الفارق بين الإنسان والكائنات الأخرى، يكمن في كونهِ يتفوق عليها بالذكاء، ويتميّز عنها بالعقل، فبالإضافة إلى حزمة الغرائز التكوينية، كالخوف، واستشعار الخطر، وحب التملك، والتفوق، وغيرها مما يملكه الإنسان وسواه، إلا أن البشر يمتلك ما أعظم من كل المزايا الخَلْقية، إنه يمتلك العقل، وبالتالي الإرادة وما يستتبع ذلك من إدراك وتوقّع وتحليل واستنتاج، وانطلاقا من ذلك بديهي أن يسعى الإنسان لتطوير نسله وذريته بالعلم والمواصفات وتطوير شرائع العيش.

فالأب يحرص على إنتاج ذريّة متميزة، ليس وراثيا فحسب، بل اكتسابيا أيضا عبر التجريب والتدريب والتطوير، ولكن مع كل هذا الحرص الأبوي قد لا يدرك بعض الآباء مدى الخطأ الذي يرتكبونه في سلب استقلالية الأبناء في اتخاذهم قراراتهم، فيذهب الآباء تحت بند التربية الحسنة إلى عدم فسح المجال لأبنائهم كي يتعاطوا مع القرارات المهمة أو الأقل أهمية، وفق ما يرتئي الابن وليس الأب الذي غالبا ما يجعل من نفسه وصيّا على ابنه.

وربما لا يدرك الآباء بأنهم في تدخلهم هذا يمسخون شخصية الابن ويجعلونه تابعا مترددا وعاجزا عن اتخاذ أي قرار، وهذه بالطبع تربية خاطئة تسلب الإبداع من الأبناء وتجردهم من القدرة على التفرّد والابتكار، بالطبع لا يعترض احد يمكنه الاعتراض على دور الأب في بناء شخصية الابن أو التقليل من ذلك، بل هناك أهمية كبيرة لهذا الدور، لاسيما في المراحل الأولى من طفولة الإنسان، فحتى علماء التربية والاجتماع الذين يؤكدون على أهمية استقلالية الذات، يرون أهمية قصوى في بدايات النشوء لتدخل الأب والمحيط العائلي في بناء شخصية الطفل، بيد أن هذا التدخل ينبغي أن يقل بالتدريج مع نمو الطفل وعبوره إلى مرحلة أخرى، وينبغي أن يؤول التدخّل الأبوي إلى الزوال مع وصول تقدم الطفل في السن، حيث تتطلب منه المراحل العمرية القادمة أن يكون ذا شخصية مستقلة، لها صفاتها وسماتها وملكاتها التي لا علاقة لها بالأب او غيره، لهذا ينبغي أن يحرص الآباء على تنمية استقلالية القرار لدى أبنائهم وتنمية هذه الثقافة وجعلها من أولويات التربية.

معضلة تربوية تضعف إرادة الشباب

لكن ما يحدث على الصعيد التربوي السائد، في المجتمع العراقي أو حتى في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، أن الابن يبقى مرتهن عند الأب تحت بند التربية التي تتحول إلى وصاية تجهض كل المواهب التي قد يتحلى بها الأبناء، لذلك ينشأ الابن والبنت بالاعتماد على غيره في اتخاذ القرار، وهذه معضلة تربوية تدمّر خصال الفرد وقدراته الخلقية التي تخلق معه، ليصبح بالنتيجة إنسانا لا يفقه أهمية استقلالية الذات، ولا يفهم شيئا من ثقافة اتخاذ القرار، وغالبا ما يعتمد عليه في تسيير شؤونه وصنع قراراته وبناء حياته على الآخرين، ويبقى هذا الاعتماد قائما حتى بلوغ الإنسان مراحل عمرية متقدمة، وهذا خلل كبير في بناء النفس بطبيعة الحال، كونه يقود إلى إلغاء قدرات الشخص ويجعله أسيرا لأبيه ونظرته وأفكاره وخياراته وكذا الحال بالنسبة للبنت إذ تصبح الممسوخة الشخصية، وتختفي القدرات والمواهب التي يتحلى الابن بها أصلا، وقد يشترك الأب في قتل مواهب الابن وتدمير قدراته من دون أن يعرف او يقصد ذلك، وهذا ما يحدث في الأنماط التربوية السائدة في العراق حتى خارج محيط الأسرة، فالمدرسة بكادرها التدريسي الأبوي تسهم في اضمحلال ثقافة القرار وكل المؤسسات الأخرى تسعى للتدخل في قرارات أفرادها، لكن الصحيح تشجعهم على اتخاذ القرار بصورة شخصية.

وحين نجري بعض الاستبيانات التربوية سوف يتضح لنا هذا الخطأ الكبير الذي يرتكبه بعض الآباء أو أولياء الأمور، حين يحاصر الابن أو الطالب أو العامل بالوصاية الأبوية أو الأمرية، يحدث هذا عندما يجعل الأب ابنه معتمدا عليه في كل شيء، حتى في اصغر الأمور التي يمكن أن يعالجها ببساطة، فيبدأ الابن يطير بجناحيّ والده، وليس بجناحيه، ويبقى مستمرا على هذا الحال حتى لو بلغ ما يكفي من القوة كي يستقل بحياته وقراراته وأفكاره، فيشترك الاثنان الأب والابن في تدمير حياة الأخير، من دون ان يقصدا ذلك بطبيعة الحال، لكن السبب الأساس يعود لولي الأمر، يحدث هذا عندما يعتمد الابن بصورة كلية او شبه كلية على أبيه في تسيير حياته وما يتعلق منها، وقد يشجعه الأب على هذا الخطأ الفادح، عندما يكون بديلا لابنه في اتخاذ القرار والخيارات، وبذلك يحدث الإلغاء الكلي لقدرة الأبناء على اتخاذ القرار الشخصي في سلوك رديء قد يتبلور ويتصاعد ليصبح عاملا مدمّرا لشخصية الأبناء والشباب من الجنسين في عموم المجتمع.

تدمير الشخصية بحج تربوية

ومن الغرابة بمكان أن يحشر ولي الأمر أنفه في جميع شؤون الأبناء، حتى الأدق خصوصية منها بحجة الخوف عليه، إذ في مجتمعنا نلاحظ أن الأب يتدخل في أدق تفاصيل حياة الابن، منذ نعومة أظفاره وحتى يبلع أشدّه، هذا أمر قد يكون مناسبا بحدود معينة لتقويم الأخطاء في الفكر والسلوك ولكن ثمة بديل هو المتابعة عن بعد، فالخطورة كلها تكمن في بقاء هذه الهيمنة الأبوية على الابن حتى عندما يسند عوده جسدا وعقلا، هنا تصبح عملية التدخل الأبوية في حياة الابن ذات نتائج عكسية تماما، حتى المؤسسات التربوية المتنوعة يمكن أن تكون مشاركة في بلورة هذا الخطأ التربوي الجسيم الذي يلحق أشد الضرر بالشباب والمجتمع.

من الممكن اتخاذ بعض الخطوات والإجراءات لمعالجة مثل هذه الأخطاء التربوية، أو على الأقل التخفيف من وطأتها وتأثيرها، من هذه الخطوات:

- أن يتثقف الآباء ذاتيا على فسح المجال لأبنائهم على تجريب قدراتهم الفردية في اتخاذ القرار.

- أن تسهم المدارس بجدية في إشاعة ثقافة الاستقلالية عبر محاضرات ودروس نظرية تطبيقية تساعد الشباب على حسم القرارات بصورة فردية.

- لا يعني أسلوب السماح للأبناء باتخاذ القرار المستقل، غياب المتابعة الأبوية بصورة كلية، حيث يمكن للأب ولأولياء الأمور بشكل عام مساعدة الأبناء في هذه القضية بصورة غير مباشرة.

- تنطبق هذه الإجراءات على الإناث وتثقيفهن بثقافة الاستقلالية خصوصا في القضايا التي تتعلق بأمور لا تتقاطع مع الأخلاق الاجتماعية العامة.

- مطلوب من الإعلام بكل فروعه وأصنافه ومؤسساته أن يقود حملة تشجع الآباء وتثقفهم لتحقيق استقلالية الأبناء، وتساعد الأبناء وتنبههم على أهمية ثقافة اتخاذ القرار.

- للمؤسسة الدينية دورها في هذا المجال، لاسيما أن الجميع ينصاع لملاحظاتها، من الآباء والأبناء.

- أن توضع تشريعات اجتماعية توضع من قبل لجان مختصة تهدف للحد من شيوع التدخل غير المبرر في حياة الأبناء، على أن لا يؤدي ذلك إلى حالة من الانفلات الاجتماعي.

- وأخيرا ينبغي أن تكون هنالك حالة من التعاون المتبادل بين الأب وابنه لتفهم الحدود التربوية التي لا تخلّ بشخصية الابن، ولا تطلق له العنان في السلوك غير المناسب، أي المطلوب نوع من الموازنة بين حرية الأبناء في استقلالية القرار من جهة، ومراعاة القيم والأعراف السليمة التي تضبط إيقاع السلوك المجتمعي.

اضف تعليق


التعليقات

زهراء عباس الخفاجي
العراق
لا يشعر بقيمة هذا الموضوع إلا من اكتوى بسلطة الأب ورئيس الدائرة والمنظمة ومدير المدرس والمعمل، بعض هؤلاء يمنحون أنفسهم صلاحيات ما أنزل الله بها من سلطان.. الموضوع مهم ويحتاج إلى تكرار في تناول هذا الجانب من أكثر من زاوية.. بارك الله بكم2018-07-03