبالتالي لابد أن تشبع بشكل جماعي ولا يمكن لفرد الاستغناء عنها، بالإضافة إلى طبيعتها الفنية، فان السبب الأخلاقي لا يستسيغ وضعها تحت رحمة القطاع الخاص والمساومة بها مثلاً المساومة في الأمن، وهناك بعض السلع طبيعتها الفنية تسمح لمعرفة مدى استفادة الفرد ولكنها تستدعي المراقبة والنفقة وهذا ما يجعلها غير مجدية اقتصادياً فيكون من الأفضل تقديمها دون مقابل من قبل الدولة.

فطبيعة هذه السلع لا تسمح لمعرفة مدى استفادة الفرد منها ولا يمكن استبعاد أحد من استهلاكها كونه لم يدفع ثمن الاستفادة منها، وهذا ما يقلص حافز المستثمرين على الإقبال عليها، فتبقى دون إشباع من قبل القطاع الخاص وهنا يتطلب دخول الدولة لإشباعها.

الآثار الجانبية

كما يمكن أن يكون للدواء الذي يتناوله المرضى آثار جانبية كذلك عندما يمارس القطاع الخاص نشاطه الاقتصادي ستظهر بعض الآثار الجانبية التي لا يمكن قياسها حتى يمكن تحمل تكاليفها أو منافعها، وهذه الآثار تارة تكون إيجابية وتارة تكون سلبية، فقيام فرد ما بزراعة شجرة لتزيين المنطقة وقيام العلماء بإنتاج النظريات العلمية، سيستفيد منها المجتمع دون أن يكون هناك مردود مادي مقابل كل من استفاد من جمالية المنطقة والنظريات العلمية، أي ستكون جزء فائدة المجتمع على حساب المنتجين، وهذا ما يعرف بالآثار الجانبية الإيجابية.

كما إن إطلاق نفايات مصنع ما في الهواء سيؤثر على الهواء النقي الذي من حق الآخرين أن يتمتعوا بنقاوته، وإن قيام حدّاد ما بإصدار الضوضاء نتيجة ممارسة عمله سيؤثر على الهدوء الذي من حق الآخرين التمتع به، فالآخرين لا ينتفعون من المصنع ولا من النجار من جانب ويتحملون جزء من تكاليفه من جانب آخر! بمعنى إن جزء من أرباح المصنع والنجار ستكون على حساب الآخرين، وهذا ما يُعرف بالآثار الجانبية السلبية.

عدم الاستقرار الاقتصادي

من المعروف، إن الاستقرار الاقتصادي يُعد أحد العوامل المهمة ليسير النشاط الاقتصادي، بشكل سلس، والعكس صحيح، إن غياب الاستقرار الاقتصادي أي تذبذب الحالة الاقتصادي تجعل النشاط الاقتصادي يسير بشكل متعثر.

من أبرز مؤشرات الاستقرار الاقتصادي هما البطالة والتضخم، فالأولى غالباً ما تكون نتيجة لكن الثانية من الممكن أن تكون سبباً على اعتبار ان التضخم قائم على انخفاض قيمة النقد، وإن المسؤول عن إدارة النقد هي سلطة مستقلة تسمى البنك المركزي، فمتى ما استطاع البنك المركزي من الحفاظ على استقرارية قيمة النقد ولمدة طويلة عندها سيكون هذا البلد محل ثقة القطاع الخاص لان الكثير من الناس سيقومون بشراء السلع وخصوصاً المعمرة بطريقة الدفع بالآجل ولمدة زمنية طويلة نتيجةً لاستقرار العملة ومتأكدين إن قيمة العملة لن تنخفض مستقبلاً.

أما في حال كانت العملة النقدية متذبذبة بشدة فإن القليل من الناس يقومون بمبادلات طويلة الأجل وذلك بفعل عدم التأكد، بمعنى آخر، إنهم يتوقعون أن تنخفض الأسعار مستقبلاً وهذا ما يعظم منافعهم ولذلك يحجمون عن الشراء في ظل التذبذب[ii].

فاقتصاد السوق يسير بشكل انسيابي في ظل الاستقرار الاقتصادي بعيداً عن التعثر مما يسهم في امتصاص البطالة والعكس صحيح.

خلاصة القول، إن اقتصاد السوق هو نظام اقتصادي يستطيع تحقيق الأهداف الاقتصادية ولكن في الوقت ذاته يعاني من إخفاقات معقدة، ومن أجل معالجتها لابُد من تدخل الدولة إلى حد ما لمعالجة هذه الإخفاقات فقط ثم تنسحب بمجرد زيادة قدرة اقتصاد السوق على معالجة هذه الإخفاقات بشكل تلقائي ويقتصر دورها على الإشراف ومتابعة مسيرة اقتصاد السوق لتجنب مسألة الإخفاقات مرةً أخرى.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

.........................................
مصادر تم الاعتماد عليها
[i] - عادل احمد حشيش، أساسيات المالية العامة، ص18.
[ii] - جميس جوارتيني وريجارد استروب، الاقتصاد الكلي الاختيار العام والخاص، ص121.

انقر لاضافة تعليق