قال الامام أمِيرُ المُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: "صَلَاحُ السَّرَائِرِ بُرْهَانُ صِحَّةِ البَصَائِرِ"

‏ السريرة: ما يخفيه الإنسان في قلبه أو ما يعرف بما يبوح به إلى خاصته من الأسرار.. البصيرة: قوى الحجة والعقل والحكمة والعبرة والخبرة والإدراك... إن صلحت البصيرة كانت القلوب سليمة صافية نقية من الأدران والأسقام.

‏تصحيح البصائر أو التَّمَيُّزُ بالتفكير السليم وبفن استخلاص النتائج السليمة؛ تأتي عبر الجد في تنمية البصائر بمزيد من العلم والمعرفة والتجربة القائمة على أصول متينة لا يعتريها النقص ولا يجوز عليها الخطأ.. ومثالها: القرآن الكريم وسنة أهل البيت صلوات الله عليهم فهما خير الأصول.

‏قد تميل أنت إلى أحد المفكرين المعاصرين فتعشق قراءة سيرته ومؤلفاته، وتنصت إلى محاضراته، وتتابع ندواته بشغف، وربما تصنفه كأعظم المفكرين وأعمقهم فهما وإدراكا في مجال اختصاصه. وإذا بالأيام تبدي لك ما كنت جاهلا في معشوقك: "انحراف عقدي" و"عناد في ضلال" بعد تبين.

‏البصائر في هذا المفكر العظيم لا تحصى بحسب قراءتك ورؤيتك له. وفجأة يزاح الغطاء عنه بنور علم من مفكر آخر أصيل، وإذا بسريرة مفكرك المبجل والمفضل تنطوي على ما لا يسرك ولا يتوافق مع عقيدتك ورؤيتك للحياة.. يبوح بالكلام الشاذ فيدل به على فساد بصيرته.. ربما لا تصدق أن هذا العلم الجهبذ يهوي بتخرصاته إلى أسفل سافلين وبسرعة الصاروخ.

‏فتسأل الله تعالى دائما العافية وحسن الخاتمة.. وتدرك متأخرا أن بناء المجتمع الصالح لا يتم إلا بأصالة ثقافته، وأن الثقافة الأصيلة لا تبنى إلا بصائر سليمة.

بيئتنا الثقافية مصدر بصائرنا ومنها نغترف ما ينظم أذهاننا ويغرس فيها القيم والمبادئ الحسنة حتى تصلح فينا السرائر كلها ويستقر بنا المجتمع ويسكن.. إذاً نحن مسؤولون عن صيانة ثقافتنا وتزويدها بما ينميها ويجردها من الشوائب والمكدرات.

إن أكثر الناس إدراكا لمعنى هذه الرواية الصادرة عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه هم أولئك الذين يمضون حياتهم في مجتمع غير متجانس الثقافة.. الأقليات في المجتمعات الكبيرة والمذاهب والطوائف، كلها تشعر بهذا الخطر الداهم وتتخذ إجراء بذلك. فإن أعان النظام المستبد على الثقافة ليفسدها؛ فتلك مصيبة كبرى.

‏في بلادنا حيث العمالة الأجنبية والعشائر المجنسة سياسيا من أجل تكريس الفصل الطائفي وإشاعته.. كلاهما يمثلان أخطر ما يخل بالتوازن بين البصائر الأصيلة والسرائر النقية في المجتمع..

الأنظمة الفاسدة تبث الفوضى في الثقافة المحلية الأصيلة فتسلب سكينتها، وذلك في سبيل تبديد مصادر القوة في المجتمع وفريقها وتمزيق كلمتها، ولا يكون ذلك إلا بإرباك الثقافة بحر هائج من العمالة الأجنبية المنافسة والعشائر المجنسة المغالبة.

‏ ضخ الأفكار الفاسدة في المجتمع عبر الوسائل الإعلامية أسلوب تقليدي لا يصلح في حال الطوارئ السياسية والأمنية، ولا يكفي لتلويث الثقافة المحلية به ما لم يجانبه نقلة مفاجئة في النظام الاجتماعي. لذلك تتبع النظم المستبدة إجراء بتحويل الأغلبية الطائفية إلى أقلية بالقوة السياسية وفي زمن قصير لا يمكن لقوى المجتمع وطاقاتها التصدي له، فتزج بثقافة المجتمع في دائرة خطر عظيم وحرج شديد.

‏فئة السياسيين سند النظم المستبدة لتدمير الثقافة المحلية الأصيلة، ومن خلالها تشاع آفة "سوء الظن" ويزج بها في السرائر.. فئة السياسيين في مجتمعات الإمبراطوريات والملكيات القديمة تسمى فئة "المثقفين" الاستشاريين، وعلى كتفها تدار المؤامرات والمكائد لتمحيص الولاء للإمبراطور أو الملك حصرا..

كيف لمثقف "سياسي" فاقد للثقة في كل من حوله أن يصلح السرائر في مجتمعه؟!.. "المثقف" السياسي يستضاف في القصور ليكون للإمبراطور أو الملك ظهيرا.

كيف نصلح السرائر في بيئة ملوثة بسياسيين "مثقفي" يعدون "الشك" عمدة بصيرتهم وإلا كانوا من الآخسرين أعمالا؟!.. لكي تعرف سرائرهم؛ أرقب بصائرهم!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق