بقلم: راجورام راجان

شيكاغوـ لقد عاد الحديث عن استقلال البنك المركزي إلى الأخبار من جديد. ففي الولايات المتحدة، وبخ الرئيس دونالد ترامب جهاز الاحتياطي الفيدرالي، لإبقائه أسعار الفائدة مرتفعة للغاية، وتقول تقارير أنه يبحث في إمكانية إجبار رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، على الاستقالة. وفي تركيا، أقال الرئيس رجب طيب أردوغان محافظ البنك المركزي. ويتابع المحافظ الجديد، الآن، تخفيضات حادة في سعر الفائدة. وهذه الأمثلة هي، بالكاد، الوحيدة التي تتعلق بالحكومات الشعبوية التي ركزت اهتمامها على البنوك المركزية في الأشهر الأخيرة.

ونظريا، فإن استقلال البنك المركزي يعني أن صناع السياسة النقدية يتمتعون بحرية اتخاذ القرارات التي لا تحظى بشعبية ولكنها ضرورية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمكافحة التضخم، والتجاوزات المالية، لأنه لا يتعين عليهم الترشح للانتخابات. وعند مواجهة مثل هذه القرارات، دائمًا ما سيميل المسؤولون المنتخبون إلى الاستجابة بشكل أخف، بغض النظر عن التكاليف الطويلة الأمد. ولتجنب هذا الأمر، سلَّموا مهمة التدخل مباشرة في الأمور المالية والنقدية إلى محافظي البنوك المركزية، الذين لديهم حرية التصرف لتحقيق الأهداف التي حددتها المؤسسة السياسية مهما اختاروا.

ويمنح هذا الترتيب المستثمرين مزيدًا من الثقة في الاستقرار المالي والنقدي للبلد، وسيكافئونه (هو وهيئاته السياسية) عن طريق قبول أسعار فائدة أقل على ديونه. ونظريا، ستعيش البلاد في سعادة دائمة، مع انخفاض التضخم، واستقرار القطاع المالي.

وبعد أن أثبت استقلال البنك المركزي فعاليته في العديد من البلدان التي بدأت في الثمانينيات من القرن الماضي، أصبح شعارًا لصناع السياسات في التسعينيات من نفس القرن. إذ كان محافظو البنوك المركزية يحظون بتقدير كبير، وكان كلامهم يحترم، مع أنه كان في كثير من الأحيان مبهما، بل غير مفهوم. وخوفا من تكرار ارتفاع التضخم الذي حدث في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، أعطى السياسيون صناع السياسة النقدية فسحة واسعة، ونادراً ما تحدثوا عن تصرفاتهم علانية.

ولكن يبدو الآن، أن ثلاثة تطورات حطمت هذا الوفاق في البلدان المتقدمة. ويكمن التطور الأول في الأزمة المالية العالمية لعام 2008، والتي أشارت إلى أن البنوك المركزية لم تكن يقظة. ومع أن محافظي البنوك المركزية تمكنوا من خلق هالة أكثر قوة من حولهم عن طريق حشد استجابة قوية للأزمة، إلا أن السياسيين استاءوا منذ ذلك الحين من العمل مع هؤلاء المنقذين غير المنتخبين.

ثانياً، منذ الأزمة، تقاعست البنوك المركزية عن تحقيق أهداف التضخم. ومع أن هذا قد يشير إلى أنه كان بإمكانهم فعل المزيد لتعزيز النمو، إلا أنه في الواقع لم تكن لديهم وسائل لمتابعة التسهيلات النقدية الإضافية، حتى باستخدام أدوات غير تقليدية. ويبدو أن أي إشارة لمزيد من التيسير يشجع على المخاطرة المالية أكثر منه على الاستثمار الحقيقي. وهكذا أصبح محافظو البنوك المركزية رهائنا للهالة التي ساعدوا في خلقها. وعندما يعتقد الجمهور أن صناع السياسة النقدية لديهم قوى خارقة، فسيسأل السياسيون عن سبب عدم استخدام تلك السلطات للاضطلاع بولاياتهم.

ثالثًا، في السنوات الأخيرة، غيّرت العديد من البنوك المركزية منهجها في التواصل، حيث تحولت من خطاب مبهم إلى سياسة الشفافية الكاملة. ولكن منذ الأزمة، أخطأت العديد من توقعاتهم العامة بشأن النمو والتضخم الهدف. وإمكانية أن تكون هذه التقديرات الأفضل من نوعها في ذلك الوقت، لا يقنع أحدا. وكونهم كانوا على خطأ هو كل ما يهم. وهذا جعلهم محط الكثير من اللوم من السياسيين: لقد فشلوا في منع الأزمة المالية ولم يدفعوا أي ثمن؛ وفشلوا الآن في أداء ولايتهم؛ ويبدو أنهم لا يعرفون أكثر منا عن الاقتصاد.

وليس من الغريب أن يكون الزعماء الشعوبيون من بين الأكثر غضبًا على البنوك المركزية. إذ يعتقد الشعبويون أن لديهم تفويضًا من "الشعب" لانتزاع السيطرة على المؤسسات من "النخب"، وليس هناك من فئة أكثر نخبوية من الاقتصاديين المثقفين الحاملين للدكتوراه، والذين يتحدثون بلغة غامضة، ويجتمعون دوريا وراء أبواب مغلقة في أماكن مثل بازل في سويسرا. وبالنسبة للقائد الشعبوي الذي يخشى أن يؤدي الركود إلى عرقلة جدول أعماله، وتشويه صورته كشخص ناجح، فإن البنك المركزي هو كبش الفداء الأمثل.

وتبدو الأسواق حميدة بشكل يثير الاستغراب في مواجهة هذه الهجمات. إذ في الماضي، كان رد فعلها عن طريق رفع أسعار الفائدة. ولكن يبدو أن المستثمرين قد خلصوا إلى أن الآثار الانكماشية لعدم اليقين في السياسة الناشئة عن الإجراءات غير التقليدية، وغير المتوقعة للإدارات الشعبوية، تفوق بكثير أي أضرار تلحق باستقلال البنك المركزي. لذلك فهم يريدون من البنوك المركزية أن ترد كما يرغب الزعيم الشعبوي، وليس لدعم سياساتهم "الهائلة"، بل للتعويض عن عواقبها السلبية.

إن ولاية البنك المركزي تتطلب تخفيف السياسة النقدية، عندما يتراجع النمو، حتى عندما تكون سياسات الحكومة هي المشكلة. ومع أن البنك المركزي لا يزال يتمتع باستقلالية، فإنه يصبح تابعا فعالاً. وفي مثل هذه الحالات، قد يشجع الحكومة على تنفيذ سياسات أكثر خطورة على افتراض أن البنك المركزي سينقذ الاقتصاد حسب الحاجة. والأسوأ من ذلك، أن الزعماء الشعبويين قد يعتقدون خطئا أن البنك المركزي يمكن أن يقدم المزيد لإنقاذ الاقتصاد من أخطائهم السياسية. ويمكن أن يكون سوء التفاهم هذا مشكلة كبيرة للاقتصاد.

وفضلا عن ذلك، فإن محافظي البنوك المركزية ليسوا محصنين ضد أي هجوم عام. وهم يعلمون أن الصورة السلبية تضر بمصداقية البنك المركزي، وكذلك بقدرته على التوظيف والتصرف في المستقبل. ومع العلم أنه يجري إعدادهم لتحمل المسؤولية في حالة تعثر الاقتصاد، سيكون من الأفضل للبنوك المركزية شراء تأمين إضافي ضد هذا الاحتمال. وفي الماضي، كانت التكلفة أعلى من التضخم على المدى المتوسط؛ واليوم، من المرجح أن تكون التكلفة، المزيد من عدم استقرار مالي في المستقبل. وهذا الاحتمال، بطبيعة الحال، سوف يتجه إلى خفض أسعار الفائدة في السوق أكثر من رفعها.

ما الذي يمكن أن يفعله محافظو البنوك المركزية؟ قبل كل شيء، يحتاجون إلى شرح دورهم للجمهور، ولماذا هو أكثر من مجرد رفع أسعار الفائدة لأعلى أو لأسفل على نزوة. ولقد كان باول واضحا في مؤتمراته وخطاباته الصحفية، كما كان صادقًا بشأن عدم يقين البنوك المركزية فيما يتعلق بالاقتصاد. إن إزالة الغموض المحيط بالبنوك المركزية يمكن أن يعرضها للهجوم على المدى القصير، ولكنه سيؤتي ثماره على المدى الطويل. وكلما أدرك الجمهور أن محافظي البنوك المركزية هم أشخاص عاديون يقومون بعمل صعب، ولديهم أدوات محدودة في ظل ظروف عصيبة، قلت التوقعات بشأن تصحيح السياسة النقدية السحري لأخطاء السياسيين المنتخبين وفي ظل الظروف الحالية، قد يكون هذا أفضل شكل من أشكال الاستقلال الذي يمكن أن يأمل محافظو البنوك المركزية في تحقيقه.

* راجورام ج. راجان، محافظ بنك الاحتياطي الهندي في الفترة من 2013 إلى 2016، أستاذ المالية في كلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو ومؤلف كتاب "الركن الثالث: كيف تغادر الأسواق والدولة المجتمع" خلف
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق