لم تعد القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني لفلسطين مسألة محصورة بين فلسطين والكيان المحتل، فالتداعيات التي افرزتها عملية التوغل للفصائل الفلسطينية ورد الفعل الاسرائيلي واهدافه المعلنة، اصبحت تلك التداعيات تشمل المنطقة ككل، فالشرق الاوسط اليوم غير الشرق الاوسط قبل خمسين سنة (حرب 1973).

تطورات القضية الفلسطينية اصبحت مادة وطرف مهم في معادلة التنافس والصراع في الشرق الاوسط بين الفاعلين الاقليميين والدوليين وحتى في معادلة السلام مع الكيان الغاصب، حتى باتت محورا اساسياً في مفاوضات استئناف العلاقات مع المملكة العربية السعودية.

عناصر القوة والمباغتة والمفاجأة في توغل مقاتلي حركة حماس الى المستوطنات ومقتل وجرح وأسر الكثير من تلك المستوطنات، وضع حكومة الكيان الغاصب في حرج كبير امام مواطنيها في وقت تؤكد الحكومات في الكيان المحتل على تحقيق الاستقرار الامني في كافة انحاء البلاد، وأنها تمكنت من احتواء حركة حماس ونشاطاتها العسكرية، وانها لا يمكن ان تشكل خطر على سكان المستوطنات. وبالرغم من ان الاحزاب السياسية فشلت في تشكيل حكومة ائتلافية، الا ان رئيس الحكومة نتنياهو تمكن من تشكيل حكومة مصغرة نتيجة الظرف الامني الخطير، وحصل على مساندة الاحزاب المعارضة.

للمرة الاولى التي تتمكن حركة حماس من احداث هذا التهديد الامني في التوغل والقتال داخل المستوطنات لأكثر من يومين من دون وجود جيش الدفاع للكيان، كما ان التدابير والضربات الصاروخية التي شنتها حماس وكتائب القسام اختلفت بشكل كبير عن مثيلاتها خلال حرب 2014 التي دامت ما يقارب من 50 يوم. وهذا يدلل على ان قوة حماس وكتائب القسام والفصائل الاخرى وعناصرهم تعاظمت خلال السنوات الماضية، فضلا عن هذا الاختراق اثبت فشل الاستراتيجيات والاجراءات الامنية المتبعة لتفادي خطورة وتهديد حماس والقسام.

ونتيجة لذلك اصبحت اهداف الحرب من جانب الكيان الغاصب وحكومته وجيشه مختلفة تماما عن مثيلاتها في الحروب السابقة التي خاضتها ضد الفصائل الفلسطينية. وانتقلت تلك الاهداف من الاحتواء الى القضاء على القدرات العسكرية وامكانيات الحكم لحماس فضلا عن الفصائل الاخرى.

التداعيات الامنية الخطيرة لتوغل حماس والفصائل الاخرى وقدراتها العسكرية وهجماتها الصاروخية على المستوطنات داخل الاراضي المحتلة اصبح يُنظر له على انه تهديد لأمن المستوطنات، واثبت ان امن الكيان الغاصب امن هش جدا، وان التكنولوجيا العسكرية لم تجدي نفعا في منع مثل هذا الانتهاكات الخطيرة، وفي ضوء الوضع السياسي الداخلي للكيان الغاصب، اصبح هدف تحقيق مكسب امني وسياسي ضرورة لابد من منها لإعادة الثقة بالنظام السياسي الحاكم، والحكومة، والمؤسسة الامنية، وحتى الاحزاب السياسية المشاركة في الحكومة والسلطة التشريعية. ولهذا نلاحظ ان حكومة الكيان الغاصب تعلن اهداف كبيرة لا تنعكس على القضية الفلسطينية فحسب، بل على منطقة الشرق الاوسط.

ولذلك لن تنتهي الحرب في غزة من جانب اسرائيل دون تحقيق مكسب أمنى على الارض، وهذا سيتراوح بين انشاء منطقة عازلة شمال غزة او احتلال القطاع بالكامل. وهذا سيعني ان تحولا خطيرا سيحصل في القضية الفلسطينية كما في نكبة 1967. اذ أكد وزير الدفاع الكيان المحتل "ان الحرب تتضمن ثلاث مراحل جوية وبرية ومرحلة ثالثة تتضمن فرض وضع أمنى وسياسي جديد بعد القضاء على حماس". وهذا يعني ان الفصائل الفلسطينية وداعميها من الخارج من حكومات ومجاميع مسلحة ومؤسسات استخباراتية ستكون امام ضرورة تحديث ادواتها وتفاعلاتها الاقليمية والدولية.

اما التحرك الامني والدعم العسكري للولايات المتحدة للكيان الغاصب، فواشنطن امام تحديات عدة منها انها لابد من اعادة الثقة بها كحليف للكيان الغاصب وحامي لأمنه القومي، وايضا تريد اثبات فاعليتها في حماية امن الحلفاء والاصدقاء حول العالم، فضلا عن الضغوط في الداخل الامريكي من مؤسسات الضغط والمصالح اليهودية ذات التأثير الكبير في الوضع السياسي والانتخابي داخل الولايات المتحدة ولاسيما وان الادارة الاميركية امام استحقاق انتخابي رئاسي نهاية عام 2024.

الولايات المتحدة لا ترغب بإجراء تغييرات كبيرة وحادة في الشرق الاوسط لاعتبارات سياسية وامنية في المنطقة، واعتبارات الامن الطاقوي، فضلا عما أعلن عنه في مجموعة العشرين عن طريق التنمية الذي يبدأ من الهند ثم الامارات العربية والسعودية وانتهاء بالكيان الصهيوني والذي تريد منه واشنطن ان يكون وسيلة لإعادة ثقة حلفائها المنتجين للنفط بها. زيادة على ذلك، ولأن منطقة الشرق الاوسط تعد من مناطق الازمات في العالم، لا ترغب واشنطن بان تقود الحرب على حماس والفصائل الفلسطينية الى فوضى في المنطقة من قبيل تعدد الجبهات ضد الكيان الغاصب كما في جبهة الشمال حيث الجنوب اللبناني وحزب الله، ولا في الشمال الشرقي (مزارع شبعا والجولان) خشية تحرك الفصائل الموالية لإيران وامكانية شنها هجمات من داخل الاراضي السورية. كما ان احتلال القطاع يمكن ان يحرك شهية تركيا للتوغل أكثر في شمال سوريا الذي يضم في جزئه الشمالي الشرقي مصالح امريكية وحلفاء مثل قوات سوريا الديمقراطية.

هذه الاشكالية والتعارض بين ارادة الكيان الغاصب وارادة واشنطن، يمكن ان تعمل عليها الدول الفاعلة والمؤثرة في المنطقة مثل العربية السعودية والعراق ومصر وتركيا للدفع باتجاه اقناع صانع القرار الامريكي لعدم تأييد حكومة نتنياهو في احتلالها لقطاع غزة. اذ ان دول المنطقة تتفق مع واشنطن بضرورة عدم توسيع جبهة الصراع بين حكومة نتنياهو والفصائل الفلسطينية وعدم زج أطراف فاعلة اخرى فيها.

الاهداف الجديدة بسقوفها العالية المعلنة للكيان المحتل بحاجة الى تعامل عربي واسلامي جديد، بما فيه الدول ذات العلاقات الدبلوماسية والسياسية مع الكيان المحتل، اذ لم تعد المبادرة العربية التي أطلقتها العربية السعودية ويجرى التأكيد عليها في قمم الجامعة العربية (التي تشتمل على وجود دولة فلسطينية وتكون عاصمتها القدس الشرقية) تجد اي اهتمام من قبل المجتمع الدولي ولم تعد المعطيات ذاتها. لذلك لابد من بلورة اهداف عربية جديدة بعد التشاور مع الفاعلين الدوليين باتجاه حل الدولتين لاسيما وان هذا الهدف قريب من وجهة النظر الامريكية والاوروبية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2023
www.fcdrs.com

اضف تعليق