إن التطورات والتغيرات السريعة التي تجرى في بقاع العالم قاطبة، تؤكد علينا جميعاً ضرورة القيام بمراجعة فكرية - حضارية، نقرأ من خلالها أصولنا الفكرية ومفاهيمنا الأصلية قراءة جديدة، كخطوة أولى في سبيل إعادة تأسيس لمقولاتنا الفكرية والثقافية، لكي نشارك بفكر فاعل، وثقافة ناهضة في تطورات العالم ومنعطفاته الحضارية.

وبما أن المسألة الثقافية، تلخص تجربة الأمة، ووعيها بذاتها ومحيطها فهي تشكل نافذة أساسية يطل من خلالها الإنسان على العالم وأحداثه وتطوراته.

وعن طريق القراءة الجديدة، وإعادة تأسيس فهمنا وإدراكنا إلى مفاهيمنا وأصول ثقافتنا، تتحول الثقافة في محيطنا العام، إلى ثقافة ايجابية، تنقل الكتل البشرية المختلفة، من موقع الصمت السلبي أو الاستهلاك الدائم، إلى موقع المشاركة الايجابية في مسيرة المجتمع والوطن.

وتأسيساً على هذه الحقائق من الأهمية بمكان، إعادة النظر في موقع الإسلام من هذه التحولات والتطورات. وحتى نكشف هذه الموقعية، لابد من القول اننا كعرب ومسلمين نعيش في هذا العصر، لا نعود إلى الإسلام بل نتقدم إليه.

ولعل من الأخطاء الشائعة في هذا الصدد مقولة العودة إلى الإسلام، وكأن الإسلام يعيش في حيز ماضيوي، يقتضي الالتزام بمبادئه، العودة إلى ذلك الحيز. بينما الأصح القول أننا كبشر نعيش في عالم نسبي متغير باستمرار، والإسلام بمثابة العالم المطلق، الذي يتجاوز حدود المكان والزمان، لذلك فهو دين خالد، أي قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.

ومن خلال هذا المنظور، من الضروري القول أن عالم النسبية والتغير الدائم، هو الذي يتقدم للالتحام بعالم الكمال والإطلاق.

وبتعبير آخر: إن الوحي وهو المعطى الأساسي في الدين الإسلامي، يبقى خارج الزمان، بمعنى أن الوحي أوجد جملة من المبادئ والقيم المطلقة والخالدة، والتي لا تتأثر بزمان أو مكان محدد.

وفي مقابل ذلك فإن مقولة (العودة إلى الإسلام) تحمل في طياتها بعداً زمنياً غير مقصود. بمعنى انها مقولة تجعلنا حبيسين للزمن، والنص الإسلامي الخالد فوق الزمن.

لهذا فإن التقدم في رحاب المستقبل، واختيارات الإسلام الكبرى يعد هو المضمون المناسب لمعطى الوحي وحركة الإسلام الخالد.

وفي هذا الاطار نتساءل: (لماذا التقدم إلى الإسلام) هي المقولة المناسبة والمنسجمة مع مختلف المعطيات التي ينادي بها الدين الإسلامي..

1- إن التطور والتقدم ناموس كوني وحقيقة إنسانية ثابتة. إذ ان جميع الكائنات الحية الموجودة على هذه البسيطة، لا تتوقف عن التطور، والانتقال من حالة إلى أخرى.

ومجموع القيم والمنظومات العقدية والفكرية، هي التي تحدد تجاه سير التطور والتقدم. فإذا كانت المنظومات صالحة ومنسجمة وطبيعة الإنسان، فإن هذا التطور يعني الانتقال إلى الأحسن والتطور إلى الأرقى. وإذا كانت سيئة ومتعسفة بحق الإنسان وطبيعته، فإن الانتقال يتم من الأحسن إلى الحسن، وهكذا حتى يصل إلى الدرك الأسفل في مدارك التقهقر الإنساني.

ولهذا نجد أن القرآن الحكيم، يتحدث عن الكائنات الحية، باعتبارها كيانات متطورة متغيرة، غير ثابتة على حال.. يقول عز من قائل {هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون} (آية 67غافر).

لهذا فإن المصطلح الأجدى بالاستخدام، هو التقدم إلى الإسلام، باختياراته الكبرى ومثله العليا، التي مازال الإنسان يكدح من أجل التوصل إليها وتمثلها في واقعة المعاش، لا العودة إليه وكأنه حبيس حقبة تاريخية معينة.

2- إن التقدم إلى قيم الإسلام، ومحاولة تجسيدها في واقع الإنسان والمجتمع يعني غلبة بعد البناء على بعد الهدم. فلكي نتقدم إلى الأمام، نحن بحاجة إلى تذليل الصعاب وتسوية العقبات النفسية والاجتماعية والحضارية، وتوفير كل الأسباب، التي تقربنا من اختيارات الإسلام الكبرى.

وكل هذه المفردات تنتمي إلى حقل البناء والتعمير. لهذا فإن المزيد من العناية بالبناء والتعمير في كل المجالات ووفق المقاييس الموضوعية، يعني اننا اقتربنا خطوة نحو الإسلام وقيمه.

وهذا يدفعنا إلى القول، ان الإسلام دين البناء والعمران، دين تذليل الصعاب التي تحول دون رقي الإنسان المادي والمعنوي.

ولهذا نجد أن الدين الإسلامي، يحث على الاخوة والتعاون والتسامح والإيثار باعتبارها مدارج التقدم الإنساني، ويحذر من الشقاق والنفاق والفرقة والغلظة والأنانية باعتبارها مدارك للإنسان ومرجعة له.

من هنا فإن الدين الإسلامي، يعني بإزالة كل الأغلال والعوامل، التي تمنع من الانعتاق والتحرر من كل رواسب الانحطاط والتخلف، ويغرس الروح في النفوس للانطلاق نحو البناء الفاعلية والتقدم.

3- إن الإنسان على وجه هذه البسيطة سيبقى أبداً في حاجة إلى الإسلام بقيمه ونظمه وسلوكه، لكي يفقه وجوده، ويكون له معنى.

وعلى هذه فإن الإسلام كقيم ومبادئ، متقدم على واقع الإنسان وحركة حياته. لذا فإن مهمة الإنسان في هذا الوجود، هي السعي والكدح للوصول إلى ذلك المثال، وتجسيد تلك القيم في الواقع. {إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}. وعلى هذا فالإنسان الفرد والمجتمع، هو الذي يتقدم إلى الإسلام، وهو دائماً متقدم على الواقع.

4- إن بناء عالم الإنسان وفق اختيارات الإسلام وقيمه ونظمه ومعارفه، تتطلبان تطور الإنسان وتقدمه، حتى يصل إلى مستوى يؤهله إلى تطبيق اختيارات الإسلام على واقعه الخاص والعام.

ومن هنا فإن التقدم نحو الأعلى بحاجة إلى الفعل الإنساني القائم على التفكير والإرادة والابداع وتجسيد مثل الإسلام في الواقع.

فالإسلام هو الذي نقل واقع الإنسان السيئ إلى واقع أحسن، وهو الذي تمكن من توفير المعالجات الناجعة للكثير من المشكلات التي يعانيها الإنسان آنذاك.

ويشير إلى هذه المسألة المؤرخ الألماني (شبنجلر) بقوله: لم يستطع هذا العالم أن يشعر بوحدته إلا على يد الإسلام، وهذا هو سر نجاحه الهائل السريع.

إن الإسلام وحده الذي استطاع أن يجعل هذه البيئة الشاسعة الموزعة تشعر بأنها تكون وحدة، هو وحدة الحضارة التي تربطها كلها في هذا الزمان.

وعن الإسلام نشأت الحضارة العربية، التي بلغت أوج نضوجها الروحي، حينما أغار المتبربرون الغربيون على هذه البيئة قاصدين بيت المقدس، فالمدينة الإسلامية حتى الحروب الصليبية، تمثل الصورة العليا لهذه الحضارة التي سماها (شبنجلر) الحضارة العربية.

فمن الأجدى والأجدر، أن نقول أن مهمة الإنسان، هي التقدم بوضعه الخاص والعام، حتى تتشكل الظروف الذاتية والموضوعية، لتجسيد قيم الإسلام واختياراته الكبرى في الواقع الخارجي.

من هنا فإن التقدم السياسي والاجتماعي والحضاري، يساهم بشكل كبير في فهم وادراك تجليات الإسلام واستيعاب مضامينه العليا.

وعليه فإن الإسلام يشجع على التقدم والتطور في مختلف المجالات، ويلزم معتنقيه بالمساهمة والمشاركة الجادة في العمران الحضاري. لأن التقدم الإنساني، هو الذي يؤهل البشرية اليوم لاستيعاب مضامين الإسلام الحضارية، ويحدد مهمة الإنسان الكبرى في هذه الحياة، وهي السعي والكدح لإنجاز هذه المضامين والقيم في الواقع الخارجي.

اضف تعليق