آراء وافكار - مقالات الكتاب

غياب التخطيط الاستراتيجي للقيادات السياسية

في ضوء الاحتقان السياسي في العراق

مع تزايد الاحتقان السياسي نتيجة الضغط الذي احدثته الاحتجاجات الصدرية عقب ترشيح الاطار التنسيقي لمحمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة وازمة تسريب التسجيلات، ومع تزايد العقبات والتحديات التي وضعت في طريق تشكيل الحكومة وحسم انتخاب رئيس الجمهورية، والمطالبة الصدرية بتغيير النظام السياسي ثم الرجوع الى حل البرلمان واجراء انتخابات جديدة وبعد احداث المنطقة الخضراء، يمكننا تسجيل عدد من النقاط المتمركزة في نقطة أساسية محورها غياب التخطيط الاستراتيجي للقيادات السياسية العراقية في ظل عدم القدرة على تحقيق الاصلاحات السياسية او تجاوز الخلافات السياسية والالتزام بالدستور واحترامه ومراعاة تطلعات الشعب العراقي، والتي يمكن رصد معظمها وفق ما يتطلبه البحث الموضوعي، والتي أهمها:

1- في المشهد السياسي، استمرار حضور مسلسل الصراعات الى جانب صراع الهويات الذي لا يهدأ نتيجة اسباب متعددة، يتجسد صراع الارادات السياسية بشكل أكثر وضوحا ليعزز الازمة البنيوية للنظام السياسي الذي غابت فيه الايديولوجية لصالح وجود الشخصانية والفئوية الضيقة، والتي ابتعدت عن اساس بناء دولة المؤسسات لصالح بناء ائتلافات مناصب وامتيازات ضمن اطار السلطة الرخوة، ليكون منهج صراع الارادات السياسية الاساس في الخطاب والواقع السياسي. ان استمرار مشهد صراع الارادات السياسية رمى بظلاله الى عدم امكانية تحديد استراتيجيات بناءة لقيام دولة او بناء نظام سياسي مستقر له توجهات اقتصادية واضحة، ومواقف صارمة من الدول الإقليمية والدولية، الامر الذي اوضح فشل القيادات السياسية في رسم السياسة العامة للدولة داخليا وخارجيا.

وبناءً على ما ذكر في النقطة اعلاه يمكن تسجيل عدد من النقاط الجوهرية، ومنها:

أ- ادى ترسيخ الصراع السياسي الحزبي الفئوي الى انشغال قادته بالأمور التكتيكية المرحلية المصلحية اكثر من الامور الاستراتيجية التي هي بحاجة حقيقية الى تشخيص وحلول عملية.

ب- ادى تجسيد علاقات الصراع المحكومة بنوازع الفئوية الضيقة الى ما يمكن تسميته بـ(تشظي المصالح السياسية الفئوية) في ظل سيادة التنافس الحزبي المصلحي، المصاحب لظاهرة امتلاك السلاح خارج اطار الدولة، وتدفق حضور المال السياسي والدعاية والقدرات الاعلامية والتأثيرات الخارجية في العملية السياسية، وهذا ما يعني استمرار استشراء الطبقة الفاسدة من السياسيين المنتفعين الذين تركز همهم الاكبر في بناء المصالح الذاتية والحزبية او بناء الذات خارج البيئة العراقية من خلال الاستئثار بالسلطة وسرقة المال العام، وهذا ما يوضح من خلال استشراء الفساد (الذي ظل العامل الاساس في فوز الكتل السياسية المتنفذة لدورات انتخابية) في ظل عدم وجود الثقة الحقيقية في اتخاذ خطوات ايجابية عملية باتجاه طريق اصلاح الفساد المالي والاداري وتحقيق قوة القانون.

الامر الذي يبرز حقيقةً عدم امتلاك القيادات السياسية لمشروع وطني واضح المعالم، نتيجة التشويه الوظيفي في اداء السلطات السياسية التي تعارضت وفق قواعد العمل الديموقراطي مع التنشئة الاجتماعية للمكونات المختلفة، مما انتج بشكلٍ طبيعي حالات من الفساد السياسي الوظيفي والمحاباة والطائفية السياسية التي ابعدت الفرقاء السياسيين بقياداتهم على التركيز على البناء السياسي الصحيح لينتج بناءً مشوها في ظل غياب اي تخطيط يذكر لتأصيل المفاهيم والقيم الديموقراطية والقانونية وتنميتها في ثقافات المكونات المجتمعية العراقية، وانما جاء البناء خاويا مركزا على استحصال اقصى المكاسب الشخصية الممكنة في ظل الإصرار على بقاء اشكاليات التوافقات السياسية بين الفرقاء وسيادة المحاصصة السياسية.

2- غياب التخطيط الاستراتيجي للقيادات السياسية في التعامل مع المكونات الداخلية والخارجية وخاصة جيل الشباب الصاعد، فقد غاب عنها امكانية احتواءه الذي أمتاز نشوءه تزامنا مع زمن غياب العهد الصدامي الشمولي الذي لم يشهده، مع تصاعد وترديد مفردات الحرية والديموقراطية التي تزامنت مع سيادة الواقع الافتراضي لديه الذي استطاع من خلالها ممارسة تلك الحرية بشكلٍ غير مقيد وفق مفهومه لها.

وعليه، فهو جيل لم يشخص فساد النظام السابق مثلما شخص بشكل واضح فساد الطبقة السياسية الحالية التي نفر منها، مما جعله جيل سهل الاستقطاب من قبل اطراف اخرى داخلية وخارجية. لقد ظل هذا الجيل الشبابي يشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل الاحزاب السياسية المهيمنة على القرار السياسي، مع تشكيله ضغطا حقيقيا وكبيرا في الآن نفسه على احزاب السلطة فكان سببا أساسيا لالتزام القوى السياسية نحو اجراء انتخابات مبكرة لكنها لم تعبر عن تطلعات هذا الجيل بسبب الاحتقان السياسي والصراع على السلطة ما سيدفع بشكل اقوى نحو حراك شبابي يطالب بالتغيير باستمرار.

3- تغييب البرجوازية الاقتصادية المتعمد في الواقع السياسي العراقي رغم مرور ١٩ عام على التغيير الديموقراطي، مما يشير الى عدم صعود او تبلور قوى سياسية اجتماعية اقتصادية ممكن ان تعبر عن مصالح جمهورها، بل استمرت الاحزاب السياسية تمثل اقطاعيات مناطقية وعائلية وطائفية وعرقية. الى ان بقت مسألة خوض العمل السياسي والعملية الانتخابية في عقلية القيادات السياسية لاسيما الحزبية وسيلة لتأمين السيطرة على المال الريعي وتقاسمه مصلحيا، فمعادلة التكافؤ بين كل من (المجتمع، الطبقة البرجوازية الاقتصادية، الحكومة) لم تتحقق ابدا كما هو معمول به في النظم الديموقراطية الحقيقية والتي عادة ما تسعى الاحزاب السياسية فيها الى تأمين حماية مصالح المجتمع ومن ضمنها الطبقة البرجوازية التي انتجت الاحزاب لتدافع عن مصالح هذه الطبقة.

وهكذا لم تخطط القيادات السياسية العراقية استراتيجيا في دخول العملية الانتخابية على صنع طبقة برجوازية اقتصادية، لتبقى القوى السياسية معبرة عن مصالحها دون مصالح الجمهور وليستمر المال السياسي مرتكزا على النظام الريعي والذي يعد الاساس في استمرار الفساد السياسي والاقتصادي وعدم تحقيق الاستقرار بشكل عام.

4- اما خارجيا، فقد غابت الرؤية السياسية للقيادات في كيفية التعاطي مع القوى الاقليمية والدولية بشكل حيادي بعيدا عن اي هدف مصلحي، في ظل زيادة الاستقطابات الاقليمية في الداخل العراقي، هذا الامر الذي يؤكد ضرورة بقاء العراق ساحة صراع اقليمي محتوم في ظل منطقة الشرق الاوسط لأجل تحقيق قوة اطراف اخرى في المنطقة بمساعدة الدول المجاورة.

وهكذا بناءً على ماذكر داخليا وخارجيا يمكن القول بحصول خلط الاوراق الداخلية والخارجية، انطلاقا من حقيقة ان دول المنطقة والولايات المتحدة الامريكية استغلت الفساد المستشري في الداخل العراقي مع وضوح تململ المجتمع عموما الى جانب فشل تجربة احزاب السلطة في ظل وجود جيل جديد ناشئ احتجاجي رافض للفساد يسهل عملية التدخل المستمر في الشأن والتدبير السياسي للعراق ويجعل من الخارج لاعبا والعراق ملعب لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001 – 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق