خلقنا الله سواسية كأسنان المشط، فالولادة والموت والحساب واحد، لا تمييز بينهم بسبب اللغة أو الدين ولا فرق بين انثى وذكر، يقول عز وجل: "اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ"، والناس متساوين في الكرامة الإنسانية وكلٌّ موكل بواجباته.

من حكم الله لتسود العدالة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، رزق الله حبيبه المصطفى وخاتم انبيائه بنت كانت سيدة نساء العالمين وذات منزلة كبيرة في قلب ابيها تفوق منازل الرجال، وزوجه امرأة عاملة لتكون القدوة لبنات جنسها والمثال الحسن للزوجة والام والعاملة الناجحة.

في مجتمعاتنا مازالت انياب الجهل والتقاليد تغرس انيابها وتقهر العقول، وينظرون للمرأة كائن ضعيف قليل الذكاء تحتاج الى وصي وراعي ومراقب حتى موتها، والى الان يفضل المولود البكر ان يكون ولدا ويصاب المتزوجين بالهم والقلق من ان يكون المولود انثى اذا سبقتها اخت قبلها، فما بالك ان رزقهم الله بأربع او خمس بنات؟

يقول خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله: "من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جِدَته، كُنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة". شاهدين سأذكرهم من مجتمعاتنا الاسلامية تجاوزوا قول الله ورسوله.

في تسعينات القرن الماضي وفي احد الايام كنت في زيارة للمستشفى لغرض معالجة ابني المريض ونحن في صالة الاستعلامات ننتظر دورنا للدخول الى الدكتور جلست بجانبي امرأة كبيرة في العمر تحمل طفلة لم يمضي على ولادتها سوى ايام، والتعب والانزعاج واضح على ملامحها وتصرفاتها، اخذت الطفلة من يدها لتعدل جلستها وتستريح ودفعني استغرابي للسؤال اين امها؟

وكالسيل الجارف تسابقت كلمات الشكوى من فمها، فعلمت ان الطفلة ابنت ابنها وهي البنت الخامسة، وكان ابويها يترجون من الله ان تكون ولد، وعلى اثر الصدمة والحزن تشاجر الابوين وتخاصموا ورفضوا ان يعالجوا الطفلة وهي مريضة فأتت بها جدتها اشفاقا عليها ورحمة بها.

قساوة القلب التي يحملها هؤلاء الابوين انستهم ان المرأة انسان من نوع الرجل ولا فرق بين انثى وذكر سوى بالتربية والرشاد ليكون صالح بارا بوالديه نافعا لنفسه واهله او عاقا لا فائدة ترجى منه كالعشب الضار. وجهلهم اغفلهم ان هذه الطفلة هي حجابهم من النار وهبة الله عليهم ونعمته، فقد اعمت الانانية عيونهم.

ان الجهل يولد الظلم ويكبر الظلم على اكتاف الضعفاء، وقد تحملت الاكتاف الضعيفة ظاهرة اخذت صبغة التقليد والعادة بعد ان ضربت في جذور تاريخهم مارستها المجتمعات الاسلامية كأمر مسَلم به، مع انها تنافي التعاليم الاسلامية، هذا التقليد يسمى (باشا بوش)، وينتشر في مناطق في افغانستان وباكستان، حيث تلجأ إليها الأسر عندما لا يرزقون بذكر فيختارون احدى بناتهم لتتشبه بالرجال ويسمونها اسم ذكر، والسبب خوفهم من العار الذي سيلحق بهم لعدم انجاب الذكر، والبيت الذي يخلوا من الصبية والشباب يقل احترامه وتقديره.

الغريب في الامر ان هذه الفتاة التي تجد نفسها مُجبرة ان تأخذ دور الذكر وتعامل من قبل الجميع معاملتهم، وتأخذ نفس مساحة الحرية التي تعطى لهم، وتذهب للعمل وتعيل اسرتها وثبت تفوقها ونجاحها.

وماذا بعد؟. هذه الاكتاف الضعيفة التي يرمي عليها الظالمين قسوتهم وجبروتهم وأنانيتهم، عليها ان ترجع لهيئتها الطبيعية وتمارس حياتها كفتاة حين تصل الى عمر (17 أو 18) وبدل العمل والخروج حاسرة الرأس بحرية ومخالطة الرجال وانتهاج السلوك الذكوري بكل تفاصيله، تعود لهويتها الحقيقية كفتيات مجتمعها ترتدي البرقع ولا تخرج من البيت الى لأمر ضروري، وهناك من تمارس (باشا بوش) بشكل اكثر مزدوج واكثر ظلما وانتهاك لمشاعرها، فهي بالصباح تكون مع الفتيات في المدرسة وترتدي الحجاب، وعند المساء ترتدي ملابس الفتية وتذهب مع ابيها لتساعده في العمل.

ومع ان الامر لا يحتاج الى ان تشخيص فكيف يكون الانسان بشخصيتين وهويتين وطريقتين في السلوك ويستمر في حياته كانسان طبيعي، ولكن عالم النفس يقول إن الفتيات اللاتي يعشن حياة الـ(باشا بوش) يشعرن بازدواجية التفكير ويؤثر بشكل سيء على نفسية الفتيات يجعلهن في صراع داخلي متعب، منهن من يمرن بهذه المشاعر لفترة مؤقتة ويستطعن تجاوزها او تستمر معاناتهن الى الابد. تعيشه الطفلة لتلبية رغبة والديها والمجتمع ولنيل الحرية، حتى ولو كانت لفترة مؤقتة. كما أنها تؤثر بشكل سيء جدا على نفسية وهوية الفتاة.

متى ما اعطت المرأة حقوقها في الحياة في كل زمان ومكان تبهر العالم بقوتها الكامنة بداخلها والتي حباها الله بها، وتؤدي واجباتها مثل الرجل تماما، وحدهم الغافلون ومن نبتت بذور القسوة في قلوبهم وغلف عقولهم الجهل والتخلف المتنامية في داخلهم يصرون في الالحاح على رغبتهم التي لا يريدها الله ان تكون حتى لو كانت مرفوضة في الدين او سبب واضح للتدمير النفسي فتبقى الغلبة للأقوة.

اضف تعليق