النظام القيمي الذي تستند اليه الدولة الحضارية الحديثة، وخاصة تلك القيم الحافة او المصاحبة لعناصر المركب الحضاري، هو اهم ما يميز الدولة الحضارية الحديثة عن غيرها من الدول، بل هو ملاك التميز فهو العنصر الرابع من العناصر المكونة للدولة الحضارية الحديثة اضافة الى مكونات الدولة المعروفة وهي الشعب والارض والحكومة.

وهذا هو جوابي للذين يقولون انهم لا يجدون مصطلح الدولة الحضارية الحديثة في كتب القانون الدستوري وغيرها، لان العبرة ليست بما هو موجود في الكتب، انما بما هو موجود في ارض الواقع، فاذا وجدت دولة تحرص على نظام القيم بالمعنى الذي نشرحه هنا فهي دولة حضارية حديثة.

نظام القيم هو مؤشرات سلوك للتصرف المطلوب من الافراد والمجتمع والدولة ازاء عناصر المركّب الحضاري الخمسة وهي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. تتعلق القيم اذاً بشكل اساسي بعناصر المركب الحضاري الخمسة، كما تتعلق بعلاقة الانسان مع الطبيعة، وعلاقة الانسان مع اخيه الانسان. وبصورة عامة اقول ان القيم تتعلق بكل المفردات الموجودة حول الانسان، ابتداءً من الافراد وانتهاء بالدولة ومروا بسلسلة طويلة من الاشياء والمفردات، هذه العناصر موجودة في كل المجتمعات، لكن نظام القيم ليس موجودا في كل المجتمعات على مستوى واحد، لذا نجد مجتمعات متقدمة واخرى متخلفة، ومجتمعات حسنة التنظيم واخرى سيئة التنظيم، ومجتمعات منتجة واخرى استهلاكية، ومجتمعات ايجابية واخرى سلبية. وهكذا. ولكلِّ درجات مما ذكرنا.

وتقاس حضارية الدولة بمدى تحقق الالتزام بالنظام القيمي، يضبط سلوك الانسان قوتان: واحدة من خارجه، والثانية من داخله. اما القوة الخارجية فهي قوة القانون الصارمة؛ واما القوة الداخلية فهي الالتزام الذاتي الذي تخلقه القيم.

ومن شأن هذه القيم ان تصنع المواطن الفعال الايجابي، والمجتمع حسن التنظيم المنتج، والدولة الحضارية العادلة، وتمثل القيمُ الثقافةَ السائدة في المجتمع، والتي يتوارثها الابناء عن الاباء مع ملاحظة التحولات التاريخية والمجتمعية، وترعاها الدولة من خلال نظامها التربوي. يتكفل هذا النظام على تنشئة الاطفال على هذه القيم، وتربيتهم تربية حضارية حديثة متقدمة. ولهذا تولي الدول الحضارية الحديثة اهتماما كبيرا للجانب التربوي وتبذل اموالا طائلة في هذا المجال، وقد بداتُ بدعوة الدولة العراقية الى الاهتمام بهذا الجانب منذ عام ٢٠٠٤ ولكن دون مجيب، الامر الذي ادى الى تراجع المستوى التعليمي والتربوي بشكل خطر على مستقبل المجتمع ونظامه القيمي.

وأسجل هنا امرين مؤسفين جدا: الاول ان النظام القيمي في المجتمع العراقي تعرض الى تشققات وانهيارات منذ تولي حزب البعث السلطة والى الان، والثاني ان النظام الجديد في العراقي لم يهتم بهذه المسالة بالشكل والمحتوى المطلوبين. وكان ينبغي ان تضع وزارة التربية إستراتيجية تربوية تغطي ١٢ عاما من عمر الطفل العراقي، لا يمكن ان تقوم د ح ح دون ان يعاد بناء النظام القيمي للمجتمع.

ان اكثر الدول المتقدمة لا تترك المجال التربوي يتيه في دروب المجتمع، لان هذا معناه ضياع المجتمع والفرد، قبل قيام الدولة الحضارية الحديثة، كما هي حال مجتمعنا الان، فان النظام القيمي والتربوي الجديد يولد على ايدي الافراد الواعين الحضاريين الذين امنوا بالدولة الحضارية الحديثة قبل قيامها. وينشط هؤلاء لبث هذه القيم وتربية افراد اخرين عليها حتى يصبحوا جماعية حضارية متميزة. وتبدأ هذه الجماعة بالتأثير على بقية قطاعات المجتمع ويصبح التغيير الاجتماعي حقيقة قائمة تؤثر على الدولة ذاتها ويبدأ افراد هذه الجماعة الحضارية بالوصول الى مرافق الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية تدريجيا، بالطرق الاصولية والقانونية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق