تأخر تشكيل الحكومة رغم مرور حوالي السنة على اجراء الانتخابات الموصوفة زورا بانها "مبكرة" مؤشر على ان نظام ٢٠٠٣ يعاني من ازمة سياسية خانقة، يضاف الى مصفوفة المؤشرات الاخرى مثل الفساد، وتردي الخدمات، وشلل مجلس النواب، والبطالة، والفقر، وغياب الدولة، وغير ذلك.

ومن الطبيعي ان يفكر المعنيون بالتوصل الى حلول تساعد على الخروج من هذه الازمة. ومن المنطقي ان نتصور ان هناك ثلاثة انواع من الحلول هي: الحلول العاجلة، والحلول متوسطة المدى، والحلول بعيدة المدى.

على المستوى العاجل تأتي مسألة انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل مجلس الوزراء وغيرهما.

وعلى المستوى المتوسط تأتي مسألة الفقر والبطالة ومكافحة الفساد وغير ذلك.

وعلى المستوى البعيد تأتي مسالة بناء الدولة.

وهنا ادعو القائمين على الاصلاح باي صفة كانوا ان يدركوا ان هذه المستويات مترابطة ترابطا عضويا تكامليا وليست مفردات اجرائية مستقلة بعضها عن البعض الاخر.

وهذا يفرض ان يكون التخطيط والعمل لهذه الحلول بمستوياتها الثلاثة مترابطا، ينطلق من رؤية واحدة شاملة للعملية الاصلاحية بوصفها عملية سياسية واقتصادية ودستورية وقانونية وتربوية.

فعلى سبيل المثال اذا اردنا ان نعالج مشكلة الفقر فعلينا ان ندرك ان سبب الفقر هو انخفاض الانتاجية، عدم العدالة في التوزيع، سوء استخدام الموارد الطبيعية. ويعبر هذا التشخيص للمشكلة عن اختلال العلاقة المزدوجة بين الانسان والطبيعة، وعلاقة الانسان بالإنسان. وهذا هم بالمجمل العنوان الرئيسي لكثير من العناوين الاقتصادية والقانونية والتربوية وغير ذلك.

فاختلال علاقة الانسان بالطبيعة يؤدي الى عدم الاستثمار الافضل للثروات الطبيعية. واختلال علاقة الانسان بالإنسان يؤدي الى سوء التوزيع (انعدام العدالة).

ومن اجل معالجة مشكلة الفقر فان البكاء على الفقراء موقف جنائزي استهلاكي لا يكفي للمعالجة، في حين ان معالجة الاختلالات في علاقة الانسان بالإنسان وعلاقة الانسان بالطبيعة تصرف حضاري انتاجي بناء يؤدي فعلا الى حل مشكلة الفقر. وهذا النوع من التفكير يستبعد فكرة تقديم المساعدات المالية والعينية ويعتبرها بمثابة مسكّن للمشكلة وليس حلا لها.

ومثلها مشكلة البطالة التي تؤشر الى خلل حاد اخر، لا يكون مجرد التعيين في دوائر الدولة حتى مع عدم الحاجة الى المزيد من الموظفين، حلا له، ويعتبره ايضا بمثابة مسكّن مؤقت للمشكلة وليس حلا لها.

فاذا كانت الدولة مضطرة الى اللجوء الى المسكنات لحل مشكلة الفقر او مشكلة البطالة بالإجراءات العاجلة (التعيين في دوائر الدولة، او تقديم المساعدات المالية والعينية)، فانه يجب اعتبار ذلك اجراء مؤقتا عاجلا، يجري اللجوء اليه بالتزامن مع العمل على حلول متوسطة المدى او بعيدة المدى. وبذا لا يكون الاجراء العاجل مفصولا عن الاجراء المتوسط او البعيد المدى.

واذا قلنا، لاجمال الموضوع، ان جوهر الازمة العراقية يكمن في الخلل الحاد في المركب الحضاري للدولة والمجتمع في العراق، ومنظومة القيم العليا الحافة به، فان الحلول العاجلة والمتوسطة والبعيدة يجب ان تتم بالارتباط مع معالجة هذا الخلل الحاد. وليس هذا الكلام تنظيرا مثاليا ولا تفكيرا بعيدا عن الواقع، انما هو في صلب التحليل العلمي الدقيق للازمة وفي صلب الحلول الجوهرية لها. ويقودنا هذا الارتباط الى النظر الى كل الاجراءات العاجلة والمتوسطة والبعيدة من خلال علاقتها باقامة دولة حضارية حديثة تقوم على اساس المواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات والعلم الحديث.

ذلك ان الدولة الحضارية الحديثة هي الاطار القيمي الذي يمكن من خلاله معالجة كل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية والتربوية التي يمر بها العراق. واذا تحقق ذلك، فلسنا نضمن فقط امكانية التوصل الى حلول، وانما نتمكن من اختصار الطريق والجهد والمال في هذا المجال ايضا.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق