يبدو أن فيروس كورونا كوفيد19، لم يكتفى بضرب اقتصادات دول العالم فحسب، بل انسحبت تداعياته على معدلات الخصوبة والنمو السكاني أيضا، وأظهرت بيانات رسمية أن معدل الخصوبة في كوريا الجنوبية انخفض إلى أدنى مستوى في العالم العام الماضي، لذا تحاول دول العالم المتقدمة البحث عن معالجات صحيحة لتحقيق التوازن والانسجام بين نسبة الفئات العمرية المكونة للمجتمع لاسيما بعد ما سببته جائحة كورونا، فكثير من الدول الأوربية تعاني من قلة في شريحة الشباب مقابل زيادة مضطردة في شريحة المسنين وكبار السن، وهذا يعني من جهة قلة الأيدي العاملة، مع تضخم في أعداد المسنين الذين ليس بمقدورهم العمل، ليس هذا فحسب بل يحتاجون الى تقديم الرعاية، ما يعني مضاعفة المصاعب التي يواجهها المجتمع.

وقد برز مصطلح رأس المال البشري كمصطلح اقتصادي على الرغم من كونه لا يمت بصلة للأموال أو المعاملات التجارية والاقتصادية، إلا أن المجتمعات المتقدمة أخذت تهتم بصورة متصاعدة برأس المال البشري، في محاولة لخلق موازنة بين شريحة الشباب وشريحة الكبار السن، حتى لا تصبح الأخيرة ثقلا على المجتمع، خاصة أن الشريحة الشبابية تمثل نسبة كبيرة من الأيدي العاملة التي تحتاجها الدولة لمواصلة الانتاج وتحسين الاقتصاد.

اما بالنسبة للدول الاسيوية سجلت الصين أبطأ معدل للنمو السكاني منذ عقود، ليصل إلى 1,411 مليار نسمة على ما أظهرت نتائج التعداد السكاني، ما سلط الضوء على أزمة تلوح في الأفق بسبب ارتفاع معدل الأعمار وشيخوخة المجتمع.

حيث ازداد عدد سكان الصين بمقدار 72 مليون نسمة لكن النمو السكاني البالغ 5,4 بالمئة خلال العقد الماضي كان الأبطأ منذ ستينات القرن الفائت، ويتزامن مع انخفاض حاد في أعداد المواطنين في سن العمل، ولا تزال الصين أكبر دولة في العالم عدديّا، لكن تقترب منها جارتها الهند مع نحو 1,38 مليون نسمة ومن المتوقع أن يتجاوز سكانها الأكثر شبابا الصين في المستقبل القريب.

وبعد 40 عاما من سياسة "الطفل الواحد" المثيرة للجدل، سمحت بكين في 2016 للعائلات بانجاب طفلين مع تنامي المخاوف من تراجع حجم قوة العمل، اجبرت الصين في أواخر السبعينات الازواج على انجاب طفل واحد فقط في مسعى للحد من الزيادة السكانية، لكن تخفيف القواعد لم يؤد للزيادة المتوقعة للمساعدة في تجاوز التراجع الديموغرافي في بلد يشيخ سريعا، وأفاد علماء الاجتماع أن "التعداد لم يؤكد فقط شيخوخة السكان السريعة لكنه أكّد أيضًا انخفاض الخصوبة المستمر"، و"بهذا المعدل المنخفض، لن يكون بوسع السكان تحقيق الاستدامة، وسيكون لهذه التغييرات الاجتماعية عواقب اقتصادية وسياسية على ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إذ تراجع عديد السكان بين عمر 15 و59 عاما قرابة سبع نقاط، فيما ارتفعت اعداد اولئك الذين تجاوزوا 60 عامًا بأكثر من خمس نقاط، وسيشكل ارتفاع اعداد كبار السن تحديا لبكين لانفاق المزيد من الأموال على الرعاية الصحية والرواتب التقاعدية، على ما أوضح وانغ، ويعود تراجع معدل الولادات إلى عدة عوامل، منها تراجع عدد الزيجات وكلفة السكن والتربية وتأخر النساء في الإنجاب لإعطائهنّ الأفضلية لمسارهنّ المهني.

كما اختل التوازن بين الجنسين في الصين بسبب سياسة الطفل الواحد والتفضيل الاجتماعي لانجاب الذكور منذ قرون، الأمر الذي حفز عمليات الإجهاض الانتقائي للجنس على مدى جيل وإهمال الفتيات الصغيرات.

وهكذا تسعى الكثير من دول العالم الى إيجاد حالة من التوازن بين زيادة المسنين وقلة الشباب، مع الحاجة الى الأيدي العاملة وتحسين رأس المال البشري، وهذا الأمر يستدعي إجراءات كثيرة لمعالجة هذه الظاهرة.

الصين

قررت الصين إلغاء الحد الأقصى للإنجاب المحدد بطفلين لكل زوجين، على أمل رفع معدل المواليد المنخفض في أكثر دول العالم تعدادا للسكان فيما يزداد فيها عدد المسنين، وبعد ثلاثة أسابيع من نشر نتائج التعداد العشري الأخير التي كشفت عن تراجع حاد في معدّل الولادات، قررت بكين تحرير سياستها الأسرية لكن مع الحفاظ على حد يتمثل بثلاثة أطفال لكل زوجين، وأوردت وكالة الصين الجديدة الرسمية للأنباء "شينخوا" نقلا عن نتائج اجتماع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي برئاسة رئيس البلاد شي جينبينغ "في مواجهة تشيّخ المجتمع (...) يسمح للزوجين بإنجاب ثلاثة أطفال".

وأضافت الوكالة أن هذه السياسة يجب أن تكون مصحوبة بـ"إجراءات دعم" للعائلات متحدثة عن إجازة الأمومة ورعاية الأطفال وخفض تكاليف التعليم، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تلقى مستخدمو الانترنت إعلان السلطات بسخرية.

وكتب أحد مستخدمي شبكة "ويبو" ممازحا "بالنسبة إلى جيل الألفية، سينبغي لكل زوجين رعاية أربعة أجداد وثلاثة أطفال. هل تخطط الدولة لجعلهم أبطالا وطنيين؟" في مطلع أيار/مايو الحالي، كشفت نتائج تعداد سكاني أجري العام 2020، تسارعا أكبر من التوقع للشيخوخة في المجتمع الصيني.

وفي العام الماضي الذي اتّسم بوباء كوفيد-19، انخفض عدد المواليد إلى 12 مليونا مقارنة مع 14,65 مليونا العام 2019 حين كان معدل المواليد (10,48 لكل ألف) وهو أدنى مستوى له منذ تأسيس الصين الشيوعية العام 1949.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من "سياسة الطفل الواحد"، خفّفت الصين قواعدها العام 2016 مع السماح لجميع الصينيين بإنجاب طفل ثان. لكن ذلك لم يساهم في ارتفاع معدل المواليد، وثمة أسباب عدة لانخفاض معدل المواليد: تراجع في عدد الزيجات وارتفاع كلفة السكن والتعليم وتأخر النساء في الإنجاب لأنهن يعطين أولوية أكبر لمسيرتهن المهنية وزيادة عدد الذكور مقارنة بعدد الإناث بسبب... التفضيل التقليدي للأطفال الذكور.

وقالت ويندي وهي شابة تبلغ من العمر 27 عاما من مقاطعة تشجيانغ (شرق) لوكالة فرانس برس "شخصيا، لا أريد الإنجاب، ولا حتى طفل واحد" مضيفة "ومن بين أصدقائي، لا يرغب أحد تقريبا في إنجاب الأطفال".

وفي الجانب الآخر من الهرم العمري، ضمت الصين أكثر من 264 مليون شخص تبلغ أعمارهم 60 عاما وما فوق العام الماضي، أي أربعة أضعاف عدد سكان فرنسا.

وتشكل هذه الفئة العمرية حاليا 18,7 في المئة من إجمالي عدد السكان، بزيادة مقدارها 5,44 نقطة مئوية عن تعداد العام 2010. في المقابل، يمثل السكان في سن العمل (15 إلى 59 عاما) 63,35 في المئة من إجمالي عدد السكان، بانخفاض 6,79 نقاط خلال 10 أعوام، وبحسب أحدث تعداد، بلغ عدد سكان البلاد رسميا 1,411 مليار نسمة في نهاية العام 2020.

وازدادت المطالبات في السنوات الأخيرة لإلغاء سياسة تحديد عدد الأطفال لكل أسرة، لكنها قوبلت برفض من النظام الشيوعي.

بسبب كورونا

كشفت وزارة الأمن العام في الصين أن عدد المواليد تراجع 15 بالمئة في 2020 مقارنة بالعام السابق، وذلك مع ظهور فيروس كورونا وتأثيره على الاقتصاد وقرارات تكوين (SE:1201) أسرة، وقالت الوزارة إن الصين شهدت ميلاد 10.035 مليون في العام الماضي، مقارنة مع 11.79 مليون في 2019. وكانت نسبة الذكور في مواليد العام الماضي 52.7 بالمئة بينما كانت نسبة الإناث 47.3 بالمئة.

وفي السنوات الأخيرة، تردد كثيرون من الأزواج في إنجاب الأطفال بسبب ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية والتعليم والسكن. ولم يؤثر التخلي عن سياسة الطفل الواحد التي استمرت لعقود في عام 2016 بشكل كبير على زيادة عدد المواليد في البلاد.

وأثرت المخاوف الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا في العام الماضي على قرارات الإنجاب مما أدى إلى استمرار انخفاض المواليد على المدى الطويل في أكثر دول العالم اكتظاظا بالسكان، ويبلغ عمر حوالي 20 بالمئة من المواطنين الصينيين أو حوالي 250 مليون نسمة 60 عاما أو أكثر.

امريكا

سجل الأمريكيون أدنى معدل مواليد منذ أكثر من أربعة عقود العام الماضي، فيما شهدت أوروبا انخفاضا مماثلا إذ أجبرت جائحة كوفيد-19 العديد من الناس على رعاية أفراد الأسرة المرضى أو التعامل مع فقدان الوظائف.

وانخفض معدل المواليد في الولايات المتحدة بنسبة 4 بالمئة في 2020 إلى نحو 3.6 مليون مولود وهو الانخفاض السنوي السادس على التوالي والأدنى منذ 1979 وفقا لبيانات المركز الوطني للإحصاءات الطبية التابع للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ولم ترجع المراكز الانخفاض كليا إلى الجائحة لكن خبراء كانوا قد توقعوا أن الأسباب المتعلقة بالجائحة ومنها القلق ستؤثر على معدل المواليد في البلاد، وبشكل عام ظل معدل الخصوبة في الولايات المتحدة ينخفض على مر السنين إذ تتأخر النساء في الزواج وتؤجلن الإنجاب خاصة في الأعوام التي شهدت تباطؤا في الاقتصاد.

إسبانيا

أظهرت بيانات أولية صدرت أن عدد سكان إسبانيا انخفض في 2020 للمرة الأولى منذ خمس سنوات، حيث كان لجائحة فيروس كورونا تأثير كبير في هذا الصدد، وقال معهد الإحصاء الوطني إن عدد سكان البلاد انخفض بواقع 106146 نسمة أو 0.2 في المئة إلى 47.34 مليون نسمة العام الماضي.

وبلغ عدد المواطنين الإسبان 41.94 مليون نسمة من إجمالي السكان بانخفاض 79815 عن مستويات 2019، بينما انخفض عدد الأجانب المقيمين 26331 إلى 5.41 مليون نسمة، وأظهرت بيانات رسمية أن 50837 توفوا بسبب كورونا في إسبانيا عام 2020 بينما قُدر عدد الوفيات الزائدة مقارنة بالسنوات الأخيرة بأكثر من 71 ألفا.

ورغم انخفاض العدد الإجمالي للأجانب فقد قفز عدد البريطانيين 17137، أو 6.5 في المئة، أكثر من أي جنسية أخرى، حيث سارع المواطنون البريطانيون لتسجيل أسمائهم لتجنب عمليات طرد محتملة، وصوتتت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016 وانقضت بنهاية 2020 الفترة الانتقالية التي ساعدت في تخفيف القواعد الجديدة المتعلقة بحرية السفر والتجارة، وكغيرها من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى سمحت إسبانيا للبريطانيين بالبقاء في البلاد طالما تمكنوا من إثبات إقامتهم قبل 31 ديسمبر كانون الأول.

ايطاليا

عندما بدأت دانييلا فيتشينو التدريس في صقلية قبل حوالى 30 عامًا كان عدد التلاميذ في صفها نحو 30، وهو عدد انخفض اليوم إلى النصف تقريبًا بسبب تراجع معدل الولادات، وقالت دانييلا لوكالة فرانس برس من كالتاجيروني في جنوب شرق صقلية "باتوا الآن 18 إلى 20 تلميذا على أبعد تقدير وحتى 15 أو 16 في بعض الحالات"، وأضافت "أنه أمر مؤلم جدا"، ولطالما كان لإيطاليا أحد أدنى معدلات الولادة في أوروبا، لكن الوضع ازداد سوءًا مع الوباء.

العام الماضي تراجع عدد سكان إيطاليا بنحو 400 ألف نسمة، أي ما يعادل مدينة مثل فلورنسا تقريبا، ليبلغ 59,3 مليونا في حين سجلت الوفيات ارتفاعا وعدد الولادات تراجعا والهجرة تباطؤا، تراجع عدد الأطفال اليوم يعني انخفاضًا في عدد البالغين الذين يعملون ويدفعون ضرائب خلال سنوات، ما سيجعل البلاد أقل إنتاجية وتواجه صعوبات للحفاظ على مستوى معيشة سكانها المسنين.

لطالما كان ذلك مصدر قلق للمجتمعات الغربية، لكن التهديد أكبر بالنسبة لإيطاليا، أحد الاقتصادات الأقل ديناميكية في البلدان الصناعية، ووعد رئيس الوزراء ماريو دراغي بزيادة دور الحضانة ومنح مساعدات للنساء العاملات وتسهيلات للحصول على قروض عقارية للأزواج الشباب في إطار خطة تحفيز بقيمة 221 مليار يورو بعد أزمة كوفيد، ممولة من الاتحاد الأوروبي.

وحذر دراغي خلال مؤتمر "الأوضاع العامة للولادات" المنظم في روما بحضور البابا فرنسيس "إيطاليا من دون أطفال (...) يعني أن إيطاليا ستختفي ببطء عن الوجود"، وأضاف "اليوم نصف الإيطاليين هم في سن ال47 على الأقل، أعلى معدل وسطي في اوروبا"، ويتركز نظام الحماية الاجتماعية في إيطاليا حاليًا على المسنين ما يترك القليل من الموارد للأجيال الصاعدة.

كوريا الجنوبية

وتأتي كوريا الجنوبية رابع أكبر اقتصاد في آسيا وأسرع بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث انسحبت حالة عدم اليقين المحيطة بفيروس كورونا المواطنين عن الزواج والإنجاب، وأظهرت القراءة السنوية الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاءات في كوريا الجنوبية هبوط معدل المواليد لمستويات قياسية.

وتراجع معدل إلى 0.84 لكل امرأة في 2020، بالمقارنة مع الرقم القياسي المنخفض الذي سجله ذلك البلد الآسيوي في 2019 وهو 0.92، ويعد المعدل الحالي هو أدنى معدل بين أكثر من 180 دولة عضوا في البنك الدولي، وأقل بكثير من 1.73 في الولايات المتحدة و1.42 في اليابان، ويأتي ذلك المعدل بينما تراجع عدد السكان في كوريا الجنوبية للمرة الأولى على الإطلاق العام الماضي، وسجلت العاصمة سول أقل معدل مواليد بلغ 0.64، وأظهرت إحصاء الإصابة بفيروس كورونا إصابة ما يزيد على 112.05 مليون شخص أُصيبوا بفيروس كورونا المستجد على مستوى العالم.

في حين وصل إجمالي عدد الوفيات الناجمة عن الفيروس إلى 2.58 مليون حالة وفاة، وتم تسجيل إصابات بالفيروس في أكثر من 210 دولة، وتعد كوريا الجنوبية واحدة من أقل دول العالم تسجيلا للإصابات بفيروس كورونا، بواقع 88.1 ألف حالة مصابة، بينما بلغ معدل التعافي نحو 79 ألف حالة، وبلغت عدد الوفيات 1.57 ألف حالة.

اليابان

قالت وزارة الصحة اليابانية يوم الجمعة إن عدد المواليد في اليابان انخفض لمستوى قياسي العام الماضي، وقالت الوزارة إن عدد المواليد انخفض إلى 840832 في عام 2020،‭ ‬متراجعا بنسبة 2.8 في المئة عن العام السابق، وهو الأقل منذ بدء تسجيل المواليد في عام 1899، وتسبب تفشي فيروس كورونا في انخفاض المواليد في أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة، رغم توقعات سابقة بأن يؤدي العزل العام المصاحب للجائحة إلى زيادة عدد المواليد، وقالت الوزارة إن عدد الزيجات المسجل في اليابان انخفض بنسبة 12.3 في المئة في العام الماضي إلى 525490، وهو انخفاض قياسي في قترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

اضف تعليق