إنسانيات - مجتمع

ضياع اللحظة ووهم الخلود

تتشكل المعتقدات بناءً على ما يخوضه الانسان من تجارب، وما يواجهه من تقلبات الحياة والحيز الذي تأخذه من تفكيره، ودرجة اهمية المعلومات ومدى قناعته بها، ووفق هذه المعتقدات يتكون نمط الحياة العملي والاجتماعي، كما تسيره عند اختيار امر من امرين، اما الحسم السريع غير قابل للتفكير، او المماطلة في اقناع النفس واعطاء المسببات المرتبطة بيقينه، ويختار المرء ويعمل ويحب ويكره وفقها.

لدى النفس القدرة على اقناع العقل وترويضه وتغيير المسارات بعد تغيير الاسباب التي تعطى لها الاهمية، ومن جملة المعتقدات التي ينميها الافراد بداخلهم ايمانا بها، وبمقتضاها يضعون قواهم ووقتهم تحت إرادتها وتنعكس على قراراتهم، هو وهم الخلود حين يظن انه سوف يكون خالدا بعد غائلة الموت.

اتاح الإعلام الاجتماعي الفرصة لمحبي الشهرة والذين يستعرضون اراءهم وافكارهم لينالوا التفاعل الكبير من الاصدقاء والتشجيع والاطراء والمديح، منه الحقيقي واخر تملق بدافع المصلحة الشخصية، وتسبب بزيادة حالة المقارنة ودخل الكثير في دوامتها، مما جعلتهم يسعون سعيا حثيثا من اجل سماع كلمات التمجيد والثناء والمدح، وما يريدون سماعه هو خلاصة أحلامهم ورغباتهم، وتركز هذه الفئة على تقييم الاخرين لها ظننا منهم انهم قد نالوا الصيت الذي سيخلدهم في الحياة والممات.

ان الاهتمام في اراء الاخرين الايجابية والحفاظ عليها هو مراد الجميع، ولكن ان تجاوز الحد فيه وبالغ في الاهتمام وأدى به الامر ليجهد فوق طاقته وحقيقته، ليبين انه كريم او نزيه او مثقف او متدين او واعظ، لا يخطئ ولا يذنب ولا يسهو، لينال المدح هذا ارهاق للنفس وسيدخل في مرحلة ازدواجية التفكير والنفاق والرياء ليراه ويسمعه الناس.

يقال ان لكل شخص تعرفه لديه رصيد مثل الحساب المصرفي يكونه عنك، وهو يزيد من خلال الانطباعات والمواقف والتجارب وما يسمعه وما يراه عنك، ومتى ما خالف الكلام الفعل تناقص الحساب.

لم يعد غريبا علينا حين نسمع من شخص يقول عرفت فلان في مواقع التواصل الاجتماعي على انه نزيه وطني او حسن الخلق وحين جمعنا عملا في الواقع كان خلافا لذلك، لقد بذل غاية وسعه ليقول ما لا يؤمن به او يقصده.

الانسان متغير مع تغير البيئة ومتجدد مع تجدد الحياة، كثير الشك ولا يقبل الرأي بدون تحميص، ناقد بفطرته، والفَيْصَلُ ما قدمته في الماضي وما تفعله في الحاضر، فكم يحتاج الواهمون من وقت وجهد ولهاث في اثبات سلوكياتهم الخادعة في تلميع صورهم، واقناع الناس لينالوا الحمد والتزكية، وكم سيطول ذلك؟

ان البقاء للإنسانية لا للأفراد هكذا يقول العارفون، وواهم من يظن الخلود بالمديح والتهليل الذي يقال في حضرته ومتى ما هوى هوت معه، وخاسر من يهمل ويضيع اللحظات مع احبته ويركن رغباته في تأسيس عائلة ناجحة من اجل العمل للمجد الواهم لأنه سيكشف لا محال، ان الخلود في قيمته كإنسان مع اهله ومع الضعيف والصغير مع الابناء والزوجة، والخلود الحقيقي في قلوب محبيه الذي يأتي بمعاملته الرحيمة والعادلة، والخلود لمن يترك وراءه ظلا من المواقف الجيدة والكلمات الصادقة.

القى براين دايسون الرئيس التنفيذي لشركة كوكا كولا خطابا عده الكثير مهم ومؤثر، لطرحه موضوع كبير من خلال فكرة عميقة بوقت قصير لم يتجاوز (60 ثانية) قال فيه: تخيل الحياة لعبة من 5 كرات تتلاعب بها في الهواء محاولاً ألا تقع، وهذه الكرات أحدها مطاطية والباقي من الزجاج، الكرات الخمس هي: العمل، العائلة، الصحة، الأصدقاء، الروح. ولن يطول بك الحال قبل أن تدرك أن (العمل) عبارة عن كرة مطاطية كلما وقعت قفزت مرة أخرى، بينما الكرات الأخرى مصنوعة من زجاج، إذا سقطت إحداها فلن تعود إلى سابق عهدها. وستصبح إما معطوبة، أو مجروحة، أو مشروخة، أو حتى متناثرة. عليك أن تعي ذلك، وأن تجاهد في سبيله.

ان اكبر النعم التي من الله بها على البشرية هي الاسرة ففيها النجاح حين تكون العلاقات قوية مترابطة مع الاولاد، وفيها الخلود حين يبقى ذكر والديهم رصيدا كبيرا من المواقف والذكريات الجميلة واجمل خلود حين يدعون لهم بالرحمة والمغفرة في الحياة والممات.

اضف تعليق