في قرية ريفية نائية يعيش طفل ضعيف الحال والمال، لأبوين بسطاء في التخطيط وتفكيرهم لا يتعدى قضاء يومهم، عاش محروماً من كل شيء حتى القدوة التي تمثل للطفل الدافع الذي يدفعه نحو النجاح.

يقضي عامه الدراسي بقميص وبنطلون واحد تشترى له من ثمن بيع محصول التمر الذي يتباين من عام ولآخر، فلو لم يثمر النخيل يبقى موضوع شراء الملابس قيد التهديد، وفي اليوم الذي يعطى اجرة للركوب سيارة حمل (بيكب) او ثمن شراء شطيرة تكون فرحته موازية لفرحة رؤية المحب لحبيبه او ربما أكثر، لشدة عناءه من السير قرابة الثلاث كيلو متر يوميا ذهاباً واياباً لمنزله الايل للسقوط.

في الصف الثالث متوسط تمكن من شراء دراجة هوائية من ثمن عمله والتي تعني له الانتقال الى فترة رفاهية بالمقارنة بالفترة السابقة، واستمر الوضع على هذا الحال حتى تخرج من الإعدادية وقبل في احدى الجماعات ذات السمعة الطيبة وهو لا يزال (يمتهن العمالة) عند كل فرصة يحصل عليها لتوفير حاجياته في الجامعة.

انصفته بعد ذلك الحياة ليصبح ممن يحملون شعلة العلم في مجال التربية وساعياً نفسه لتطوريه ومجتمعه ورافضاً ان يعيش هامشياً في صفحات الحياة، مما سبق نستنتج ان الانسان بمقدوره ان يصنع واقعه الى حد بعيد، فلماذا نقلي بفشلنا على الظروف وغيرها من المبررات والواهية؟

ولماذا اعتدنا على تبرير فشلنا في تغيير واقعنا وان ما يحصل لنا لسنا مسؤولين عنه او اننا مسلوبي الارادة في رفض حياة الشقاء والاضطهاد والبؤس؟ فالأحرى بنا ان لا نبقى محبوسين في غياهب افكارنا العاجزة ومستثمرين لطاقاتنا التي تدفعنا نحو الحراك.

نحن لسنا مسؤولين عن تغيير العالم يكفينا ان نغير أنفسنا بتنفيذ افكارنا في ارض الواقع فالأفكار ان بقيت على الورق ليس لها قيمة وقيمتها تأتي من امكانيتها في التغيير، وصناعة الافكار الايجابية تتطلب تخطيط وعزم وارادة في الوصول الى حلم رسمته في مخيلتك سيقتله الاستسلام وغياب محاولات التطوير.

في علم النفس يقال: ان تصورك عن نفسك هو من يصنع الفارق في الانجاز، وبحثك عن تحسين حالتك يؤدي بك الى الافضل، وما تجني سلة افكارنا وخيالاتنا تنعكس على واقعنا فإن أردنا التغيير ينبغي ان نغير اتجاه بوصلة أفكارنا فقط وسنحصل على النتائج المطلوبة متى ما استطعنا إدارة تلك الأفكار بطريقة عقلانية وبنظرة بعيدة المدى.

صناعة واقعنا هي عملية تكريس انتباهنا (الرؤية، التفكير، الوعي، العمل) في الواقع الذي يجب ان تعيشه او تفضله، بمعنى ان نتعلم كيف نفرض السيطرة الواعية على انتباهنا وتفكيرنا وتوجيههما صوب اهدافنا، وهذه المهارة ان احسناها سنحقق من خلالها نجاحاً صحياً واقتصادياً ونفسياً ومجتمعياً، وعلى العكس فأن تشتت الانتباه والتفكير وغياب الهدف سيجعل منا مقتنعين بالواقع ومتحملين لويلاته.

قد يعترض أحد على رفضنا لتقبل الواقع معللاً بأن الرضا بالواقع يمنحنا السعادة والامن النفسي، نقول: ان الرضا بالواقع دون السعي التجديد ومواكبة مستجدات العصر هروب من واجباتنا تجاه أنفسنا هو تجسيد لفشلنا في العبور صوب الضفة التي ينبغي ان نكون فيها لا التي نحن فيها الان.

والبحث عن التغير يفترض ان يشتمل على المجالات كافة، منها تطوير المستوى الاكاديمي بالحصول على شهادة اعلى، او تغير مستوى ثقافتك عبر المتابعة والقراءة فاليوم بات ما يدعونا الى التطور موجود وميسر بالمقارنة بما سبق، كذلك فيما يتعلق باكتساب المهارات والخبرات التي تجعل منك اكثر انتاجية مما يجعل من فرصة نجاحك ورفاهيتك مما يناسب واقعك الحالي.

لكل مرحلة في حياتنا خصوصيتها وتختلف إمكانات ومتطلبات الفرد فيها، فما كان يكفيني في مرحلة معينة أصبح اليوم قاصراً، وما رضيناه بالأمس بداعي محدودية طاقتنا صار اليوم واجب التغيير لان امكاناتنا اختلفت والتطوير يجب ان يناسب الإمكانات بصورة طردية.

ثمة علميات نتبعها لنصل الى الواقع الذي نسعى اليه لا الواقع الذي فرض علينا اولها السعي الى ذلك الهدف في كل يوم نخطو خطوة وتتابع الخطوات يقربنا يوما بعد اخر لما نصبو اليه، فاذا كنا نحلم في نيل شهادة عليا على سبيل المثال علينا ان نهيأ لوازمه من جمع مصادر القراءة للامتحان التنافسي وترتيب الوازم الادارية نحقق هدفنا وهو القبول الدراسات العليا.

وعلينا ايضاً ان نزيل كل الانماط القديمة في التعاطي مع مجريات الحياة وان ننشئ ظروفاً تخدم اهدافنا وهذه النسخ الجديدة من التفكير ستوفر طاقة جديدة، فليس منطقياً ان نحقق غايات او اهداف مستجدة بآليات قديمة، لذا يجب خلق عادة أو طبع جديد بمشاعر وفكر جديد لنحقق هدفنا الذي نحلم به.

ومن اجل تطوير واقعنا يجب ابدال عبارات (لا استطيع، من سيساعدني، فلان يختلف عني، ما لدية مقبول ولا داعي للتعب) بعبارات (انا قادر، لا ينقصني شيء لتغير واقعي، وكل الذين وصلوا كانت بداياتهم متعثرة) وغيرها من العبارات التي تعيد للفرد الثقة بنفسه، وتنقله من الشعور بأنه ضحية الى الشعور بأن المتحكم بنفسه والمسير لها.

في الخلاصة نقول: ان مستقبلنا مرهون بمدى نجاحنا افكارنا ونجاحنا في ترجمة هذه الافكار الى خطة عمل تحسن واقعنا وتجعله في تطور مستمر تبعاً لدواعي التطور العام كل جزئيات الحياة، وكلما كان تصورنا عن مستقبلنا منطقياً كل ما كان تطبيقه في الواقع أكثر فاعلية وبالتالي تحقيق الرضا عن النفس الذي يمنحنا العيش الذي يليق بنا كأفراد مجددين لا جامدين.

عزيز ملا هذال
محظوظ بقراءتكم لمقالي الاخ المعطاء د. مسلم الخلوق ... شهادة فخر اعتز بها2021-01-24
مسلم عباس
مقال مميز للباحث التربوي عزيز ملا هذال2021-01-24
انقر لاضافة تعليق