لو كان الفقرُ رجلا لقتلته

قادة العراق وأولويات مكافحة الفقر

قول شهير للإمام علي يرددهُ الجميع منذ أن نطق به عليه السلام، وبالأخص الفقراء الذين ذاقوا مرارة الفقر وأذاه، فيما أطلق أبو ذر الغفاري قولته الشهيرة في شأن الفقر، عندما قال: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرًا سيفه". وهذا يعطي أحقية للإنسان في الشروع بمكافحة الفقر، إذا غزاه في عقر داره وهدد حياته وأفراد عائلته، بالثورة والانتفاض بلا أي تردد أو خشية.

وقد عرّف البنك الدولي الدول منخفضة الدخل أي الفقيرة، بأنها تلك الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار، وعددها 45 دولة معظمها في أفريقيا، منها 15 دولة يقل فيها متوسط دخل الفرد عن 300 دولار سنويا، ويضيف برنامج الإنماء للأمم المتحدة معايير أخرى تعبر مباشرة عن مستوي رفاهية الإنسان ونوعية الحياة "Livelihood” وقد وسّع هذا الدليل دائرة الفقر بمفهوم نوعية الحياة لتضم داخلها 70 دولة من دول العالم، أي هناك حوالي 45% من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل، بمعنى هناك فقراء في البلدان القوية كما هو الحال في دولة العراق المكتظّ بالثروات حيث تضم أرضه حوالي 10% من احتياطي الطاقة على المستوى العالمي، لكن نسب الفقر فيه تتراوح من 30 إلى 49 بحسب المناطق، وتبلغ مستواها الأعلى في المناطق التي احتلها داعش في حزيران 2014.

وقد كثر الحديث عن الفقر والفقراء عالميا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كما نجد ذلك في أدبيات الأمم المتحدة حيث انتقل التوسّع من الظاهرة الاجتماعية في المجتمع الواحد إلى الظاهرة العالمية بتصنيف البلدان إلى غنية وفقيرة، وبتحديد مقاييس ومؤشرات للفقر في مستوى البلدان وكذلك الأفراد مع مراعاة النسبيّة، فالفقير في اليمن لا يُقاس بالمقاييس نفسها التي يقاس بها الفقير في أمريكا الشمالية..

في العراق هناك مشكلة متفاقمة للفقر، رغم أنه من البلدان المنتجة للطاقة على نحو كبير، فقد أكد المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية، أن "نسبة الفقر بالعراق تبلغ أكثر من 30 بالمئة، وهذه النسبة تشهد ارتفاعاً" وقال لإحدى وسائل الإعلام، إن "نسبة الفقر بالعراق في الحقيقة تشهد ارتفاعاً منذ ظهور داعش في عام 2014، والأزمة الاقتصادية التي تمر بها العراق"، وتابع أن "نسبة الفقر في العراق قبل عام 2014 كانت تتراوح ما بين 13 إلى 15 بالمئة، ولكن بعد ظهور داعش وموجات النزوح والأزمة الاقتصادية والانخفاض الدائم في أسعار النفط، ارتفعت نسبة الفقر إلى الضعف، وهي في تزايد يوماً بعد يوم"، مشيراً إلى أن "النسبة تختلف فيما بين المحافظات العراقية، ففي بغداد العاصمة والمحافظات الجنوبية، تبلغ نسبة الفقر فيها 30 بالمئة، أما المناطق القريبة من الجبهات الساخنة، مثل كركوك وديالى، فتبلغ نسبة الفقر فيها أكثر من 35 بالمئة"، وبلغت في المناطق الساخنة وكذلك التي يسيطر عليها تنظيم داعش، ما بين 40 إلى 45 بالمئة، ولكن النسبة تتغير في محافظات إقليم كوردستان رغم استقبالهم عدداً كبيراً من النازحين، فرغم ذلك تبلغ نسبة الفقر في إقليم كوردستان 13 إلى 15 بالمئة".

وفي حديث سابق لها كشفت عضو اللجنة المالية في البرلمان، نجيبة نجيب، عن ارتفاع معدل الفقر في العراق إلى 35% في أعلى معدل تصل إليه البلاد منذ نحو 100 عام إبان الانتداب البريطاني مطلع القرن الماضي، وأوضحت أن لجنة مشتركة بين البرلمان والحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، وبعد عقد اجتماعات لمناقشة مواضيع اقتصادية ومالية، توصلت إلى أن معدل الفقر في العراق ارتفع من 13.7% في عام 2013، ليصل الى 35% في 2016.

إن كل ما تقدّم من بيان قد يشكل صدمة لجميع من يهمهم أمر هذا البلد الذي يعد من أغنى بلدان المنطقة والعالم، وقد يكون الحديث عن نسب للفقر بين العراقيين تتراوح من 30 إلى سقف الـ 50، أمرا صادما، ولكن هذا هو واقع الحال، وثمة أسباب كثيرة تقف وراء هذه الأرقام الصادمة، فقد تضافرت عدة عوامل وأسباب لكي يتحول هذا البلد الغني إلى العكس، ولا يمكن أن تُعزى هذه النتائج إلى الحاضر وحده، فثمة تراكمات من الأخطاء السياسية والاقتصادية ارتكبتها الحكومات التي حكمت العراق منذ العهد الملكي مرورا بالجمهوري وصولا إلى عهد ما بعد نيسان 2003.

فكل من هذه الحكومات ارتكبت أخطاءً لا تُغتفَر في مجالات عدة أدت إلى شيوع ظاهرة الفقر بين العراقيين، منها هدر المال العام أو الاختلاس والفساد المالي والإداري والحروب المجانية خارج الحدود، وظهور موجات الإرهاب الداعشي ومن سبقه، بالإضافة إلى إثارة الفتن الطائفية التي أسهمت في إيقاف عجلة تقدم الدولة والمجتمع، فضلا عن فشل الطبقة السياسية في إدارة البلاد سياسة واقتصادا، ما أدى بالمحصلة إلى ارتفاع نسب الفقر بين شرائح واسعة من الشعب العراقي.

وبعد أن عُرفت أسباب الفقر الذي تصاعد في بلد ينبغي أن يكون شعبه مرفّها غنيا، فلا بد أن تكون هناك خطط حكومية بالغة الدقة ومدروسة على نحو علمي لا يدنو منه الريب أو التشكيك، فكثير من الأسباب التي تم رصدها فيما سبق انتفى وجودها اليوم، منها على سبيل المثال انكسار شوكة الإرهاب بالأخص تنظيم داعش وهزيمته المدوّية، بالإضافة إلى تضاؤل الفتن الطائفية، فعلى العاملين في القيادة استغلال هذه الظروف المواتية، والبدء الفوري في معالجة النسب المرتفعة للفقر، على أن توضع الخطط الكفيلة بالتخفيض من قبل خبراء اقتصاديين عراقيين مدعومين بخبرات إقليمية ودولية ومشاركة المنظمات المستقلة في هذا الجهد من خلال التنسيق الحكومي مع جميع الجهات المذكورة.

على أن تكون هنالك مباشرة وجدية في التطبيق، مع الابتعاد عن الحلول الترقيعية غير المجدية، وعدم التحجج بوجود الإرهاب، أو قلة الموارد، أو عدم توافر الظروف الموضوعية المناسبة، فلا خيار أما الساسة العراقيين سوى تغيير المنهج السياسي والإداري لهم، وتحديد عوامل الفشل وانتشار الفقر، والشروع بالمعالجات وفق السبل التي تم ذكرها، بغير الاعتماد الجاد على هذا المنهج، ومحاصرة عوامل وأسباب الفقر ومكافحتها جدّيا، وإن تطلّب الأمر سقفا زمنيا متطاولا.

فالمهم أن تبدأ المؤسسات والدوائر المختصة التشريعية والتنفيذية بإطلاق حملات متلاحقة متشابكة للقضاء على الفقر، على أن يوضع سقف زمني مع وضع لجان رقابة ومتابعة لما يستجد من نتائج، كي يتم تصحيح ومعالجة عوامل الإخفاق إن حدثت، وبهذا المنهج وهذا الأسلوب التشريعي التنفيذي المشترك، يمكن أن يضع العراق خطواته الصحيحة على طريق القضاء المبرم على الفقر بصورة كليّة.

انقر لاضافة تعليق