وصل الحال ألا يقول لك شكرا من تسدي له معروفا، بل يأخذ حقك عنوة من دون أن يعيرك بالا، والبعض لا يعرف كيف ينتقي كلماته والاسلوب المناسب في المواقف المختلفة، وآخرون يذهبون للتسوق بملابس البيت، ويتجاوزون على الدور وكأن لا أحد موجودا معهم وهم يتبضعون او يقفون أمام فرن للخبز، ويرمون فضلاتهم في الشارع العام، ويوقفون سياراتهم في منتصف الشارع وكأنه ليس ملكا عاما، وللآخرين حق فيه، ويتلفظون بألفاظ نابية بأصوات عالية وعلى مسمع من المارة من دون التحسب لوجود نساء او أطفال، وبلا خجل يطيلون النظر الى زوجتك وبناتك حتى وان كنت برفقتهم.

وكأنهم لا يدركون ان ذلك عيب، وبلغت وقاحتهم مبلغا جعلتهم يواصلون النظر بالرغم من معرفتهم بامتعاض الأب او الأخ او الزوج من سلوكهم المشين، ومنهم من تجذرت الحيلة لديهم حتى غدت سلوكا، ويسعون بكل السبل لتحقيق الغلبة عليك وغشك وايهامك بدءا من بائع الخضار ومرورا بالعاملين في الصيدليات الذين يبيعون الدواء بأسعار حسب الهوى، وانتهاء بالأطباء الذين يثقلون (وصفاتهم) بدواء لا يمت لحالتك المرضية بصلة.

ولا تكتشف هذه الحقيقة الا عند مراجعة طبيب آخر، وسائقو سيارات حكومية بضمنها تابعة لأجهزة أمنية لا يلتزمون بالإشارات الضوئية، او يسيرون عكس الاتجاه بالرغم من التزام غالبية المواطنين، طلبة جامعيون يرمون فضلاتهم على منصة الاستاذ او على المقاعد او على شبابيك القاعة الدراسية مع ان سلة النفيات لا تبعد عنهم سوى أمتار، تلاميذ يخرجون من باب المدرسة بعد انتهاء الدوام بطريقة عشوائية يسودها التدافع وعدم النظام، مسؤول كبير يسلك طريقا بشكل يومي ولا يسأل نفسه لم هذه الجزرة الوسطية غير مشجرة، او لم لم تجمّل هذه الساحة او تلك.

بناية أمنية جرباء مضى عليها عقد ونصف ولم تُطل مع ان طلاءها لا يكلف سوى مبلغ زهيد، بينما يضفي الطلاء عليها رونقا، خلو المدارس من الحدائق التي كان المعلمون يعاقبون التلاميذ أشد العقاب اذا قطعوا وردة او غصنا متدليا، فاذا بحديقة المدرسة نسيا منسيا. هذه بعض المظاهر السلبية وغيرها الكثير مما نصادفه يوميا، ولم تعد هذه المظاهر من باب الحالات، بل صارت ظواهر شائعة، وظّن البعض انها امور طبيعية، مع انها أفعال غريبة عن مجتمعنا الذي كان نموذجا للاحتذاء في الخمسينات والستينات.

والأمر كله مرتبط بالذوق، فقد تراجع الذوق العام في مجتمعنا تراجعا مريعا، ويرجح اذا بقى الحال هكذا أن يبلغ مستوى يشعرك بالعيش في غابة، فأين هو الذوق الرفيع الذي نتطلع له؟ ان الذوق العام يضفي على الحياة معنى، ويكشف عن تحضر الأنسان، بل ويزيد من انتماء المرء لبلده ومجتمعه، فمن هي الجهة المسؤولة عن تنمية هذا الذوق؟.

ان افتقاد الذوق مرض اجتماعي له آثار جانبية شديدة الخطورة على البناء الاجتماعي، وما أكثر أمراضنا الاجتماعية التي لم تشغل أضيق المساحات من اهتمام المسؤولين عن تنشئة المجتمع. ليس بالجديد القول ان لا دور في التنشئة الاجتماعية يفوق دور المدرسة، وكل الأدوار الاخرى تتراجع ازاء ما تقوم به المدرسة بدءا من الاسرة وانتهاء بمختلف مؤسسات التنمية الاجتماعية كالإعلام ومنظمات المجتمع المدني والجوامع والحسينيات، والسبب ان المدرسة تعمل على وفق اجراءات منهجية مخطط لها.

هكذا هو الافتراض، فعندما تنهار المدرسة تنهار التنشئة، ولا يمكن لمؤسسات التنشئة الاخرى أن تسد الفراغ، لكن المدرسة لدينا شكل خلا من جوهره في الغالب، بل حتى التي نظن انها ترقى الى الشروط التي تقتضيها المؤسسة التعليمية والتربوية، نلحظ انها اهتمت بما هو علمي وأهملت ما هو تربوي، والذوق يندرج ضمن ما هو تربوي، فكيف ننمي هذا الذوق اذا كانت المدرسة خالية من المسرح وقاعة للفنون التشكيلة وحديقة تتوسطها، ومعلم متنور، وادارة شديدة في تطبيق النظام.

من المؤكد ان للقائمين على التربية من الاعذار الشيء الكثير، ومنها ما هو موضوعي وحقيقي، وأولها ان نمو المدارس لا يتناسب مع نمو السكان، فكيف يمكن الارتقاء بالأذواق في صف يبلغ تعداد طلبته أضعاف طاقته الاستيعابية ؟، ومع ذلك علينا أن نعمل بما تيسر من امكانيات، لأننا لن نحصد من اهمال التربية غير التخلف والتطرف وتوحش المجتمع.

انقر لاضافة تعليق