ربما يهز البعض يديه وهو يقرأ هذا المقال، وقد اوصف بنعوت شتى وبحسب ما يشتهون ليقولوا: انظروا لهذا الرجل كيف يهذي، يحدثنا عن الستوتات، بينما البلاد واقفة على قرن ثور، فهناك من يهدد بضربة ماحقة، وآخر يخشى من زج البلاد في صراع لا تعرف له نهاية، وثالث يتنصل من علاقة حميمة كنا الى وقت قريب نظنها مصيرية، خذ مثلا يا رجل: ألا ترى رئيس الجمهورية بجلالة قدره يرجو الممسكين بالعمق، ان تكون الدولة هي المرجعية في ادارة ما يلوح في الافق، ويريد لبلادنا ان تكون محورا لتفاهم المتصارعين في الاقليم، نعم ما تقولون صحيح، لكننا فشلنا يا اخوان في ادارة اختلافاتنا، ولازلنا نراوح في المكان منذ عقد ونصف من الزمان.

يبدو ان الحديث عن الستوتات في هذا الجو الساخن محليا واقليميا ودوليا أقرب الى الهذيان منه الى القول الفصل، ولكني هكذا جُبلت، أهذي، وهذياني (كهذيان الذاكرة المر) في المسرحية التي صفق لها جميع الحاضرين وقوفا، بينما الدموع تنهمر من المآقي بغزارة، بعدها فر بجلده كاتبها الشاعر عدنان الصائغ من البلاد يوم رأى القنابل تتقاسم الأصدقاء في حرب عبثية.

قناعتي تقول ان الذي ليس بمقدوره مسك النواعم من الامور لن يستطيع العثور على رأس الخيط الضائع في (الوشيعة) العراقية التي تداخلت فيها جميع الخيوط والألوان، ومع كل هذا التداخل فليس ما يحدث في العراق عصيا على الحلول، وان ما يبدو غامضا فيه ما يكفي من الوضوح، ولا يتطلب الأمر سوى شجاعة تسمي الأشياء بأسمائها، وهذا لم يحصل لدى من قدر لهم مسك مقود السفينة التي لازالت متجهة نحو المرافيء غير الآمنة، وبتنا اليوم نخشى غرقها كما غرقت عاصمتنا بالستوتات التي فرضت سيطرتها بسياسة التسلل الناعمة، بعد ان حشدت قواها على استحياء في أطراف المدينة وبين أزقتها، فاذا بها اليوم ظاهرة تنخر في قلب بغداد، والذي لا يصدق فليذهب الى الشارع الذي يربط منطقة الباب الشرقي بمنطقة باب المعظم المار بمنطقة الشورجة، ليرى بام عينيه كيف يصول ويجول أصحاب الستوتات طولا وعرضا وعكس السير، بينما يقف رجال المرور مستسلمين، وبكل رقة وبصوت أقرب الى الهمس يتحدثون مع أصحابها في حال المخالفة.

الظواهر السلبية تنمو وتتعاظم أمام الأنظار بما يخدش تحضر المدينة ويشوه من صورتها والمتبقي من جمالها، في حين يبتكر البعض اعذارا ليبرر نمو ظواهر سلبية مثل العشوائيات السكنية، وتربية الحيوانات في الأحياء الشعبية، والمطاعم ذات الوجبات السريعة على الطرقات، والاستحواذ على الأرصفة ،وتحويل جوانب الشوارع لمرائب، وانتشار محال القصابة في الجزرات الوسطية وما يتبعها من جيب جانبي ليكون مطعما على الهواء الطلق، ظواهر ربما لا تجد لها مثيلا في أسوأ البلدان من حولنا.

اذا بقي الحبل على الغارب كما يجري الآن، فأظن ان الستوتات ستزيح مركبات النقل الخاص لتحل محلها، فأسعارها زهيدة وقدرتها على المراوغة كبيرة، وفي الوصول الى أهدافها سريعة، فماذا تريد أكثر من ذلك ؟ لا بل وتجعلك ترى في بغداد هندا اخرى، فتغنيك عن زيارة ذلك البلد البعيد الذي يستنزف دون أن نشعر عملتنا الصعبة بالسياحة العلاجية والدراسة الشكلية لكل من يتعذر عليه الحصول على شهادة عليا من جامعاتنا.

من الأشياء التي تبهج النفس وتريح القلب وتبشر بالخير مباشرة مديرية المرور العامة بمشروعها الوطني الذي يريح الناس من متاعب كثيرة، ويُغلق بوابات الفساد الكبيرة، لكن عملا مثل هذا لا يعني شيئا والستوتات بسطت هيمنتها على الشوارع، ويبقى ناقصا طالما أصحاب المركبات غادروا مرائب النقل العام واتخذوا من أفياء المجسرات والساحات والشوارع العامة مكانا لملء مركباتهم بالمسافرين، وبحسرة ينتظر الملتزمون بالنظام والمرابطون في المرائب الرسمية رزقا بات شحيحا. يراد للمرور ثورة عارمة ضد هذا الانفلات. وفي نهاية حديثي عن هذه الغزوة التاريخية أتمنى ألا ينقدني أحدهم بالقول: كف عن هذيانك يا رجل، فقطع الأعناق ولا قطع الأرزاق، فأنا اخشى هذه المقولة كثيرا، فدائما ما تنتهي بنا الى حرب طاحنة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق